Sunday, 2 August 2026

ترجمة مقال: أميركا تدمر نفسها... وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة



هذا مقال تم نشره في الجارديان في الذكرى المئتين والخمسين لتأسيس الولايات المتحدة (في الرابع من يوليو ٢٠٢٦)، ومن وقت نشره حتى الآن أعود إليه، لأنه في ظني مقال مهم..

أميركا تدمر نفسها... وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة
ستيفن مارش
حلّ الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال الأميركي في لحظة تبدو محرجة للجمهورية. فالولايات المتحدة، التي قامت أساسًا للإطاحة بملك مختلّ، انتهى بها الأمر بعد قرنين ونصف إلى انتخاب "ملك مختل" من صنعها. وكأن أميركا تشعل النار في نفسها وهي تحتفل بعيد ميلادها. ولطالما اتسمت بالنزعة إلى الدراما.
بعد ثلاثين أو أربعين عامًا، إذا ظل هناك مؤرخون، فسيتساءلون كيف اختارت أغنى دولة في التاريخ، وصاحبة أقوى شبكة تحالفات في العالم، والتي تمتلك قدرة علمية وبحثية استثنائية تستقطب أفضل العقول من مختلف أنحاء العالم، أن تهدر كل ذلك بإرادتها.
ربما كنت أقرب من كثيرين إلى محاولة فهم الإجابة. ففي أثناء إعداد كتابي "الحرب الأهلية المقبلة"، أجريت مقابلات مع مئات الخبراء في محاولة لاستيعاب الأسباب العميقة والبنى التي تقف وراء هذا الانحدار. التقيت متطرفين من اليمين واليسار، وخلصت إلى أن فجرًا مظلمًا يلوح في الأفق. ومع ذلك، ظل جزء مني يرفض تصديق أنهم سيمضون فعلًا في هذا الطريق. ولهؤلاء المؤرخين المستقبليين لا أملك سوى القول إن تدمير أميركا لنفسها لا يزال لغزًا بالنسبة إلينا نحن أيضًا.
متى بدأ كل شيء ينهار؟
يرى معظم الباحثين المتخصصين في انهيار الأنظمة السياسية، ممن تحدثت إليهم، أن نقطة التحول كانت الأزمة المالية عام 2008، التي قضت على حلم الحراك الاجتماعي. بينما أعاد آخرون جذور الأزمة إلى عام 1980، حين بدأت فجوة الدخل تتسع بشكل غير مسبوق، وبدأت الثقة بالمؤسسات تتهاوى. وهناك من يعود إلى عام 1876، مع نهاية مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية، فيما يرجعها آخرون إلى الحرب الأهلية نفسها، أو حتى إلى حرب عام 1812.
لكن ذلك كله كان قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية.
فمنذ توليه السلطة مجددًا، بات واضحًا أن الأزمة التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم ليست طارئة، بل كانت كامنة في مشروعها منذ لحظة تأسيسها.
بذور الانهيار كانت موجودة منذ البداية
لقد أدرك أكثر الأميركيين ذكاءً منذ البداية أن نشأة بلادهم تحمل في داخلها بذور فنائها. ففي خطاب الوداع، تنبأ جورج واشنطن، بدقة لافتة، بحالة الاستقطاب الحزبي الحاد التي تمزق اليوم الدولة التي أسسها.
أما أبراهام لينكولن فقال يومًا:
"إذا كان قدرنا أن نهلك، فعلينا نحن أن نكون صانعي هذا الهلاك ومنفذيه... فإما أن نعيش إلى الأبد أمة من الأحرار، أو نموت منتحرين."
ويبدو أن نبوءته قد تحققت.
تشكل الذكرى المئتان والخمسون للاستقلال فرصة لإعادة النظر في المشروع الأميركي، ليس فقط لأنها أعادت فتح النقاش حول الثورة الأميركية نفسها، بل لأن التجربة الأميركية، كما يبدو، بلغت نهايتها، ولا بد أن تحمل بداياتها بعض التفسير لنهايتها.
بين التاريخ والأسطورة
كما هو الحال مع كل الأساطير المؤسسة، تبقى تفاصيل الثورة الأميركية ضبابية، بينما تظل صورها راسخة في الذاكرة: طفل يقف إلى جوار شجرة كرز مقطوعة، ورجل يمتطي جواده ليلًا لينذر القرى، ورجال يلقون شحنات الشاي في الميناء، ونساء يخطن النجوم على العلم.
إن أحداث الثورة تعيش في مساحة وسطى بين الحلم والواقع، حيث يمتزج التاريخ بالأسطورة.
وكان أحد أوائل المؤشرات على التراجع الأميركي السريع هو الانقلاب الحاد في نظرة الأميركيين إلى تاريخهم. ففي موجة إسقاط التماثيل عام 2020، التي استهدفت أساسًا قادة الحرب الأهلية، لم يتردد المحتجون أيضًا في إسقاط تماثيل توماس جيفرسون وجورج واشنطن.
وردًا على هذه القراءة الراديكالية للتاريخ الأميركي، أعادت ولايتا فلوريدا وتكساس صياغة مناهجهما الدراسية الخاصة بالثورة الأميركية بما يعكس رؤية أكثر محافظة. وفي فلوريدا، أطلق على المنهج البديل لمقرر التاريخ المتقدم اسم FACT، اختصارًا لعبارة Florida Advanced Courses and Tests، في إشارة ساخرة توحي بأن أحدًا ما لا يزال يحتفظ بحس الفكاهة.
ويركز هذا المنهج على أن تأسيس الولايات المتحدة يستند إلى "الحضارة الأميركية وجذورها العميقة في الحضارة الإنجليزية، بل والحضارة الغربية عمومًا"، وهي رؤية تبدو متناقضة إلى حد كبير؛ فمن أراد الحضارة الإنجليزية لما أصبح أميركيًا أصلًا.
لكن القراءات المؤدلجة للثورة، سواء من اليسار أو اليمين، لا ينبغي التعامل معها بوصفها تفسيرًا جادًا للتاريخ أو مراجعة حقيقية له. فهي في النهاية مجرد انطباعات: إما أن تقول إن أميركا بلد بائس، أو إنها أعظم بلد في العالم.
ظهرت أيضًا أعمال تاريخية أكثر أهمية تزامنًا مع الذكرى الـ250. ويأتي فيلم كين بيرنز الوثائقي الثورة الأميركية بالمستوى نفسه من الجودة والعمق الذي تميزت به أعماله الوثائقية الأخرى، لكنه أقل إرضاءً.
ففي أعماله عن الحرب الأهلية والجاز والبيسبول، وسّع بيرنز الخطوط العريضة للتاريخ المعروف على نطاق واسع وأغناها بتفاصيل نابضة بالحياة وسرد ثري. أما الثورة الأميركية، فهي أسطورية إلى درجة أن معرفة ما كانت عليه حقًا تقلل، بطريقة ما، من سحرها.
في روايته، لم يكن الآباء المؤسسون أبطالًا، ولم يكونوا أيضًا وحوشًا. كانوا رجالًا يعيشون وسط فوضى التاريخ، مزيجًا من المُثل والطمع والمصالح، يتحركون في خضم ظروف معقدة وولاءات متشابكة وضرورات مادية. ارتكبوا أعمالًا وحشية في بعض الأحيان. وأظهروا شجاعة في أحيان أخرى. كانوا أغبياء أحيانًا، ولامعين أحيانًا أخرى.
يكشف بيرنز تناقضات الثورة، لكن هذه التناقضات أصبحت معروفة منذ زمن. فقد كان حب الآباء المؤسسين للحرية نابعًا، بصورة مباشرة، من ممارستهم للعبودية. كتب توماس جيفرسون إعلان الاستقلال بينما كان أحد خدمه، وهو ابن إحدى عبداته ووالد زوجته، يقدم له الشاي. وكتب جورج واشنطن:
"لقد بلغت الأزمة مرحلة يتعين علينا فيها أن نؤكد حقوقنا، أو أن نخضع لكل ما يمكن أن يُفرض علينا من مظالم، حتى تجعلنا العادة والاستسلام عبيدًا أذلاء، كالعبيد السود الذين نحكمهم بهذا القدر من السلطة التعسفية."
بدأت الثورة الأميركية برجال من أصحاب الأملاك لا يريدون أي قيود على ممتلكاتهم، لكنها خيضت في معظمها بأيدي رجال لا يملكون شيئًا. وكانت الثورة حربًا أهلية بقدر ما كانت حربًا من أجل التحرر. وكان ابن بنجامين فرانكلين نفسه مواليًا للتاج البريطاني.
لكن كل ذلك كان معروفًا، إن لم يكن شائعًا بين الجميع. فقد احتوت الثورة على تناقضات، تمامًا كما تحتوي الولايات المتحدة على تناقضات لا حصر لها.
وما كان فريدًا في تأسيس الولايات المتحدة لم يكن العنف ولا المثالية، بل القدرة على تحويل العنف والمثالية إلى أسطورة وطنية. وكان الأثر الأكثر ثورية للاستقلال الأميركي هو أنه خلق تصورًا للولايات المتحدة باعتبارها دولة فريدة، استثناءً على التاريخ.
ومهما يكن الموقف الذي يتخذه الأميركي من الثورة، يساريًا كان أم يمينيًا، فإنه ينتهي إلى النتيجة نفسها: أن الولايات المتحدة أعظم دولة في تاريخ العالم. وحتى عندما يقول الأميركيون إنهم لا يؤمنون بذلك، فإنهم يؤمنون به.
إن فكرة الاستثنائية الأميركية أعمق من مجرد اعتقاد. إنها متجذرة في الوجدان، ومغروسة في العظام. فلا وجود لأميركا من دون الاستثنائية الأميركية. وقد بدأت هذه الاستثنائية مع الثورة.
وتبدو الولايات المتحدة اليوم على نحو متزايد كبلد أثقل كاهله التاريخ، واختنق بماضٍ لا يستطيع مواجهته ولا تجاوزه.
ومع تراجع الولايات المتحدة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، أخذت تعود إلى لحظة نشأتها أكثر من أي وقت مضى، في محاولة ميؤوس منها للحفاظ على اقتناعها بأنها دولة استثنائية.
ولم يسبق لأميركا أن كانت بهذا القدر من الالتفات إلى الماضي. فقد أظهر استطلاع حديث أجراه مركز بيو للأبحاث أن 59% من الأميركيين يعتقدون أن أفضل سنوات بلادهم أصبحت وراءهم.
وهذا ليس مجرد شعور عام. فالماضي الأميركي البعيد، وليس المستقبل الأميركي، أصبح يشكل بصورة متزايدة أساس البنية السياسية للبلاد. وكان الإرث الأبرز والأكثر دوامًا لسنوات ترامب هو تحويل الأصولية الدستورية إلى الإطار المهيمن على النظام القانوني الأميركي.
وكان التشوه الذي أصاب السياسة الأميركية نتيجة الحنين إلى الماضي هائلًا. فمنذ حكم Bruen، الذي طبقت فيه المحكمة العليا معيارًا تاريخيًا على التعديل الثاني للدستور، أو ما وصفته بـ"التقليد التاريخي للأمة في تنظيم حمل الأسلحة"، امتلأت المحاكم الأميركية بحجج، يستحيل عمليًا الفصل فيها، حول نظرة الأميركيين إلى الأسلحة قبل 250 عامًا.
ولم تكن تلك سوى بداية المفارقات. فقد سمحت المحاكم أيضًا بعودة التلاعب بالدوائر الانتخابية على أسس عرقية. وهذه بدورها تعكس أصول الدولة نفسها، إذ إن التلاعب بالدوائر الانتخابية (Gerrymandering) ابتكره إلبريدج جيري، حاكم ولاية ماساتشوستس وأحد الآباء المؤسسين.
يمثل دونالد ترامب ذروة الحنين إلى الماضي. وليس عبثًا أن يحمل شعاره عبارة: "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى."
ويجب فهم انتهاكه للأعراف السياسية على أنه منسجم تمامًا مع طبيعة دولة ثورية كانت الوطنية فيها، منذ البداية، تُقاس بالإطاحة العنيفة بالنظام القائم.
وقال راش ليمبو بعد أحداث السادس من يناير:
"هناك كثيرون يدعون إلى إنهاء العنف... ويقولون إن أي عنف أو عدوان غير مقبول على الإطلاق، مهما كانت الظروف."
ثم تابع:
"أنا سعيد لأن صامويل آدامز... وتوماس باين... ورجال حفلة الشاي الحقيقيين... والرجال الذين قاتلوا في ليكسينغتون وكونكورد... لم يكونوا يفكرون بهذه الطريقة."
أما المسؤولون المنتخبون الذين هاجمهم مثيرو الشغب، فقد انتهى بهم الأمر إلى الاتفاق مع كثير من أفكار مهاجميهم. وفي إطار "صندوق مكافحة تسييس العدالة" الذي سعى ترامب إلى إنشائه، والذي كان من الممكن أن يكافئ متمردي العصر الحديث، اختار بصورة رمزية مبلغ 1.776 مليار دولار.
هذه هي حقيقة ترامب.
لا أحد يستطيع أن يقول إنه غير أميركي.
إنه أميركي أكثر مما ينبغي.
ويقدم بيرنز في روايته للثورة تفسيرًا كاشفًا: فالدوافع التي حركت الثورة، والتي غلفتها لاحقًا ضبابية المثاليات المستمدة من عصر التنوير، كانت تقوم في جوهرها على الجشع.
فقد أوقفت الحكومة البريطانية التوسع غرب جبال الأبلاش، وحاولت حظر المضاربة والاتجار بالأراضي التي كانت تعتبرها، بحق، ملكًا للسكان الأصليين.
وبعد حرب السنوات السبع، التي جعلت أميركا الشمالية بريطانية، خرجت الإمبراطورية البريطانية منهكة ماليًا. وكان المواطن البريطاني يدفع 26 شلنًا ضرائب، مقابل شلن واحد فقط يدفعه سكان المستعمرات. لكن ذلك الشلن الواحد كان أكثر مما يحتملونه.
وكانت إحدى البشائر الأخرى للثورة هي البهجة التي كانت تستولي على الحشود. فقد كان طلاء المسؤولين البريطانيين بالقار والريش شكلًا من أشكال التسلية الشعبية. وكان الانتقال من الرعية إلى المواطنة، كما يصفه الفيلم الوثائقي، "استعراضًا للعنف."
إن عبارة "أمسكوهن من أعضائهن التناسلية" تنسجم تمامًا مع روح الثورة، بقدر انسجام عبارة "لقد خُلق جميع البشر متساوين."
لقد شعر الآباء المؤسسون بأن من حقهم الحصول على كل شيء من دون مقابل، والاستفادة من عمل الآخرين من دون دفع ثمنه. وكانوا يهينون ويحطون من قدر كل من يعترض عليهم.
إن الأميركيين يعودون مترنحين إلى نقطة بدايتهم.
الجشع، واستعراضات العقاب، هما ما يميزهم.
ليس الأميركيون مدمنين على الحرية في حد ذاتها، بل على الإحساس بالتحرر، وعلى التخلص من القيود. إنهم ينتشون بذلك.
لقد جعلت الثورة من إطاحة الجماهير بالسلطة السياسية بالقوة قيمة سياسية إيجابية صريحة، بل القيمة السياسية المؤسسة للدولة.
وذلك سم خالص.
إنه السم الأميركي.
إنهم يشربون سمهم بأيديهم.
يشربونه حتى آخر قطرة.
وهم يموتون بسببه.
ولا تزال الاستثنائية الأميركية مستمرة بلا انقطاع. فما زال الأميركيون يجوبون العالم لإلقاء المواعظ، ويزعمون أن القتل الذي يمارسه جيشهم بدافع التسلية هو تجسيد للحق الأخلاقي.
ويمكن اختزال السياسة الخارجية الأميركية كلها، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في عبارة واحدة قالها ضابط أميركي خلال هجوم تيت في فيتنام:
"أصبح من الضروري تدمير البلدة من أجل إنقاذها."
ومع عودة الأميركيين إلى نقطة انطلاقهم، وإلى نزعتهم الأولى، فإنهم يفقدون أنفسهم.
وفي نوع من الانحلال الارتدادي، يعمل دعاة التفسير الحرفي للدستور على جعله أكثر فأكثر بلا معنى.
تُدنَّس الرموز.
ويُطلى الجرانيت المحيط ببركة الانعكاس.
لقد هدموا البيت الأبيض بأيديهم؛ فلم يعد البريطانيون بحاجة إلى إحراقه.

Wednesday, 6 November 2024

ترامب ومصر.. سيناريوهات عودة الحليف


تم نشر المقال في موقع المنصة يوم الأحد 31 مارس 2024

تبدو عودة دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة غير مستبعدة. ولأن العالم تعرف عليه خلال الولاية الأولى، فإن عودته بعد جو بايدن، تمنحنا فرصة لم تحدث من قبل مع رئيس أمريكي قادم لتوقع سياسته الخارجية تجاه مصر.

ربما علينا تذكُّر أن القاهرة راهنت على ترامب قبل دخوله البيت الأبيض رئيسًا. بدا هذا الرهان في الأشهر التي سبقت انتخابات عام 2016 الرئاسية مُستغربًا. فرغم العلاقة المتوترة بين إدارة الرئيس الديمقراطي باراك أوباما، والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، فعدم إعلان الانحياز تجاه أي مرشح رئاسي أمريكي كان أحد ثوابت السياسة الخارجية المصرية.

كسرَ النظام المصري هذه القاعدة في الانتخابات التي اختار فيها الحزب الديمقراطي وزيرة الخارجية السابقة، هيلاري كلينتون، كي تمثله أمام المرشح الجمهوري دونالد ترامب، ولعل هذا الرهان هو ما جعل السيسي أول رئيس دولة يتحدث مع ترامب هاتفيًا فور إعلانه رئيسًا قادمًا للولايات المتحدة الأمريكية.

أشاد الرئيس المحب للصفقات السياسية البراقة بالرئيس السيسي، خلال فترة وجوده بالبيت الأبيض، واعتبره شريكًا يمكن الاعتماد عليه لتحقيق تصورات إدارة ترامب في الشرق الأوسط مثل مشروع صفقة القرن لإحلال السلام بين إسرائيل والفلسطينيين.

كما بدا ترامب متفهمًا لمخاوف مصر من سد النهضة الإثيوبي وتأثيره المباشر على أمنها المائي، في الوقت نفسه لم يكن حريصًا على أجندة سلفه أوباما في دعم ملفيّ حقوق الإنسان والتحول الديمقراطي في الشرق الأوسط أو حتى حريصًا على الأجندة المعلنة للرئيس جورج دبليو بوش الخاصة بدعم نشر الديمقراطية في الشرق الأوسط.

فهل سيحافظ ترامب على نهجه تجاه مصر إذا وصل إلى البيت الأبيض للمرة الثانية؟

ربما تعتمد إجابة هذا السؤال على التحولات العميقة التي تمر بها المنطقة، خاصةً في أعقاب الحرب التي تخوضها إسرائيل في قطاع غزة، تلك الحرب التي أثرت في خطط الولايات المتحدة للانسحاب من الشرق الأوسط ونقل ثقلها العسكري لمنطقة المحيط الهادي من أجل احتواء الصين، كما تعتمد الإجابة أيضًا على أجندة المطالب الأمريكية من مصر خلال السنوات المقبلة.

ملفات ترامب المصرية

خلال سنوات حكم الرئيس السابق حسني مبارك، كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ رونالد ريجان وحتى جورج دبليو بوش تنظر للعلاقة مع مصر من خلال خمسة ملفات.

في مقدمة هذه الملفات يأتي الحفاظ على السلام مع إسرائيل، ثم ملف التعاون العسكري، وملف التعاون الأمني، وملف قدرة القاهرة على تقديم غطاء سياسي للتحركات الأمريكية في المنطقة، وآخر هذه الملفات يتضمن الاستثمار في ربط الاقتصاد المصري بالشركات الأمريكية وبالسوق الأمريكية من خلال تسهيل التصدير للولايات المتحدة كضمانة للحفاظ على التحالف السياسي.

من المرجح أن يحاول ترامب إعادة ترتيب أولويات العلاقات الأمريكية المصرية وفق ملفات المنطقة المشتعلة. وبالتأكيد عند دخوله البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025 ستظل آثار الحرب الإسرائيلية في غزة مستمرة، حتى وإن توقفت العمليات العسكرية، وهو الأمر الذي سيدفع ترامب لإعلان موقفه من المطالبات الدولية بتنفيذ حل الدولتين بما يتضمنه من تنازلات إسرائيلية لا يريد أي طرف في المعادلة السياسية الإسرائيلية الحالية تقديمها.

من المؤكد أن ترامب سيحاول تفعيل صفقة القرن بما تتضمنه من دولة فلسطينية منزوعة السيادة وخالية من القدس أو من الأراضي التي تم احتلالها خلال حرب 1967، وهي الصفقة التي ستحتاج لغطاء سياسي من الدول العربية، في مقدمتها مصر والسعودية.

ومن المحتمل أن يحاول ترامب تنفيذ رؤية زوج ابنته ومستشاره جاريد كوشنر بشأن غزة، عندما قال في جلسة بجامعة هارفارد إن الجزء الواقع على الواجهة البحرية في غزة "قيم للغاية" لاستغلاله عقاريًا وسياحيًا، وأنه إذا كان يملك القرار في إسرائيل فإنه سيبذل قصارى جهده "لإخراج الناس من غزة وتنظيفها".

إذا تبنت إدارة ترامب رؤية كوشنر لغزة، فإن ذلك سينقل مستوى التوتر السياسي والأمني في المنطقة لمرحلة أعلى، وبالطبع سيكون مطلوبًا من القاهرة أن تنخرط في جهود إثناء ترامب عن تبني هذه الرؤية الكارثية.

المقايضات "الترامبية"!

خلال إدارة ريجان كان الدعم المصري العسكري لجهود الإدارة الأمريكية لمساندة المجاهدين في أفغانستان إحدى ثمار ملف التعاون العسكري، بينما كان الغطاء السياسي الذي قدمته القاهرة للحشد العسكري الأمريكي من أجل تحرير الكويت من الاحتلال العراقي أمرًا مهمًا لإدارة بوش، وهو ما أدى إلى إعفاء مصر من جزء كبير من ديونها العسكرية.

وخلال إدارتي الرئيس بيل كلينتون والرئيس جورج دبليو بوش، كان التعاون الأمني بين مصر ومجتمع الاستخبارات الأمريكي ملفًا يوازي في أهميته ملف الحفاظ على السلام مع إسرائيل بسبب انخراط الولايات المتحدة في حربها مع تنظيم القاعدة.

وخلال كل مراحل التحالف السياسي بين القاهرة وواشنطن، حرصت الإدارات الأمريكية على عقد اتفاقات اقتصادية لزيادة الصادرات المصرية للولايات المتحدة من أجل ضمان تحقيق الأهداف الأمريكية من العلاقة مع القاهرة [1].

تصاعد التعاون الأمني بين مصر والولايات المتحدة الأمريكية خلال حكم كلينتون وبوش بسبب الانخراط في الحرب على الإرهاب وتحديدًا تنظيم القاعدة، الذي كان مخترقًا من أجهزة الاستخبارات المصرية بشكل مؤثر.

خلال إدارة أوباما تغيرت الأجندة الأمريكية للعلاقة مع مصر. فبعد الإطاحة بمبارك كان من المهم ضمان الحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل، بينما تراجعت ملفات التعاون العسكري والأمني في مقابل صعود ملفات جديدة مثل ملف حقوق الإنسان وملف التحول الديمقراطي، وهو ما عكسته مضامين البيانات الرسمية وتصريحات مسؤولي إدارة أوباما خلال زيارتهم للقاهرة.

أما مع ترامب فانشغلت السياسة الخارجية لإدارته في الشرق الأوسط بملف الانسحاب من الاتفاق النووي مع إيران، وبالتخبط حيال الوجود العسكري الأمريكي شمال سوريا ثم الأزمة مع الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، وبالطبع التورط في الأزمة الخليجية والتوتر الشديد في العلاقات بين حلفاء واشنطن في المنطقة، ومحاولة التسويق لصفقة القرن التي يعتبرها نهاية الصراع وربما تكون الفرصة الأخيرة!

وخلال ولايته المقبلة من المتوقع أن يعود ترامب لسياسته الأثيرة في إجراء الصفقات التي تتضمن مقايضات بين ما تريده الولايات المتحدة مقابل رغبات الطرف الآخر.

وبالطبع ستكون القاهرة في حاجة ملحة لدعم مالي كبير من أجل الخروج من أزمتها الاقتصادية العميقة. ومن المرجح أن يحاول ترامب مقايضة دعم إدارته للقاهرة من خلال المنح والمعونات الاقتصادية مقابل أن تكون شريكة في صفقة قرن جديدة في المنطقة تتضمن مقاربة "ترامبية" لحل الدولتين.

وخلال العام المقبل ستظل أزمة سد النهضة الإثيوبي حاضرةً، وهو ما سيجعل القاهرة تطلب من إدارة ترامب دعمًا لها في هذا الملف الذي تجاهلته إدارة بايدن خلال سنواتها في البيت الأبيض، وبالطبع لن يكون دعم ترامب للقاهرة مجانيًا.

لكن لن يكون ملف السد الإثيوبي هو الوحيد الذي تنتظر القاهرة موقف إدارة ترامب منه، بل ستنتظر أيضًا موقف ترامب من الأزمة السودانية، وما إذا كان سيلعب دورًا نشطًا في إنهاء القتال هناك عبر الضغط على حلفاء القوتين العسكريتين، أم أنه سيبقي على سياسة إدارة بايدن، التي اكتفت بإصدار البيانات وعقد اللقاءات، دون تحرك جدي لإيقاف القتال والبدء في مرحلة إعادة بناء الدولة في السودان.

مثلما بدا ترامب خلال سنواته الأربع في البيت الأبيض كإعصارٍ هائجٍ هدفه الإطاحة بكل التقاليد الرئاسية الأمريكية، فإن عودته المرتقبة لن تخلو من إرباكٍ لحسابات حلفائه السابقين في المنطقة، خصوصًا في ظل لحظة هي الأكثر توترًا منذ عقود.

وتبدو عودة ترامب بالنسبة للقاهرة حدثًا تتراوح النظرة إليه بين التفاؤل به بسبب ماضيه كداعم للنظام السياسي، وبين القلق من صفقاته السياسية التي تبشر بالحل الدائم ولا تنتج سوى المزيد من انفجار الأوضاع في المنطقة.


[1] Democracy Prevention: The Politics of the U.S.-Egyptian Alliance,By Jason Brownlee-Cambridge University Press

Thursday, 31 October 2024

أميركا: انتخابات ساخنة، وأزمة عميقة

 


عودة رئيس سابق للمشهد السياسي.. محاكمات قضائية.. إدانات في قضايا جنائية.. أسئلة حول قدرات الرئيس الذهنية الذي هو أيضاً مرشح رئاسي.. محاولة اغتيال.. وتنحي متأخر للرئيس من السباق كي تحل مكانه نائبته التي قد تصبح أول سيدة تشغل منصب رئاسة الولايات المتحدة.

لا توجد انتخابات رئاسية في التاريخ الأمريكي حفلت بكل هذه الأحداث الدراماتيكية والمفاجآت السياسية والقضائية التي تشكل كل مفاجأة منها حدثاً قد يغير نتيجة الانتخابات الأكثر سخونة منذ عقود.

رغم أن حكومات العالم تنتظر نتيجة الانتخابات كي تستعد للسياسات المحتمل أن ينتهجها الرئيس القادم في يناير، إلا أن نتيجة هذه الانتخابات سوف تكون الأكثر تبايناً في الرؤى بين مرشح الحزب الديمقراطي ومرشح الحزب الجمهوري على نحو لم يحدث مع أي انتخابات أمريكية على مدار عشرات السنوات.

لكن أهمية هذا المشهد الانتخابي أنه يلخص أزمة الحزبين السياسيين المهيمنين على الرئاسة خلال عمر الجمهورية الأمريكية.

ترامب وأزمة الجمهوريين

يمر الحزب الجمهوري بأزمة مع ترشيح دونالد ترامب لمنصب الرئاسة في انتخابات 2016، وبالتالي الإطاحة بالأسماء التي كانت تحصل تقليدياً على ترشيح الحزب في الانتخابات الرئاسية، مثل جيب بوش، الحاكم السابق لفلوريدا وابن الرئيس السابق جورج بوش، وشقيق الرئيس السابق جورج دبليو بوش، لصالح رجل أعمال وترفيه من خارج المؤسسة الحاكمة

وبعد أن فاز ترامب بالرئاسة توالت تصرفاته التي خرج بعضها عن الأعراف والتقاليد الرئاسية الأمريكية. كانت قراراته وسياساته اختباراً قاسياً لقدرة مؤسسات الحكم الأمريكية على التوفيق بين ما بدا للبعض تعارضا بين رؤى ترامب الجامحة وبين تحقيق مصالح الولايات المتحدة في العالم. كما كانت تصرفاته تحدياً لفريق من نواب الحزب الجمهوري في الكونغرس والذين حاولوا أن لا يثيروا غضبه حتى لا يخسروا مقاعدهم في انتخابات التجديد النصفي، بعد أن أدركوا أن قاعدة الحزب الانتخابية قد اختطفها ترامب.

وبعد أن خسر ترامب انتخابات الرئاسة أمام جو بايدن في 2020، رفض تسليم السلطة أو الاعتراف بنتيجة الانتخابات، في سابقة لم تحدث من قبل في تاريخ البلاد. وتصاعدت الأزمة إلى حد دعوته إلى إلغاء نتائج الانتخابات، عندما حث أنصاره على إقامة مسيرة نحو مبنى الكابيتول (مقر الكونجرس) "للقتال بكل ضراوة" من أجل ما أسماها باستعادة البلاد! وهو ما أدى إلى اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير 2021 حيث قتل خمسة أشخاص وأصيب أكثر من 140 رجل أمن، وذلك في أكثر لحظات العنف السياسي خطورة منذ الحرب الأهلية الأمريكية.

هذه المرة لم يجد الحزب الجمهوري أي بديل لترامب كي يكون مرشحه في الانتخابات الرئاسية رغم أنه الرئيس الأمريكي الوحيد الذي حاول مجلس النواب أن يعزله مرتين.



ترامب الذي كان عضواً لثماني سنوات في الحزب الديمقراطي (2001-2009)، أصبح الآن الملك المتوج على عرش الحزب الجمهوري دون أن ينازعه أحد في الحزب الذي يطلق عليه اسم Grand Old Party أي الحزب العملاق العريق! فاز بالرئاسة أمام هيلاري كلينتون عام 2016 عكس جميع التوقعات. نجا من محاولتين لعزله من قبل مجلس النواب. تمت إدانته جنائياً في أبريل 2024، عندما قررت هيئة محلفين في نيويورك إدانة ترامب في 34 تهمة جنائية تتعلق بتزوير سجلات تجارية من أجل دفع مبالغ مالية بشكل سري لممثلة الأفلام الإباحية ستورمي دانيلز مقابل صمتها وعدم التحدث عن علاقة جنسية بينهما. أصبح ترامب أول رئيس أميركي سابق يتم إدانته بتهم جنائية!

وفي مؤتمر الحزب الجمهوري تم اختيار ترامب كي يخوض الانتخابات القادمة دون أن يقترب من منافسته أي مرشح آخر من داخل الحزب. فقد حصل على أصوات 2268 مندوباً فيما حلت نيكي هيلي في المرتبة الثانية بـ97 صوتاً فقط! تبنى الحزب أجندته والتي ضمت بنوداً مثيرة للجدل مثل إلغاء وزارة التعليم! أو تعديلات من قبل فريق ترامب بشأن مسألة الحق في الإجهاض وترك ذلك لكل ولاية كي تشرع القوانين الخاصة بذلك. وبالطبع لم تخلُ أجندة الحزب التي صاغها فريق ترامب من دعم فرض رسوم جمركية باهظة على الواردات، أو الدعوة لترحيل ملايين المهاجرين غير الشرعيين.

الحزب العملاق العريق الذي أنتج رؤساء للجمهورية الأمريكية بأهمية أبراهام لينكولن وثيودور روزفلت ودوايت أيزنهاور، انتهى إلى كونه مجرد وسيلة يستخدمها ترامب من أجل أن يصل للحكم في المرة الأولى، وأن يحاول ذلك ثانية بعد إدانته في جرائم جنائية، ودوره في عرقلة عملية تسليم السلطة، بل والتحريض على اقتحام مقر الضلع الأهم للجمهورية، وهو الكونجرس!

أصبح الحزب الجمهوري ملكاً لترامب بعد أن اختصره في شخصه ومصلحته السياسية! لكن هذه المرة ترامب الذي يخوض الانتخابات القادمة ليس ترامب الذي خاض انتخابات 2016 أمام هيلاري كلينتون، والذي استطاع حينذاك أن يجذب قطاعات كبيرة من الناخبين الجمهوريين الذين آمنوا بأن هذا الرجل الذي لم يكن ابناً للمؤسسة الحاكمة الأمريكية قادر على "تطهير واشنطن من فسادها" وفق شعاره حينها.

كما أن ترامب في نسخة 2024 ليس ترامب الذي خاض انتخابات 2020 أمام بايدن، وبدا للجمهوريين أن بإمكانه الفوز على نائب الرئيس السابق البالغ من العمر حينها 78 سنة. ترامب بدا للبعض وقد فقد الكثير من كاريزمته التي تمتع بها في انتخابات 2016 كما أنه فقد الكثير من شرعيته السياسية بعد دوره في اقتحام مبنى الكابيتول، فضلاً عن أنه يبلغ من العمر 78 عاماً، وإذا فاز في الانتخابات فسوف يصبح الرئيس الأكبر سناً في تاريخ الرؤساء الأمريكيين، لينتزع اللقب الذي ناله جو بايدن عندما دخل البيت الأبيض في يناير 2021.

ومن اللافت أن أزمة الحزب دفعت أحد عتاة الجمهوريين وهو نائب الرئيس السابق ديك تشيني للإعلان عن عزمه التصويت لهاريس. وما كتبه تشيني في بيانه الذي نشرته وسائل الإعلام الأمريكية يلخص عمق أزمة الحزب الجمهوري، إذ يصل إلى حد القول بأنه "في تاريخ أمتنا الممتد لمئتين وثمانيةً وأربعين عامًا، لم يكن هناك فرد يشكل تهديدًا أكبر لجمهوريتنا من دونالد ترامب .. لقد حاول سرقة الانتخابات الأخيرة باستخدام الأكاذيب والعنف لإبقاء نفسه في السلطة بعد أن رفضه الناخبون .. (إن ترامب) لا يمكن الوثوق به في السلطة مرة أخرى .. كمواطنين، يقع على عاتق كل منا واجب وضع البلاد فوق الانتماء الحزبي للدفاع عن دستورنا. ولهذا السبب سأدلي بصوتي لنائبة الرئيس كامالا هاريس".

وفق كالفن دارك، والذي يعمل كمحلل لسياسات الأحزاب الأمريكية، فإن "ترامب يركز على حشد الناخبين الأساسيين بدلاً من الفوز بالناخبين المعتدلين أو المستقلين. كما تسعى حملة ترامب إلى الوصول إلى الناخبين الذين لم يدعموا الجمهوريين في الماضي، مثل الشباب الأميركيين من أصل أفريقي واللاتينيين. ومع ذلك، فإن هذه الاستراتيجية محفوفة بالمخاطر لأن هؤلاء الناخبين هم الأقل احتمالا للتصويت في الانتخابات".

أزمة الديمقراطيين

أما الحزب الديمقراطي فتمثلت أزمته في التخبط الذي أصابه بعد هزيمة هيلاري كلينتون في انتخابات 2016 أمام ترامب، ثم اختيار نائب الرئيس السابق جو بايدن في انتخابات 2020 كي يكون قادراً على إيقاف مسيرة ترامب نحو ولاية رئاسية ثانية. حينها قال بايدن الذي كان يبلغ السابعة والسبعين من العمر في تجمع انتخابي حاشد في ديترويت في مارس 2020 إنه يعتبر نفسه "جسرًا" لمن أسماهم بـ"جيل كامل من القادة" و"مستقبل هذه البلاد".

لكنه قرر أن يخوض الانتخابات القادمة مع نائبته كامالا هاريس أمام ترامب.

تزايدت الضغوط على بايدن من أجل الانسحاب من السباق الانتخابي. وأتت الضغوط من داخل قيادات الحزب الديمقراطي الذين شعروا أن بايدن أصبح عبئاً انتخابياً بسبب تقدمه في العمر وافتقاده الحيوية الذهنية التي تمتع بها خلال مناظراته التلفزيونية أمام ترامب عام 2020. تمسك بايدن بالبقاء في السباق رغم نصائح نواب الحزب في الكونغرس، خصوصاً بعد مناظرته التلفزيونية الأولى أمام ترامب في السابع والعشرين من يونيو الماضي.

حينها بدا بيدن مرهقاً أمام ترامب الذي حاول أن يستغل نقطة ضعف خصمه وهي السن، رغم أن الفارق بينهما في العمر لا يتجاوز أربع سنوات. وسائل الإعلام الأمريكية قالت إن المناظرة بين الرجلين "اتسمت بإجابات مرتبكة من قبل الرئيس الحالي، وأكاذيب وتصريحات مغلوطة من قبل سلفه".

ثم أتت محاولة اغتيال ترامب كي تصنع منه بطلاً شعبياً في أنظار مؤيديه، وأن تجعله أقرب للفوز بالرئاسة في حال استمر بايدن منافساً له. نجاة ترامب أظهرت للديمقراطيين أن بايدن سوف يصبح عنواناً متوقعاً لخسارة الانتخابات.

انسحب بايدن من السباق الانتخابي وأفسح المجال لنائبته كامالا هاريس والتي استهلت حملتها الانتخابية بالهجوم على ترامب باستخدام طريقته في مهاجمة خصومه السياسيين. شبهت هاريس خصمها ترامب بالخارجين عن القانون الذين اعتادت مقابلتهم في قاعة المحكمة عندما كانت مدعية عامة: "واجهت مرتكبي الجرائم من جميع الأنواع: المعتدون الذين أساءوا معاملة النساء، والمحتالون الذين خدعوا المستهلكين، والمخادعون الذين خالفوا القوانين لتحقيق مكاسبهم الخاصة. لذا أنا أعرف أي نوع هو دونالد ترامب".



هاريس، والتي بدت في أعين الكثيرين غير قادرة على منافسة ترامب خلال أزمة تمسك بايدن بالسباق الانتخابي، أظهرت تقدما ضئيلا في استطلاعات الأخيرة.

لكن نتائج استطلاعات الرأي لا تعني أن الحزب الديمقراطي لا يمر بأزمة. فالتباين في المواقف بين أجنحة الحزب المختلفة تجاه قضايا مثل الحرب في غزة، يصل إلى حد الانقسام. فهناك جناح تقليدي مؤمن بالانحياز الأمريكي لإسرائيل ويمثله بايدن. وهناك جناح يعتقد أنه لا يمكن تجاهل الربط بين الحرب في غزة وبين الدعم الأمريكي لإسرائيل في ظل الإدارة الديمقراطية الحالية.

هاريس اختارت أن تسير على خطى بايدن في دعم إسرائيل. ففي مقابلتها مع CNN رفضت دعوات البعض داخل الحزب بأن على واشنطن أن تعيد النظر في إرسال الأسلحة إلى إسرائيل، وقالت إنها "تدعم إسرائيل القوية" ولكن يجب التوصل إلى صفقة وقف لإطلاق النار في غزة.

تصريحات هاريس قوبلت باستهجان من الأعضاء العرب داخل الحزب. رشيدة طليب، التي تُعد أول امرأة فلسطينية أمريكية تُنتخب لعضوية الكونغرس، علقت بالقول أن تصريحات هاريس تعني أن "جرائم الحرب والإبادة الجماعية سوف تستمر"، بينما قالت مندوبة الحزب الديمقراطي في جورجيا، "تانجينا إسلام"، إنها تريد دعم هاريس لكنها تشعر بالحزن الشديد لعدم اهتمامها بالفلسطينيين، وإنه "إذا خسرت هاريس في جورجيا، فإن السبب الوحيد سيكون أن الناس لم يخرجوا للتصويت، أو أن الناس صوتوا للحزب الثالث"، وذلك في إشارة إلى تحالف مناهض للحرب في غزة مكون من حركة "الصوت اليهودي من أجل السلام" وطلاب الجامعات والمسلمين السود والمسلمين من الأعراق الأخرى والعرب.

ومن المهم الإشارة هنا إلى أن موقف هاريس من الحرب في غزة قد "يضر بالحزب الديمقراطي في ولاية ميشيغان المتأرجحة حيث توجد مجتمعات عربية أمريكية ومسلمة كبيرة" وفق رؤية كالفن دارك والذي يعتقد أيضاً "إن قضية الإجهاض تعمل لصالح الديمقراطيين لأنها تحشد الناخبين، وخاصة النساء، اللواتي يعارضن موقف ترامب من حقوق الإنجاب للنساء".

بالإضافة إلى الانقسام الذي يمر به الحزب بسبب الموقف من دعم إسرائيل والحرب في غزة، فإن قطاعات كبيرة من الطبقة العاملة تعتقد أن الحزب الديمقراطي تحت قيادة بايدن أو مرشحته للرئاسة هاريس لم يجعل مشاكلهم الاقتصادية ضمن أولوياته بنفس القدر مثل قضايا الحق في الإجهاض وحقوق المثليين والاحتباس الحراري. ولهذا لم يكن مفاجئاً أن يتم النظر لهاريس باعتبارها "ليبرالية من سان فرانسيسكو، وسياسية تقدمية تهتم بشدة بحقوق الإنجاب والتنوع العرقي".

ما بعد الانتخابات

يعتمد مستقبل الحزب الجمهوري على المدى الطويل على نتيجة الانتخابات القادمة. وفق كالفن دارك فإن الحزب الجمهوري أمام ثلاث احتمالات. الأول هو فوز ترامب وحينها "ستصبح أيديولوجية MAGA "جعل أمريكا عظيمة مرة أخرى" الخاصة به هي المنصة الدائمة للحزب الجمهوري وستمهد الطريق لقادة MAGA في المستقبل، مثل جيه دي فانس، لمواصلة حركة ترامب بعد ولايته الثانية.

أما الاحتمال الثاني فهو خسارة ترامب بهامش صغير، وحينها "سنرى صراعًا داخليًا على السيطرة بين الجمهوريين MAGA والجمهوريين البراجماتيين الذين سيصرون على أن الحزب الجمهوري MAGA لا يمكنه الفوز في الانتخابات." فيما الاحتمال الثالث وهو خسارة خسر ترامب بهامش كبير، حيث "سنشهد ظهور حزب جمهوري يستند إلى المبادئ الجمهورية التقليدية إلى جانب بعض عناصر أيديولوجية MAGA لاسترضاء أنصار ترامب المتشددين."

أما الحزب الديمقراطي فيبدو موحداً حول هدف وحيد وهو هزيمة ترامب في الانتخابات القادمة، وتأجيل انقساماته لما بعد الانتخابات. ولهذا فإن "الديمقراطيين التقدميين لا ينتقدون مواقف هاريس الصارمة بشأن الهجرة والشؤون الخارجية والبيئة وامتلاك الأسلحة لأنهم يعرفون أنها لا تستطيع الحصول على الدعم الواسع الذي تحتاجه للفوز إذا ركزت على السياسات ذات الميول اليسارية"، وفق رؤية دارك.

تبدو الآن الولايات المتحدة إما على موعدٍ مع سابقة تاريخية لم تحدث منذ عام 1893 عندما دخل الرئيس، جروفر كليفلاند البيت الأبيض للمرة الثانية بعد أن تركه قبلها بأربعة أعوام، ليصبح الرئيس الثاني والعشرين والرئيس الرابع والعشرين في تاريخ الجمهورية الأمريكية. أو سوف تكون على موعدٍ مع سابقة تاريخية وهي وصول أول سيدة للرئاسة في حال فوز هاريس المنحدرة من أبوين مهاجرين من الهند وجامايكا. لكن الأهم من السوابق التاريخية أن الجمهورية الأمريكية ليست بخير!

Saturday, 5 October 2024

أم كلثوم: المؤسسة العابرة للأزمنة





يحكى أن أم كلثوم استشاطت غضبًا عندما سمعت قصيدة كلب الست لأحمد فؤاد نجم. فالقصيدة التي اعتبرتها الست تجريحًا وتهجمًا عليها شخصيًا بصورة لا تليق، حوت أيضًا وصفًا دقيقًا وحقيقيًا لمكانة أم كلثوم، "في الزمالك من سنين، وفي حمى النيل القديم، قصر من عصر اليمين، ملك واحدة من الحريم، صيتها أكتر مـِ الآدان، يسمعوه المسلمين والتتر والتركمان، والهنود والمنبوذين، ست فاقت عَ الرجال في المقام والاحترام، صيت وشهرة وتل مال، يعني في غاية التمام، قصره هي كلمة، ليها كلمة في الحكومة...".

عندما كتب نجم كلمات قصيدته عن أم كلثوم، كانت الست مركزًا من مراكز التأثير في الدولة إلى الدرجة التي جعلت وكيلًا للنيابة يفرج عن كلبها الذي عض شابًا ساقته الأقدار أن يمشي أمام منزلها في الزمالك. ووفق نجم فإن وكيل النيابة كتب في حيثيات الإفراج عن الكلب وعدم توجيه أي اتهام جنائي لصاحبته، بأن إسهامات الست أكبر من أن يتم عقاب كلبها!

منذ بدأت أم كلثوم في الانتشار في منتصف عشرينيات القرن العشرين، كانت دون أن تدري تدشن عصرًا جديدًا من الغناء في مصر والعالم العربي. بعد حسم المنافسة لصالحها أمام منيرة المهدية وفتحية أحمد، انتقلت أم كلثوم من مجرد "مغنية" في مجتمع يقوده الذكور وتسوده رؤية سلبية للمرأة التي تعمل في مجال الفن، إلى جزء من المؤسسة* التي تقود المجتمع.

لم تكن المكانة التي حققتها أم كلثوم داخل محيطها الوطني أو الإقليمي مكانةً عاديةً في تلك الحقبة أو حتى بعدها، وصولًا إلى الآن. في عام 1934 غنت في حفل افتتاح الإذاعة المصرية وهو ما جعلها صوت عصرٍ سيتحكم في مزاجه العام الراديو. بعدها بعشر سنوات ستصبح "صاحبة العصمة" عندما منحها الملك فاروق وسام الكمال، المخصص لتكريم الأمراء والنبلاء وصفوة النخبة السياسية، لتكون الوحيدة التي تحصل عليه من المنتمين إلى عالم الفن، وذلك في حفل النادي الأهلي الذي أحيته في سبتمبر/ أيلول 1944 وذكرت فاروق وهي تغني يا ليلة العيد، إذ بدّلت كلام الأغنية من "تعيش يا نيل وتتهنى ونحيي لك ليالي العيد" إلى "يعيش فاروق ويتهنى ونحيي له ليالي العيد".

لكن ذلك لم يجعلها مغنية القصر. حتى في تلك المرحلة كان لدى أم كلثوم إدراك ووعي شديد الدقة بأهمية الموازنة بين الحفاظ على علاقتها بالجماهير، دون أن تكون محسوبة على السلطة، ودون أيضًا أن تناصب هذه السلطة العداء أو تتحول إلى صوت متمرد.

كانت أم كلثوم، ببساطة، هي السلطة ذاتها! حتى عندما غنت قصيدة وُلِد الهدى وفيها بيتٌ يقول "الاشتراكيون أنت إمامهم.. لولا دعاوي القوم والغلواء"، وهي لم تعرف يومًا بأنها صاحبة توجهٍ يساري، أصرت على كلمات البيت رغم طلب تغييره من القصر، في مؤشر على استقلالية قرارها الفني.

خلال حرب 1948 طلب أفراد من اللواء المصري المحاصر في قرية الفالوجة بفلسطين سماع أغنية غلبت أصالح في روحي في حفلها الذي تم نقله عبر موجات الراديو في 3 فبراير/ شباط 1949 من مسرح حديقة الأزبكية. كان حصار اللواء المصري البالغ قوامه أربعة آلاف جندي وضابط، والذي استمر لنحو أربعة أشهر، حدثًا عظيمًا في تلك الأيام.

عندما عادوا إلى القاهرة استقبلهم الملك وكرّمهم وصافحهم ضابطًا ضابطًا، وكان من بينهم جمال عبد الناصر! ثم أقامت أم كلثوم حفلًا لتكريمهم في منزلها وحضره أيضًا الرجل الذي سينهي بعد ثلاث سنوات قرنًا ونصف من الملكية. هنا أم كلثوم بوصفها جزءاً من "المؤسسة" تساهم في تكريم أبنائها العائدين للتو من جبهة القتال.

عندما استولت "الحركة المباركة" على مقاليد السلطة في يوليو 1952، أمر الضابط المسؤول عن الإذاعة المصرية بمنع إذاعة أغاني أم كلثوم باعتبارها رمزاً من رموز "العهد البائد".

ومن الطريف أن سيد قطب الذي كان مقرباً في تلك الفترة من بعض ضباط "الحركة المباركة" طالب في مجلة الرسالة "بإخراس تلك الأصوات" التي غنت للملك! في تلك الفترة كان الصحفي مصطفى أمين يرتبط بعلاقة وثيقة بأم كلثوم وبصداقة حميمة مع البكباشي جمال عبد الناصر، أقوى أعضاء مجلس قيادة الثورة والذي لم يكن معروفًا للجماهير في ذلك الوقت.

نقل مصطفى أمين الخبر لعبد الناصر الذي كان "سمّيعًا" قديمًا للست، وممتنًا لوقفتها مع لوائه المحاصر في الفالوجة. ألغى عبد الناصر القرار فورًا وعادت أم كلثوم لدار الإذاعة، لتبدأ علاقة تحالف وثيقة نادرة بين الرجل الأول في الجمهورية، وأهم سيدة بها، امتدت لثمان عشرة سنة. علاقة لم تتكرر في تاريخ الدولة المصرية الحديث منذ تأسيسها في أوائل القرن التاسع عشر.

من مفارقات التاريخ أن الصداقة بين عبد الناصر ومصطفى أمين انتهت عندما اعتقل الأخير بتهمة تجسس لصالح الاستخبارات الأمريكية. وعندما علمت أم كلثوم بخبر اعتقاله تحدثت مع عبد الناصر ودافعت عن أمين، وفي ذروة انفعالها أخبرته أنهما كانا متزوجين لأكثر من عشر سنوات، ودفعت لعبد الناصر بعقد الزواج، فألقى عليه نظرةً وطواه في جيبه.

بعدها أرسلت لأمين في السجن من يخبره أنها قد أهدته أبياتًا في حفلها الذي أقيم في نادي الضباط، وغنت فيه قصيدة الأطلال على مسامع عبد الناصر نفسه؛ "أعطني حريتي أطلق يديَّ.. إنني أعطيت ما استبقيت شيئًا.. آه من قيدك أدمى معصمي.. لِمَ أبقيه وما أبقى عليَّ"! وليس من المستبعد أن يكون عبد الناصر قد فهم رسالة الست، لم يستجب لها بالطبع ولكنه أيضًا لم يصطدم معها. كان يدرك حجم تأثيرها في العالم العربي الذي يخصص الخميس الأول من كل شهر فقط لأغانيها.

خلال تلك الصداقة الحميمة بين عبد الناصر وأم كلثوم، لم تكن الأخيرة صوتًا للسلطة أو الثورة، كما كان عبد الحليم حافظ. كانت جزءًا من "المؤسسة"، وصوتًا أكبر من أن يُصنّف كصوتٍ مصري. كان "صيتها أكتر مـ الآدان، يسمعوه المسلمين والتتر والتركمان، والهنود والمنبوذين، ست فاقت عـ الرجال في المقام والاحترام". لذا لم يكن غريبًا أن تنجو من تحولات ما حدث في 1952 أو من هزيمة النظام الموجعة في 1967.

لكن قدرة أم كلثوم على تجاوز العصور توقفت مع رحيل عبد الناصر في 1970 وتولي أنور السادات مقاليد السلطة منفردًا في 1971. رغم تأكيد جيهان السادات على العلاقة الطيبة بينها وبين أم كلثوم، فإن ما يروى يعكس حقيقة غير ذلك، وتحديدًا عندما سلمت الست على الرئيس الجديد في حفلٍ وقالت له "إزيك يا أبو الأناور"، في دليلٍ على معرفة قديمة تعود إلى الأيام الأولى للثورة. ضحك السادات وتلقى الجملة بترحاب، لكن جيهان قالت بغضب "اسمه الريس!". حينها فهمت أم كلثوم الرسالة؛ هذه العلاقة مع الرئيس الجديد لن تكون كحال سابقتها مع سلفه. اختارت الست الابتعاد، ورافق ذلك متاعب صحية وصعود لأصوات جديدة وتوهج حاد لعبد الحليم في سنوات عمره الأخيرة!

في 1975 ماتت أم كلثوم، لكن مكانتها لدى العالم العربي انتقلت إلى مرحلة أخرى!

منذ رحيلها دخلت أم كلثوم الخريطة الجينية لعقول أجيال من العرب. عند عمرٍ معين يتم تفعيل "خاصية أم كلثوم" لتصبح صوتًا  لذكريات وقصص حب قديمة! تُستدعى أغانيها في الأعمال الفنية، ويُعاد إنتاجها بأشكالٍ مختلفة، بل وتصبح أغانيها اختبارًا أساسيًا للأصوات الجديدة.

وبعد أكثر من أربعة عقود على رحيلها لا يتم التعامل مع الست باعتبارها امرأةً مؤثرة يمكن تناول سيرتها الشخصية بشكلٍ محايد أو حتى الحديث عن حياتها العائلية وقصصها العاطفية كما حدث مثلا مع عبد الحليم حافظ أو فريد الأطرش. تجاوزت أم كلثوم كل ذلك لتصبح كائناً هضم الفرق بين الرجل والمرأة، كما هضم من قبل الملحنين الكبار وكتاب أغانيها. فالأغاني تنسب لها، وحتى زمنها ينسب لها ليصبح "عصر أم كلثوم"!

—————————————————————

المؤسسةهي نخبة أو مجموعة مهيمنة تملك السلطة أو مصادر القوة والسيطرة داخل الأمةوهي أيضاً مجموعة اجتماعية مغلقة تختار أعضائها بنفسها، سواء داخل الحكومة أو في القطاعات التي تهيمن على الأنشطة الأخرى في المجتمع.

Sunday, 29 September 2024

في عين الإعصار، رعبٌ يضرب الجميع



 بعد ٣٢ عاماً من قيادته لحزب الله، جاء اغتيال حسن نصر الله  ورحيله عن المشهد السياسي اللبناني والإقليمي كي يكون الزلزال السياسي الأضخم منذ زلزال السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، وهو ما سوف يترك آثاراً عميقة على مستقبل الشرق الأوسط الذي يمر حالياًً بفترة هي الأكثر عنفاً ودموية منذ عقود بعيدة وبشكل لا يمكن حتى مقارنته  بمستويات الدموية اللي رافقت الاجتياح الاسرائيلي للبنان في ١٩٨٢ وما تبعه من مجازر مثل صبرا وشاتيلا أو مقارنته بمستويات العنف التي تضمنتها الحرب العراقية الإيرانية.

قد تكون إسرائيل انطلقت من نقطة "الرد على هجوم ٧ أكتوبر" من خلال تبني فكرة القضاء على حماس وحزب الله. وهي الأهداف اللي بدت بعيدة المنال خلال الأشهر اللي تلت الحرب في غزة أو خلال حرب "السقف المتعارف عليه" مع حزب الله في لبنان. ولكن بمجرد ما بدا تحقيقاً لأهداف إسرائيل العسكرية في غزة، اتخذت قرارها بنقل الحشد العسكري باتجاه لبنان والانخراط في تحقيق الهدف الذي فشلت فيه إسرائيل في ٢٠٠٦ وهو القضاء على حزب الله.


وبالتالي انتقلت إسرائيل من نقطة "الرد على الهجوم" قبل عام من الآن، كي تصل إلى نقطة "إعادة رسم المنطقة كلها بما يضمن أمن ومصالح إسرائيل لعشرات السنين".. حدث هذا بعد تنفيذ حملة قصف على غزة يمكن مقارنتها بحملة القصف الأمريكية على طوكيو خلال الحرب العالمية الثانية والتي تركت دماراً أكبر بكثير من أي دمار ناتج عن قصف طوكيو بالقنبلة الذرية، كما فعلت واشنطن مع هيروشيما وناجازاكي.


وخلال حرب غزة كانت إسرائيل منخرطة في اشتباك متواصل مع حزب الله وبوتيرة تشمل التصعيد النوعي مثل اغتيال القيادي في حماس في الضاحية الجنوبية صالح العاروري ثم اغتيال القيادي الميداني في الحزب فؤاد شكر وغيرهم من قيادات ميدانية في بيروت وجنوب لبنان. وخلال كل ذلك كانت الرسالة الإسرائيلية الأهم لطهران هي اغتيال إسماعيل هنية في بيت آمن تابع للحرس الثوري في طهران!


المسار الجديد في الصراع بين إسرائيل وحزب الله بدأ منذ لحظة تفجير أجهزة البيجر وأجهزة الاتصالات. كانت هذه لحظة فارقة لأن حسن نصر الله تعامل معها باعتبارها هزيمة مفاجئة في الجولة الحالية من الصراع بين الحزب وإسرائيل والتي بدأت في ٨ أكتوبر ٢٠٢٣. ثم توالت الأحداث عاصفة لتنتهي باغتيال حسن نصر الله نفسه في ذروة الحرب المفتوحة بين الطرفين.


وخلال كل ذلك تعاملت سوريا مع ما يحدث باعتبارها دولة إسكندنافية تربطها حدود مع السويد. بينما اكتفت إيران ببيانات الحزن العميق والوعيد البعيد، إدراكاً من طهران بأنها مخترقة بشكل مؤلم من قبل إسرائيل وأن أي خطوة جادة لدعم حليفها الإقليمي الأهم سوف يعني رداً إسرائيلياً لن تكون قادرة على دفع تكاليفه في الوقت الحالي.


الولايات المتحدة رأت في كل ما يحدث فرصة عظيمة للوصول مع إيران إلى اتفاق كانت ترفضه الأخيرة في السابق. في اتفاق ٢٠١٥ كانت الصفقة الأمريكية الإيرانية تتعلق بالبرنامج النووي. أتى ترامب وألغى الصفقة ثم أتى بايدن وبدأ الحديث مجدداً عن صفقة جديدة تشمل البرنامج النووي والبرنامج الصاروخي والنفوذ الإيراني في المنطقة من خلال حلفائها ورجالها في اليمن ولبنان والعراق وسوريا. خرجت سوريا من معادلة التحالف مع إيران بعد تفاهمات مع روسيا كي تنأى بنفسها عن الصراع الحالي، وبعد انخراطها في محاولات إعادة تأهيل نظامها ضمن المنظومة العربية الرسمية، وبالتزامن مع فتح قنوات اتصال مع الاتحاد الأوروبي. وبقي حزب الله هو الحليف الإقليمي الأهم لإيران على الإطلاق. 


تدرك إيران الآن أنّ أوراقها الإقليمية تمر باللحظة الأضعف على الإطلاق. وأنه من الأفضل الخروج بصفقة تضمن أمن النظام ومصالحه في محيطه الحيوي الضيق وليس لدى حلفائه في بيروت وصنعاء. فيما يواجه حزب الله خيارات مصيرية وتحديات هائلة بعد اغتيال عدد كبير من قادته الميدانيين والسياسيين وأهمهم على الإطلاق رمزه التاريخي حسن نصر الله. أما لبنان فيبدو قريباً من تفاعلات قد تؤدي إلى انفجار الحرب الأهلية مرةً أخرى بعد ٣٤ عاماً من توقفها!


وأمام هذه الصورة القاتمة والدموية، يعيش العالم العربي حالة من الرعب والخوف والإحساس بالانكشاف الشديد أمام إسرائيل أو الولايات المتحدة، حيث الكل يرفع شعار: الهدف هو إنقاذ ما يمكن إنقاذه حتى لو بدا قليلاً وضئيلاً كي لا تنفجر فينا شاشات التلفزيون وغسالات الأطباق! لا توجد لحظة أكثر بؤساً وعجزاً ورعباً في تاريخ العالم العربي من اللحظة الراهنة!


هذه لحظة تفوقت في كابوسيتها على لحظة غزو العراق للكويت أو اجتياح إسرائيل للبنان أو حتى هزيمة ١٩٦٧.. العالم العربي الآن تجاوز القاع واقترب من مركز الأرض حيث الخوف من الاحتراق أصبح أحد الاحتمالات المتوقعة!


وهي أيضاً لحظة تأسيسية لمنطقة جديدة على نحو يمكن مقارنته بما حدث بعد الحرب العالمية الأولى، ولكن هذه المرة بدون أوهام الثورة العربية الكبرى وأحلام الشريف حسين وأبناؤه في بناء دولة عربية كبيرة مستقلة.. هذه المرة هي لحظة تأسيسية لمنطقة تعمل جاهدة للحفاظ على أمن المنتجعات وموانئ اليخوت وكمبوندات السكن الفاخر المحاطة بملاعب الجولف وأشجار الأكاسيا!