هذا مقال تم نشره في الجارديان في الذكرى المئتين والخمسين لتأسيس الولايات المتحدة (في الرابع من يوليو ٢٠٢٦)، ومن وقت نشره حتى الآن أعود إليه، لأنه في ظني مقال مهم..
أميركا تدمر نفسها... وليس في ذلك ما يدعو إلى الدهشة
ستيفن مارش
حلّ الذكرى الـ250 لإعلان الاستقلال الأميركي في لحظة تبدو محرجة للجمهورية. فالولايات المتحدة، التي قامت أساسًا للإطاحة بملك مختلّ، انتهى بها الأمر بعد قرنين ونصف إلى انتخاب "ملك مختل" من صنعها. وكأن أميركا تشعل النار في نفسها وهي تحتفل بعيد ميلادها. ولطالما اتسمت بالنزعة إلى الدراما.
بعد ثلاثين أو أربعين عامًا، إذا ظل هناك مؤرخون، فسيتساءلون كيف اختارت أغنى دولة في التاريخ، وصاحبة أقوى شبكة تحالفات في العالم، والتي تمتلك قدرة علمية وبحثية استثنائية تستقطب أفضل العقول من مختلف أنحاء العالم، أن تهدر كل ذلك بإرادتها.
ربما كنت أقرب من كثيرين إلى محاولة فهم الإجابة. ففي أثناء إعداد كتابي "الحرب الأهلية المقبلة"، أجريت مقابلات مع مئات الخبراء في محاولة لاستيعاب الأسباب العميقة والبنى التي تقف وراء هذا الانحدار. التقيت متطرفين من اليمين واليسار، وخلصت إلى أن فجرًا مظلمًا يلوح في الأفق. ومع ذلك، ظل جزء مني يرفض تصديق أنهم سيمضون فعلًا في هذا الطريق. ولهؤلاء المؤرخين المستقبليين لا أملك سوى القول إن تدمير أميركا لنفسها لا يزال لغزًا بالنسبة إلينا نحن أيضًا.
متى بدأ كل شيء ينهار؟
يرى معظم الباحثين المتخصصين في انهيار الأنظمة السياسية، ممن تحدثت إليهم، أن نقطة التحول كانت الأزمة المالية عام 2008، التي قضت على حلم الحراك الاجتماعي. بينما أعاد آخرون جذور الأزمة إلى عام 1980، حين بدأت فجوة الدخل تتسع بشكل غير مسبوق، وبدأت الثقة بالمؤسسات تتهاوى. وهناك من يعود إلى عام 1876، مع نهاية مرحلة إعادة الإعمار بعد الحرب الأهلية، فيما يرجعها آخرون إلى الحرب الأهلية نفسها، أو حتى إلى حرب عام 1812.
لكن ذلك كله كان قبل عودة ترامب إلى البيت الأبيض لولاية ثانية.
فمنذ توليه السلطة مجددًا، بات واضحًا أن الأزمة التي تواجهها الولايات المتحدة اليوم ليست طارئة، بل كانت كامنة في مشروعها منذ لحظة تأسيسها.
بذور الانهيار كانت موجودة منذ البداية
لقد أدرك أكثر الأميركيين ذكاءً منذ البداية أن نشأة بلادهم تحمل في داخلها بذور فنائها. ففي خطاب الوداع، تنبأ جورج واشنطن، بدقة لافتة، بحالة الاستقطاب الحزبي الحاد التي تمزق اليوم الدولة التي أسسها.
أما أبراهام لينكولن فقال يومًا:
"إذا كان قدرنا أن نهلك، فعلينا نحن أن نكون صانعي هذا الهلاك ومنفذيه... فإما أن نعيش إلى الأبد أمة من الأحرار، أو نموت منتحرين."
ويبدو أن نبوءته قد تحققت.
تشكل الذكرى المئتان والخمسون للاستقلال فرصة لإعادة النظر في المشروع الأميركي، ليس فقط لأنها أعادت فتح النقاش حول الثورة الأميركية نفسها، بل لأن التجربة الأميركية، كما يبدو، بلغت نهايتها، ولا بد أن تحمل بداياتها بعض التفسير لنهايتها.
بين التاريخ والأسطورة
كما هو الحال مع كل الأساطير المؤسسة، تبقى تفاصيل الثورة الأميركية ضبابية، بينما تظل صورها راسخة في الذاكرة: طفل يقف إلى جوار شجرة كرز مقطوعة، ورجل يمتطي جواده ليلًا لينذر القرى، ورجال يلقون شحنات الشاي في الميناء، ونساء يخطن النجوم على العلم.
إن أحداث الثورة تعيش في مساحة وسطى بين الحلم والواقع، حيث يمتزج التاريخ بالأسطورة.
وكان أحد أوائل المؤشرات على التراجع الأميركي السريع هو الانقلاب الحاد في نظرة الأميركيين إلى تاريخهم. ففي موجة إسقاط التماثيل عام 2020، التي استهدفت أساسًا قادة الحرب الأهلية، لم يتردد المحتجون أيضًا في إسقاط تماثيل توماس جيفرسون وجورج واشنطن.
وردًا على هذه القراءة الراديكالية للتاريخ الأميركي، أعادت ولايتا فلوريدا وتكساس صياغة مناهجهما الدراسية الخاصة بالثورة الأميركية بما يعكس رؤية أكثر محافظة. وفي فلوريدا، أطلق على المنهج البديل لمقرر التاريخ المتقدم اسم FACT، اختصارًا لعبارة Florida Advanced Courses and Tests، في إشارة ساخرة توحي بأن أحدًا ما لا يزال يحتفظ بحس الفكاهة.
ويركز هذا المنهج على أن تأسيس الولايات المتحدة يستند إلى "الحضارة الأميركية وجذورها العميقة في الحضارة الإنجليزية، بل والحضارة الغربية عمومًا"، وهي رؤية تبدو متناقضة إلى حد كبير؛ فمن أراد الحضارة الإنجليزية لما أصبح أميركيًا أصلًا.
لكن القراءات المؤدلجة للثورة، سواء من اليسار أو اليمين، لا ينبغي التعامل معها بوصفها تفسيرًا جادًا للتاريخ أو مراجعة حقيقية له. فهي في النهاية مجرد انطباعات: إما أن تقول إن أميركا بلد بائس، أو إنها أعظم بلد في العالم.
ظهرت أيضًا أعمال تاريخية أكثر أهمية تزامنًا مع الذكرى الـ250. ويأتي فيلم كين بيرنز الوثائقي الثورة الأميركية بالمستوى نفسه من الجودة والعمق الذي تميزت به أعماله الوثائقية الأخرى، لكنه أقل إرضاءً.
ففي أعماله عن الحرب الأهلية والجاز والبيسبول، وسّع بيرنز الخطوط العريضة للتاريخ المعروف على نطاق واسع وأغناها بتفاصيل نابضة بالحياة وسرد ثري. أما الثورة الأميركية، فهي أسطورية إلى درجة أن معرفة ما كانت عليه حقًا تقلل، بطريقة ما، من سحرها.
في روايته، لم يكن الآباء المؤسسون أبطالًا، ولم يكونوا أيضًا وحوشًا. كانوا رجالًا يعيشون وسط فوضى التاريخ، مزيجًا من المُثل والطمع والمصالح، يتحركون في خضم ظروف معقدة وولاءات متشابكة وضرورات مادية. ارتكبوا أعمالًا وحشية في بعض الأحيان. وأظهروا شجاعة في أحيان أخرى. كانوا أغبياء أحيانًا، ولامعين أحيانًا أخرى.
يكشف بيرنز تناقضات الثورة، لكن هذه التناقضات أصبحت معروفة منذ زمن. فقد كان حب الآباء المؤسسين للحرية نابعًا، بصورة مباشرة، من ممارستهم للعبودية. كتب توماس جيفرسون إعلان الاستقلال بينما كان أحد خدمه، وهو ابن إحدى عبداته ووالد زوجته، يقدم له الشاي. وكتب جورج واشنطن:
"لقد بلغت الأزمة مرحلة يتعين علينا فيها أن نؤكد حقوقنا، أو أن نخضع لكل ما يمكن أن يُفرض علينا من مظالم، حتى تجعلنا العادة والاستسلام عبيدًا أذلاء، كالعبيد السود الذين نحكمهم بهذا القدر من السلطة التعسفية."
بدأت الثورة الأميركية برجال من أصحاب الأملاك لا يريدون أي قيود على ممتلكاتهم، لكنها خيضت في معظمها بأيدي رجال لا يملكون شيئًا. وكانت الثورة حربًا أهلية بقدر ما كانت حربًا من أجل التحرر. وكان ابن بنجامين فرانكلين نفسه مواليًا للتاج البريطاني.
لكن كل ذلك كان معروفًا، إن لم يكن شائعًا بين الجميع. فقد احتوت الثورة على تناقضات، تمامًا كما تحتوي الولايات المتحدة على تناقضات لا حصر لها.
وما كان فريدًا في تأسيس الولايات المتحدة لم يكن العنف ولا المثالية، بل القدرة على تحويل العنف والمثالية إلى أسطورة وطنية. وكان الأثر الأكثر ثورية للاستقلال الأميركي هو أنه خلق تصورًا للولايات المتحدة باعتبارها دولة فريدة، استثناءً على التاريخ.
ومهما يكن الموقف الذي يتخذه الأميركي من الثورة، يساريًا كان أم يمينيًا، فإنه ينتهي إلى النتيجة نفسها: أن الولايات المتحدة أعظم دولة في تاريخ العالم. وحتى عندما يقول الأميركيون إنهم لا يؤمنون بذلك، فإنهم يؤمنون به.
إن فكرة الاستثنائية الأميركية أعمق من مجرد اعتقاد. إنها متجذرة في الوجدان، ومغروسة في العظام. فلا وجود لأميركا من دون الاستثنائية الأميركية. وقد بدأت هذه الاستثنائية مع الثورة.
وتبدو الولايات المتحدة اليوم على نحو متزايد كبلد أثقل كاهله التاريخ، واختنق بماضٍ لا يستطيع مواجهته ولا تجاوزه.
ومع تراجع الولايات المتحدة سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا وثقافيًا، أخذت تعود إلى لحظة نشأتها أكثر من أي وقت مضى، في محاولة ميؤوس منها للحفاظ على اقتناعها بأنها دولة استثنائية.
ولم يسبق لأميركا أن كانت بهذا القدر من الالتفات إلى الماضي. فقد أظهر استطلاع حديث أجراه مركز بيو للأبحاث أن 59% من الأميركيين يعتقدون أن أفضل سنوات بلادهم أصبحت وراءهم.
وهذا ليس مجرد شعور عام. فالماضي الأميركي البعيد، وليس المستقبل الأميركي، أصبح يشكل بصورة متزايدة أساس البنية السياسية للبلاد. وكان الإرث الأبرز والأكثر دوامًا لسنوات ترامب هو تحويل الأصولية الدستورية إلى الإطار المهيمن على النظام القانوني الأميركي.
وكان التشوه الذي أصاب السياسة الأميركية نتيجة الحنين إلى الماضي هائلًا. فمنذ حكم Bruen، الذي طبقت فيه المحكمة العليا معيارًا تاريخيًا على التعديل الثاني للدستور، أو ما وصفته بـ"التقليد التاريخي للأمة في تنظيم حمل الأسلحة"، امتلأت المحاكم الأميركية بحجج، يستحيل عمليًا الفصل فيها، حول نظرة الأميركيين إلى الأسلحة قبل 250 عامًا.
ولم تكن تلك سوى بداية المفارقات. فقد سمحت المحاكم أيضًا بعودة التلاعب بالدوائر الانتخابية على أسس عرقية. وهذه بدورها تعكس أصول الدولة نفسها، إذ إن التلاعب بالدوائر الانتخابية (Gerrymandering) ابتكره إلبريدج جيري، حاكم ولاية ماساتشوستس وأحد الآباء المؤسسين.
يمثل دونالد ترامب ذروة الحنين إلى الماضي. وليس عبثًا أن يحمل شعاره عبارة: "لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى."
ويجب فهم انتهاكه للأعراف السياسية على أنه منسجم تمامًا مع طبيعة دولة ثورية كانت الوطنية فيها، منذ البداية، تُقاس بالإطاحة العنيفة بالنظام القائم.
وقال راش ليمبو بعد أحداث السادس من يناير:
"هناك كثيرون يدعون إلى إنهاء العنف... ويقولون إن أي عنف أو عدوان غير مقبول على الإطلاق، مهما كانت الظروف."
ثم تابع:
"أنا سعيد لأن صامويل آدامز... وتوماس باين... ورجال حفلة الشاي الحقيقيين... والرجال الذين قاتلوا في ليكسينغتون وكونكورد... لم يكونوا يفكرون بهذه الطريقة."
أما المسؤولون المنتخبون الذين هاجمهم مثيرو الشغب، فقد انتهى بهم الأمر إلى الاتفاق مع كثير من أفكار مهاجميهم. وفي إطار "صندوق مكافحة تسييس العدالة" الذي سعى ترامب إلى إنشائه، والذي كان من الممكن أن يكافئ متمردي العصر الحديث، اختار بصورة رمزية مبلغ 1.776 مليار دولار.
هذه هي حقيقة ترامب.
لا أحد يستطيع أن يقول إنه غير أميركي.
إنه أميركي أكثر مما ينبغي.
ويقدم بيرنز في روايته للثورة تفسيرًا كاشفًا: فالدوافع التي حركت الثورة، والتي غلفتها لاحقًا ضبابية المثاليات المستمدة من عصر التنوير، كانت تقوم في جوهرها على الجشع.
فقد أوقفت الحكومة البريطانية التوسع غرب جبال الأبلاش، وحاولت حظر المضاربة والاتجار بالأراضي التي كانت تعتبرها، بحق، ملكًا للسكان الأصليين.
وبعد حرب السنوات السبع، التي جعلت أميركا الشمالية بريطانية، خرجت الإمبراطورية البريطانية منهكة ماليًا. وكان المواطن البريطاني يدفع 26 شلنًا ضرائب، مقابل شلن واحد فقط يدفعه سكان المستعمرات. لكن ذلك الشلن الواحد كان أكثر مما يحتملونه.
وكانت إحدى البشائر الأخرى للثورة هي البهجة التي كانت تستولي على الحشود. فقد كان طلاء المسؤولين البريطانيين بالقار والريش شكلًا من أشكال التسلية الشعبية. وكان الانتقال من الرعية إلى المواطنة، كما يصفه الفيلم الوثائقي، "استعراضًا للعنف."
إن عبارة "أمسكوهن من أعضائهن التناسلية" تنسجم تمامًا مع روح الثورة، بقدر انسجام عبارة "لقد خُلق جميع البشر متساوين."
لقد شعر الآباء المؤسسون بأن من حقهم الحصول على كل شيء من دون مقابل، والاستفادة من عمل الآخرين من دون دفع ثمنه. وكانوا يهينون ويحطون من قدر كل من يعترض عليهم.
إن الأميركيين يعودون مترنحين إلى نقطة بدايتهم.
الجشع، واستعراضات العقاب، هما ما يميزهم.
ليس الأميركيون مدمنين على الحرية في حد ذاتها، بل على الإحساس بالتحرر، وعلى التخلص من القيود. إنهم ينتشون بذلك.
لقد جعلت الثورة من إطاحة الجماهير بالسلطة السياسية بالقوة قيمة سياسية إيجابية صريحة، بل القيمة السياسية المؤسسة للدولة.
وذلك سم خالص.
إنه السم الأميركي.
إنهم يشربون سمهم بأيديهم.
يشربونه حتى آخر قطرة.
وهم يموتون بسببه.
ولا تزال الاستثنائية الأميركية مستمرة بلا انقطاع. فما زال الأميركيون يجوبون العالم لإلقاء المواعظ، ويزعمون أن القتل الذي يمارسه جيشهم بدافع التسلية هو تجسيد للحق الأخلاقي.
ويمكن اختزال السياسة الخارجية الأميركية كلها، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، في عبارة واحدة قالها ضابط أميركي خلال هجوم تيت في فيتنام:
"أصبح من الضروري تدمير البلدة من أجل إنقاذها."
ومع عودة الأميركيين إلى نقطة انطلاقهم، وإلى نزعتهم الأولى، فإنهم يفقدون أنفسهم.
وفي نوع من الانحلال الارتدادي، يعمل دعاة التفسير الحرفي للدستور على جعله أكثر فأكثر بلا معنى.
تُدنَّس الرموز.
ويُطلى الجرانيت المحيط ببركة الانعكاس.
لقد هدموا البيت الأبيض بأيديهم؛ فلم يعد البريطانيون بحاجة إلى إحراقه.