Showing posts with label مصر الثورة ، المجلس العسكري. Show all posts
Showing posts with label مصر الثورة ، المجلس العسكري. Show all posts

Friday, 26 October 2012

مصر ومفهوم الدولة الكرتون


تبدو مصر الآن مثل رجل خرج لتوه من معركةٍ حامية الوطيس، وقد اكتسى وجهه بخليطٍ من التراب والعرق والدم. انتهت المعركة ولكن لا يزال الرجل يعتقد أنها لم تبدأ بعد. يمر الرجل بتلك الحالة التي يطلقون عليها اسم "انعدام الوزن"، بينما هي في الحقيقة خدعة يقوم بها العقل كي يستطيع الجسم أن يتعامل مع جراحه.

وهنا تفرض ملاحظاتٌ بعينها، نفسها على هذا الوضع الذي تمر به مصر، والتي تبدو عاجزة عن استيعاب أبعاده بشكلٍ كامل.

أولاً: قائد الجيوش وحامي الحمى..

من المثير للاهتمام متابعة كل هذه المناورات بالذخيرة الحية التي يحضرها الرئيس الجديد محمد مرسي. فالرجل اختار صورتين له كي تتصدرا الصحف ويصبحا مصدراً رئيسيا لمن أراد أن ينتج مطبوعات دعائية عنه.

الصورة الأولى هي لذلك الحاكم الزاهد المتدين الذي يرتاد المساجد ولا يتخلف عن أداء صلاة الفجر مع رعيته، ولا يترك منبراً إلا وقد اعتلاه خطيباً وواعظاً.

والصورة الثانية هي لذلك القائد الهمام الذي يظهر وهو يحمل النظارات المعظمة ويتابع جنوده وهم يطلقون صواريخهم ورصاصهم نحو السماء، فيما الطائرات تحلق والسفن تبحر والقادة يشرحون للرئيس أن الجيش قادرٌ على حماية سماء الوطن وحدوده وأرضه، وسحق أعدائه في المساء!

هذا الحرص الرئاسي على حضور كل هذه المناورات يحمل في طياته تساؤلات، ربما لا يحب البعض أن تثار..

١. هل هذا الحرص على الظهور كقائدٍ عسكري مغوار سيصرف الأعين عن الفشل في دور الرئيس المسؤول عن خطط التنمية والنهضة وبرنامج المائة يوم العظيمة؟

٢. هل هذا الحرص على الوجود المستمر بين قادة القوات المسلحة يحمل خوفاً وتوجساً من نوايا الجيش الذي تم إقصاؤه عن حكم البلاد، سواء بشكلٍ مباشر في حالة المجلس العسكري أو عبر الوكالة من خلال تجارب الرؤساء الذين أفرزهم خلال السنوات الستين الماضية؟

٣. هل استخدام ورقة "القائد الأعلى للقوات المسلحة التي عبرت وانتصرت" سيمنح الرئيس تفويضاً شعبياً، بعد أن تعثر الحصول عليه عبر ورقة "مشروع النهضة"؟


ثانياً: على خطى ناصر!

يعرف القاصي والداني تفاصيل هذه العداوة المريرة بين جماعة الإخوان والرئيس المصري الراحل جمال عبد الناصر. فالرجل كان عضواً في الجماعة ثم حليفاً لهم عندما قام بانقلابه العسكري ثم خصماً لهم عندما وقع الصدام بينهما في إطار الصراع على السلطة الذي أعقب الإطاحة بالنظام الملكي.

وبالرغم من هذه العداوة إلا أن أعضاء في الإخوان أطلقوا تصريحات تبدي إعجابها بنهج الرجل في السيطرة الكاملة والشاملة على الدولة.

كان هناك هذا التصريح الذي أطلقه خيرت الشاطر في مدح العدالة الاجتماعية التي أتى بها ناصر، والتي منحته تفويضاً شعبياً مكنه من استبعاد المشاركة الشعبية في صناعة القرار، والانفراد وحده بكل القرارات المصيرية الخاصة بالحرب أو السلام أو التنمية.

ثم تصريح عصام العريان في تبرير تسجيل مكالمات النائب العام مع الرئاسة المصرية بقوله "ما ناصر كان بيتجسس على خصومه".

ثم تصريح آخر بأن عبد الناصر صنع نخبته، ومن حق الإخوان أن يصنعوا نخبتهم التي تقود الرأي العام.

وتتلاقى كل هذه التصريحات مع نهج عبد الناصر في الانفراد بصنع القرار وإقصاء المشاركة الشعبية عن السياسة الخارجية أو الخيارات الاقتصادية والتنموية.

لكن ما لم يدركه بعض قادة الإخوان، أن ناصر أنجز "مقايضة" غير مكتوبة مع الشعب، تم بمقتضاها منح الأغلبية مكتسبات اجتماعية واقتصادية في مقابل تفويض كامل له.

نفس التجربة، ولكن بصيغة مختلفة، تمت بين الشعوب الخليجية والعائلات الحاكمة هناك. ففي مقابل ما يحصل عليه المواطن الخليجي من حصة من الثروة النفطية، يتنازل للعائلة الحاكمة عن حقه في الاعتراض أو المشاركة في حكم البلاد.

أما من يدرك من الإخوان حقيقة هذه المقايضة، فإنه يصطدم بخيارات الجماعة المحدودة في تحسين الوضع الاقتصادي أو منح الأغلبية مكتسبات اقتصادية، تؤدي إلى تفويض شعبي أو تنازل جزئي عن الحريات العامة.


ثالثاً: مصر ومفهوم الدولة الكرتون!

تبدو الدولة في مصر مثل قطعة من الكرتون. بقليل من الجهد يمكن ثني هذه القطعة في الاتجاه الذي تريد. ثم يمكن لك أن تلونها باللون الذي ترغبه. لكن عند رحيلك، فإن خلفك سيثني هذه القطعة في اتجاه آخر، وسيلونها بلونٍ مغاير. وبعد تعاقب الحكام، ستبدو هذه القطعة من الكرتون وقد اهترأت من كثرة الطي وتضارب الألوان التي تلطخت بها.

وصلت قطعة الكرتون تلك إلى يد الإخوان بعد أن اهترأت. فالذي أحضرها إلى مصر، محمد علي باشا الكبير، أختار أن يكون جيش ابنه إبراهيم باشا هو الوصي على تلك القطعة. وعندما انهارت مملكة محمد علي بعد نحو مائة وخمسين عاماً، اختار أول حاكم مصري أن يثني تلك القطعة من الكرتون إلى اليسار قليلاً وأن يصبغها بمزيجٍ من الأحمر والأخضر.

أما خلفه، فاختار أن يثني قطعة الكرتون إلى اليمين قليلاً وأن يصبغها بمزيجٍ من الأزرق والأخضر. ثم جاء مبارك ليسلم جزءاً من تلك القطعة إلى ابنه الأصغر وجزءاً آخر إلى زوجته وجزءاً ثالث إلى أصدقاء نجليه، لتتلطخ تلك القطعة بتشكيلة واسعة من الألوان المتضاربة، ويتم ثنيها كيفما تراءى لأصحاب النفوذ والمال.

ووقعت تلك القطعة المهترئة من الكرتون (التي تسمى الدولة) في يد الإخوان، ليحاولوا ثنيها كثيراً إلى اليمين، ويصبغوها باللون الأخضر، دون أن يدركوا أن تلك القطعة على وشك الانفراط!

وهنا ينبغي ملاحظة أن هذه الدولة (أو قطعة الكرتون المهترئة) لا تحمل أية ضمانات بعدم العودة إلى الوراء والارتداد عن تجربة الاحتكام إلى الصناديق في اختيار الحاكم.

كما لا تحمل هذه الدولة المهترئة أية ضمانات لعدم العودة إلى اللحظات التاريخية التي مرت بها مصر وحسمت فيها أجنحة السلطة صراعها على السيطرة على الدولة باستخدام قوة السلاح.

لكن يبدو الخطر الأكبر أمام هذه القطعة المهترئة من الكرتون (الدولة) هو أن تتحلل إذا ما انهار السد الذي يمنع طوفان الغضب الشعبي، بسبب عدم معالجة الأسباب الحقيقية التي دفعت الناس للنزول خلال ثورة يناير ٢٠١١.

بعد كل هذا، هل هناك بالفعل محاولة "لأخونة" مصر؟ نعم هناك مؤشرات على هذه المحاولة، لكن لا يبدو هذا الأمر مهماً. فالطوفان قادم، وعلى الجميع أن يستعد!

Tuesday, 21 February 2012

لماذا السياسة في مصر شبه عصير الزبادي في الخلاط؟



تغريدات تحاول أن تفسر السلوك السياسي للناخب المصري:

قعدت أفكر ولقيت إن السلوك السياسي للأمريكي يكاد يكون متطابق مع السلوك السياسي للمصري. الاتنين غير مؤدلجين ومزاجهم السياسي مرتبط بوضع اقتصادي

يعني مثلا الحزبين الكبيرين في أمريكا لا تقف ورائهم أيدولوجيا، على قدر ما هي أحزاب تمثل وجهات نظر اجتماعية واقتصادية مرتبطة بالموقع الجغرافي.

ولايات الجنوب المحافظة اجتماعيا واقتصادية تلاقي عندهم الحزب الجمهوري وتيار الشاي بينما الولايات الساحلية حيث التنوع العرقي تلاقي الديمقراطي.

ولما نمسك الحالة المصرية نلاقي إن عمر ما كان فيه تجربة حزبية أيدولوجية نجحت مع الشعب.حتى الشيوعية أستوردناها وجبنا هنري كوريل! زي جوزيه كدة!

الوفد مثلا هو تجمع إقطاعي لباشوات فكروا في الاستقلال ولكن كلهم من اتجاهات مختلفة وعلشان كدة لاحقا أصيبوا بانشقاقات وصولا الى الركن في المتحف

التجربة الحزبية الوحيدة اللي نجحت مع مصر كانت الحزب الوطني! لأنه تجمع لأفضل عناصر الانتهازية وشغل الفهلوة وحبة من اليمين على حبة من الشمال!

وعبقرية الحزب الوطني إنه مكانش عنده أي ايدولوجيا، وكان بين الاحزاب عامل زي الميكانيكي اللي مستعد يصلح أي عربية وممكن بعد الضهر يقلب جزمجي..

وعلشان كدة كنت ممكن في الحزب الوطني تلاقي يساري سابق مع إسلامي حالي وكله يعمل من أجلك أنت! وجمال اللي هو أول إنسان ألكتروني هو اللي بيقودهم!

الاخوان أدركوا اللعبة ودخلوا الساحة وفق مفهوم الحزب الوطني. حبة من اليمين والدقن والأخلاق، على حبة برضه من اليمين والرأسمالية ونعمل السليمة!

وإحساسي إن المصري داخل على الانتخابات الرئاسية بنفس منطق الأمريكي. الكاريزما حتلعب دور والمزاج المرتبط بالنشاط الاقتصادي هو اللي حيختار..!

يعني مثلا كل سواقي التاكس وطبقة الحرفيين حتختار عمرو موسى! راجل إكسلانس وفييس وبيدفع حلو وحيخلي الشعب متمنجه يا بيه والسياحة العربية حترجع!!

أما الفلاحين فحيختاروا أبوالفتوح وأبواسماعيل. ناس بتعرف ربنا وبتتقي الله فينا. وأكيد مش حينسوا يدعموا الناس اللي بتعرف ربنا زيهم، اللي هو إحنا

الجيوب الليبرالية في مصر، وهي قليلة، حتنقسم بين دعم الهوانم للفريق شفيق (عمل شغل هايل في المطار يا بهيرة هانم!) وبين دعم الأنجال للبرادعي (كوول) مان!

أما طبقة الموظفين والكادحين في الأرض،خصوصا من تعدوا الخمسين، فحيختاروا الاستمرار مع الأمان يا ابني! عاوزين نجوز أختك نهى، وماله الفريق عنان؟

ولو العربي نزل كمرشح الاخوان والمجلس مع دعم من ماسبيرو وقطاع الانتاج وبرامج التوك شو، فحتلاقي أغلبية انتخبوه ويبقى الشعب ضرب شوب الفخفخينة!




وأخيرا، الشعب المصري عنده دهاء عمره عشر تلاف سنة، علشان كدة عمره ما يورط نفسه مع أيدولوجيا أو تيار فكري واختياراته كلها تعبير عن مصالح مؤقتة

النشاط الاقتصادي لمناطق مصر المختلفة بيحدد نوع المرشح أو التيار السياسي اللي بيتم اختياره. بالتالي لا نتوقع إن اختيار القاهرة حيكون زي دمياط

ونعود الى أصل الحكاية ونلاقي إن المجتمعات الصناعية عادة بتختار يسار علشان حقوق العمال. ولكن بيبقى يسار وسط علشان دعم الرأسمالية الوطنية أيضا

المجتمعات القائمة على الملكية الزراعية الكبيرة بتختار اليمين نظرا لأنها تريد تدخلا حكوميا أقل في الاقتصاد وتريد المحافظة على امتيازات طبقية

ولأن المجتمع المصري هو مجتمع ربع صناعي على ربع إقطاعي على ربعين اقتصاد خدمات واقتصاد موازي غير محسوب قائم على السمسرة، فاختياراته تعبر عنه..

فمثلا في بعض دوائر القاهرة حيث الكتلة التصويتية هي للسماسرة والمهن الموسمية، تلاقي إن الحنجوري بياكل معاهم جامد وإن بكري هو بطل قومي عندهم!!

ولو تخيلنا إن الحالة الاقتصادية للمجتمع المصري ارتفعت بنسبة أربعين في المئة والنشاط الاقتصادي بقى أغلبه صناعي، ممكن نلاقي اكتساح للبرادعي

وبالانجليزي بنقول when you can afford buying luxury services then you can afford being maverick and liberal in your political choices :)

وعلشان كدة أي تحسن كبير في الحالة الاقتصادية للمصريين حتؤدي الى سفر أكبر واستهلاك أكبر للمعرفة وبالتالي التخلي عن اختيارهم السياسي المحافظ..

لهذا لا أعتقد أنه من المصلحة السياسية لجماعة الاخوان أو الاسلاميين تحسين الحالة الاقتصادية للمصريين لأن دة بيؤدي الى فقدان الكتلة التصويتية!

لهذا في المجتمعات الفقيرة اللي أصولها زراعية، بيكون الاختيار هو لمرشح المؤسسة الدينية أو من له صبغة دينية، دة بيتغير مع تغير الوضع الاقتصادي

مما يدهشك إن الاختيار المحافظ بالنسبة للناخب المصري يعني تحالف المؤسسة العسكرية مع المؤسسة الدينية، علشان يبقى أرضى ضميره الوطني والديني معا، لأن وفق اعتقاد المواطن المصري فإن هذا الاختيار بيخليه يركز مع استحقاقات اقتصادية ملحة زي فواتير الكهربا والبحث عن أنبوبة

وعلشان كدة لو عاوز توقع تحالف العسكر/اخوان، ابعد عن السياسة لمدة خمس سنوات وركز على التعليم ونشر استهلاك المعرفة وأنت تلاقي الناس بتبعد عنهم

ومما يدهشك أيضا إن الناخب المصري هو الناخب الوحيد في العالم اللي اختياراته روائية، علشان كدة ممكن تلاقي جزء من الاختيارات السياسية قائم على الحكاوي في القهاوي والمواصلات!

Friday, 17 February 2012

الدولة: هل حقاً كانت لدينا واحدة؟ الرئيس: هل يستحق كل هذه الضجة؟


هل مصر في أزمة؟

يفترض هذا السؤال أن مصر تعاني من أزمة سياسية حادة منذ أن نجح شبابها في إسقاط حسني مبارك، على حين غفلة من التطور الطبيعي للمسار السياسي قبل الخامس والعشرين من يناير 2011.

لكن الحقيقة هي أن هذا البلد يعيد اكتشاف نفسه من خلال فهم السلوك السياسي للمواطن المصري. وهو سلوك يتسم بالمكر والدهاء.

مثلا، بكت جموع عريضة من الشعب المصري، بصدق وحرارة لوفاة حفيد الرئيس الإنسان مبارك! وتعاطف الجميع مع الأب المكلوم، والرجل الشجاع علاء مبارك! لكن بعد أقل من عامين، خلع الشعب المصري حاكمه المستبد، وألصق به كل النقائص وأهمها أنه سرق شعبه. وبعد عامين على التأبين الشعبي للحفيد، كان الجد والأب خلف القضبان بتهمة السرقة واستغلال النفوذ، بالاضافة الى قتل المتظاهرين فيما يخص الجد!

هل نسي الشعب تعاطفه مع "الرئيس الإنسان" أو "الأب المكلوم"؟ في الحقيقة أن الشعب المصري، بما يتمتع به من دهاء، قام بما يطلق عليه شعبيا "بالواجب" وقدم التعازي، ولكنه لم ينس أن على الرئيس أن يرحل لأنه أخل بالمعادلة التي تحكم توازن هذا البلد، عندما سلم المفاتيح كلها الى ابن لا يتمتع بأي قبول شعبي، وعلى استعداد أن يبيع ما تبقى من البلد، بعد أن باع أهم أصولها لأصدقائه وحلفائه. كما لم ينس الشعب أن الأب المكلوم استفاد من وضع ابن الرئيس وساهم في تحويل عائلة حاكم بلد جمهوري، الى عائلة حاكمة ومالكة، لا يرد لها طلب ولا يقف أمامها مسؤول معترضاً على هذا الإفراط في الاستبداد.

لكننا منذ خلع مبارك، دخلنا في دوامة من التفاصيل الصغيرة، واستهلكنا أنفسنا في مسميات وأفكار وشخصيات وحكايات، تبخرت ولم يعد لها وجود! مثلا، المقلب الأكبر في التاريخ السياسي الحديث، وهو الاستفتاء على التعديلات الدستورية. 

فبالرغم من أن الدستور سقط بسقوط مبارك، وبعد أن فشل مبارك في إقناع الشعب بتعديلاته الدستورية، وجد الشعب المصري نفسه فجأة يقوم بالاستفتاء على هذه التعديلات، وتأخذ العملية مساراً تأسيسياً يضم لجنة تضم المستشار طارق البشري، ومجموعة من رجال القانون، من بينهم المحامي صبحي صالح (في إشارة مبكرة لعلاقة رومانسية بين المجلس العسكري وجماعة الاخوان المسلمين).

وحول معركة التعديلات الدستورية، سالت أنهار من الحبر على أوراق الصحف القومية والمستقلة، وجرى تجييش العواطف الدينية، وحشد الميول الفكرية، فيما حرص المجلس العسكري على إظهار نزاهته الكاملة، وانخرطت جموع الشعب في ممارسة حقها في الاختيار، لينتهي الاستفتاء بسبعة وسبعين في المئة ممن قالوا نعم، والبقية قالوا لا، ولكن المجلس فضل أن يتجاهل نتيجة الاستفتاء، بعد أن شكر الشعب على حسن تعاونه!

وكما بدأت المعركة فجأة، هدأت فجأة وسرعان ما نسيها الجميع وانشغلوا في تفصيلة جديدة غير ضرورية ومجموعة من الأسماء التي تطرح نفسها، بحثاً عن دور أو رغبة في الاقتراب من الحكام الجدد للبلاد. وهكذا كانت معركة وثيقة السلمي ومعركة بيان المجلس العسكري بخصوص مبايعة الأحزاب له، ومبادرات عديدة من اليسار واليمين، وكلها يدعي احتكار الحكمة والحرص على سلامة الأمة!

وأصبح المتأمل في المشهد السياسي الراهن بمصر، أمام طريقين: إما الانشغال بالتفاصيل الصغيرة والأسماء العديدة والتي قد تغرقه في تفاصيل أصغر لمعارك بين فئات ومجموعات لا تمثل قطاعات عريضة من المجتمع، وإما النظر الى الصورة من بعيد ومحاولة البحث عن جذور السلوك السياسي للمجتمع، وبالتالي تفسير سلوكه فيما مضى من أحداث، والتنبؤ بسلوكه فيما هو قادم من استحقاقات.

وفي السطور القادمة سأحاول أن أسلك الطريق الثاني في عنوانين عريضين، شغلا بال المصريين منذ انهيار حكم مبارك، وحتى اللحظة الراهنة والتي يبدو أنها ستمتد لعقد من الزمان على الأقل.



الدولة: هل حقاً كانت لدينا واحدة؟

استيقظ المصريون ذات صباح (قريب) على عناوين عريضة لصحيفتهم الرئيسية، الأهرام، وهي تحذرهم من أن ثلةً من الناس تخطط لإسقاط الدولة، وهدم أركانها. وأن هذا المخطط الشرير الخبيث هو من صنع جماعة ممن يتبنون الاشتراكية الثورية، والدليل: تسجيلٌ لجلسة يطالبون فيها بهدم الدولة المصرية! ولم أقرأ التفاصيل في الصفحات الداخلية، لأن أبي، وهو المناضل القديم خلال حقبة السبعينيات، احتفظ بنسخ من صحيفة الأهرام وهي تتحدث عن الخطر الأحمر الذي يهدد البلاد ويهدف الى إسقاط الدولة، وعن تلقي السيد الرئيس أنور السادات تسجيلات تثبت تورط خلايا شيوعية، تتلقى تمويلاً من الخارج. وبالطبع ضمت الصفحة الأولى لأهرام السادات، عناوين جانبية عن تكليفات محددة من قبل السيد الرئيس للسيد النائب حسني مبارك للتعامل مع هذا الخطر!

وبعد بضعة صباحات، استيقظ المصريون مرة أخرى على عناوين عريضة عن مخططات لهدم الدولة، ولكن هذه المرة من جماعة من الفوضويين، يلقبون بالأناركيين، ولهم قناع يخفي الوجه، وتقاليد استمدوها من فيلم أمريكي (من أجل الحبكة التآمرية وربط ذلك بمفهوم العدو الشعبي!).

وقد تم الهجوم على هذه الجماعة "المارقة" وفق الأدبيات السياسية التي تركها لنا الرئيس "المؤمن" و"كبير العيلة" أنور السادات، دون أن يتمتع القائمون على أمر إدارة شؤون البلاد أو حلفائهم من جماعة الاخوان بأي رغبة في ابتكار وسيلة جديدة لتسويق "العدو الشعبي" الذي يحذرون منه ومن مخططه في "الانقضاض" على مؤسسات الدولة في الذكرى الأولى لثورة يناير. وجرى إفراد مساحات واسعة من الصحف وماكينات الكلام التلفزيونية لسرد تفاصيل دقيقة لخطط الأناركيين في "احتلال" وزارات سيادية و"تخريب" منشآت عامة و"الوقيعة" بين الجيش والشعب!

لكن أحداً من المواطنين الذين فزعوا لقراءة عناوين الأهرام، لم يتوقف عند بعض الأشياء التي افترضوا أنها من المسلمات التي لا تقبل النقاش.

منها مثلا ما اعتادت أجهزة الإعلام المصرية الرسمية على ترديده من أن مصر هي أقدم دولة في التاريخ، بينما لم تذكر أن الدولة المصرية القديمة انهارت بعد الأسرة الثلاثين، والتي تعتبر الأسرة المصرية الأخيرة في حكم هذا البلد حتى عام 1952. 

وبالتالي حدث انقطاع في الدولة المصرية لحقب زمنية طويلة، فيما كانت كل مشاريع إقامة دولة في هذه البقعة من الأرض مسخرة لخدمة امبراطوريات أكبر، تأخذ من مصر مقاطعة لها، مثل الامبراطورية الفارسية، والرومانية، والبيزنطية.



ومما لا يفكر فيه أيضا المواطن المفزوع مما يقرأ ويسمع ويرى، أن الدولة المصرية الحديثة أنشئت لخدمة الآلة الحربية لمحمد علي ممثلة في جيش إبراهيم باشا، والذي كان الهدف الرئيس من فتوحاته في الشرق هو الوصول الى صيغة ينفرد بها محمد علي وذريته بحكم مصر.

وأن هذه الدولة الحديثة هي التي أرسلت البعثات العلمية للغرب في القرن التاسع عشر، ليعود المحظوظون من أبناء الفلاحين كأفندية، فيختار منهم الوالي موظفين وضباطاً ولاحقاًًً إقطاعيين. ومع تطور هذه النخبة تشكلت الدولة المصرية التي جاءت على مقاس مصالحهم الاقتصادية. وقبل ذلك التطور وخلاله وحتى منتصف القرن العشرين، كانت الغالبية العظمى من الشعب المصري خارج إطار الدولة المصرية التي ركزت جهودها على خدمة العاصمة والمدن المركزية. (يمكن الرجوع لأرقام التوزيع السكاني في مصر أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ومقارنتها بمثيلتها من الأرقام التي جرى جمعها في ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي).

وبالرغم من التباين الحاد في توجهات الأنظمة السياسية منذ بداية دولة محمد علي وحتى الخامس والعشرين من يناير، فإن الدولة لم تسقط، ولكنها انحسرت أحياناً وتمدت أحياناً أخرى، محافظةً على ضعفها وعدم قدرتها على صياغة عقد اجتماعي جامع يضم أطيافاً أوسع من المصريين.

فقد ولدت دولة محمد علي وبها عيبين خطيرين استمرا معها خلال قرنين من الزمان. الأول أنها جاءت ممثلة لشخص الحاكم وتوجهاته ولم تكن ممثلة لطائفة "خدم الدولة" أو ما يعرف باسم Civil Servants وهم من يقومون بتسيير الجهاز البيروقراطي للدولة ويحافظون على هياكلهم، بصرف النظر عن التوجهات السياسية للنظام الحاكم. فالنظام الحاكم ينحصر دوره في رسم السياسات العامة وتنفيذ أجندته الاقتصادية والاجتماعية، ولكنه وفقاً لهذا التعريف المعمول به في الديمقراطيات الغربية، لا يتدخل في آلية عمل الدولة.

أما العيب الثاني فهو أن هذه الدولة أنشئت لخدمة الآلة الحربية لجيش إبراهيم باشا، واستمرت على عهدها هذا حتى في الحقب التي تم فيها تقليص هذه الآلة. بل أن الحاكم أصبح يستمد جزءاً كبيراً من شرعيته من انتمائه لهذه الآلة الحربية.

أما من يتحدثون عن مخطط هدم الدولة، فهم لم يجانبهم الصواب كليةً! فهذا المخطط بدأ في السبعينيات وأشرف على تنفيذه رئيس الدولة بنفسه، سعياً لبناء شرعية حكم جديدة يواجه بها خصومه السياسيين، وخوفاً من صدامٍ محتمل مع آلته الحربية التي خرجت للتو من حرب 1973، ولم تكن راضية عن التسويات السياسية التي أعقبتها.

أما وريث السادات، فقد سار على دربه وفضل أن يهدم الدولة عبر الاعتماد على الأجهزة الأمنية بالكامل، بدايةً من تأمين محيط قصره وانتهاءً بمفهوم التأمين الواسع الذي امتد للتزوير في الانتخابات النيابية والمحلية وتعيين أساتذة الجامعة وموظفي الحكومة. وبالتالي تم القضاء على طبقة "خدم الدولة" The Civil Servants وتحولوا الى "خدم للنظام" Regime's Servants. ونتيجة لهذا لم يكن أحدهم ليجرؤ ويسأل عن حيثية السيد جمال مبارك، نجل الرئيس، في التوجيه لدعم القرى الفقيرة، أو الوضع الدستوري والقانوني لقرينة الرئيس السيدة سوزان، في إصدار قرارات تتعلق بالصحة والتعليم.

وفي الثامن والعشرين من يناير وتحديداً عصر هذا اليوم، خرجت شهادة وفاة دولة محمد علي التي ولدت في الأول من مارس عام 1811 مع مذبحة القلعة. لكن نظام مبارك استمر في الحكم، لأنه كان أقوى من الدولة. بل وأعاد إنتاج نفسه عبر تحالف الشيء الوحيد الباقي من دولة محمد علي، وهو جيش إبراهيم باشا، مع جماعة الاخوان المسلمين، الفصيل السياسي الأكثر تنظيماً على الأرض. أما غالبية الشعب فظلت خارج هذا التحالف، وعنصراً ينظر إليه ككتلة انتخابية تمنح تفويضاً لسياساتٍ تخدم طبقة الأفندية والباشوات ولا تخدم قاعدةً أوسع من العمال أو الفلاحين أو أبناء القبائل في الشرق والغرب والجنوب.



الرئيس: هل يستحق كل هذه الضجة؟

أشعر أن الجدل المثار حول الرئيس القادم، شديد الشبه بالجدل الذي ثار حول الاستفتاء على التعديلات الدستورية! فالكل لايزال يعتقد أن الرئيس القادم سيملك من الصلاحيات والتفويض ما كان ممنوحاً للرؤساء السابقين.

بينما من يدقق في الأسماء المطروحة سيدرك أن الفارق في الأداء بين كل اسم لن يتعدى عشرة في المائة. فتسعين في المائة من أوراق اللعبة الرئاسية في مصر انتقلت من مؤسسة الرئاسة الى مكتبين: الأول مكتب رئيس الأركان والثاني مكتب المرشد العام لجماعة الاخوان.

أما الإخوان فقد حسموا أمرهم. فهم يريدون جمهورية برلمانية يسيطرون فيها على الوزارات الخدمية ويتركون فيها مهمة الدفاع عن البلاد في الداخل والخارج بالاضافة الى السياسة الخارجية في أيدي المؤسسة العسكرية، التي يمكن أن تفوض رئيس الجمهورية في بعض الخطوط العامة للسياسة الخارجية.

ويبدو من مجموعة من الشواهد أن هذه الصفقة قد جرى اعتمادها، وبقي فقط اسم رئيس العشرة في المائة، الذي تقول أنباء أنه نبيل العربي.

فهو رجل في العقد الثامن من العمر، وسيكون وزيراً جيداً للخارجية بمنصب رئيس. واجهة "توافقية" تحمل رونق الدبلوماسية المصرية في الحديث المتأنق والمظهر "المشرف" للبلد في الخارج!

ولا يبدو أن أحداً يبدي اكتراثاً بإقامة دولة ترث دولة محمد علي وتقوم على عقد اجتماعي يخدم فئةً أوسع من الطبقات الاجتماعية الأقل حظاً والأكثر فقراً. فهذه الدولة هي الوحيدة التي تكفل أن يحصل الشعب على رئيس يمثل أغلبيته الفقيرة تمثيلاً يمكنهم من الحصول على مكتسبات اجتماعية أوسع، على نحو ما جرى في البرازيل وتجربة الرئيس السابق لولا داسيلفا، والذي قدم حلولاً مركبة لمشاكل مجتمعه المعقدة، ورحل عن الحكم بعد ولايتين رئاسيتيين ناجحتين شعبياً، احتراماً لدستور الدولة، أي عقدها الاجتماعي. (بالمناسبة فشل في الوصول الى كرسي الرئاسة ثلاث مرات (1989-1994-1998) ولم ينجح إلا في انتخابات 2002).

وعند الحديث عن الرئيس في مصر، لابد أيضاً من احترام الطبيعة الخاصة لهذا الشعب والمتعلقة بثوابته مثل الدولة المركزية والحاكم القوي (تدوينة أربع نقاط كي نسبق العسكر وتدوينة أربع نقاط غائبة عن مشهد مضطرب).



كما أن الرئيس القادم لن يكون قادراً على تنفيذ برنامجه الانتخابي بسهولة، حتى في ظل جمهورية رئاسية. فالنظام السياسي في مصر بطيء في تغيير الولاءات. وقد حدث هذا في عام 1971 حين كان السادات الشخصية الأضعف بين رجال حكومته. وفي ضربة واحدة، ومساعدة قائد الحرس الجمهوري ورئيس تحرير الأهرام محمد حسنين هيكل، ألقى برجال حكومته في السجن وبدأت رحلته الفعلية مع كرسي الرئاسة بصلاحيات تنفيذية مطلقة.

وحتى بعد اغتيال السادات، فإن مبارك لم يأت الى الحكم إلا بموافقة المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة وزير الدفاع ودعم فؤاد محي الدين رئيس الوزراء، واستمر مبارك رأساً للجناح السياسي في النظام حتى إطاحته برأس الجناح العسكري أبو غزالة عام 1989. وحينها فقط بدأ انفراد مبارك بكرسي الرئاسة.

هل يسمح عامل السن بالنسبة لمرشح مثل نبيل العربي أن ينتظر ثماني سنوات لتنفيذ برنامجه الانتخابي بعيداً عن نصائح المرشد وتعليمات رئيس الأركان؟

هل سيحصل نبيل العربي على صلاحيات رئاسية تمكنه من تنفيذ أي برنامج للإصلاح الداخلي؟

كلها أسئلة لا تقود سوى الى طريق واحد: الرئيس القادم لن يكون سوى موظف في القصر الجمهوري لتلقي أوراق اعتماد سفراء الدولة الشقيقة والصديقة، وتسمية رئيس الوزراء الذي تختاره الأغلبية البرلمانية.

هل هذا أمرٌ جيد؟ من المبكر معرفة إجابة هذا السؤال!

Monday, 6 February 2012

مذبحة بورسعيد.. واللعب على حافة الهاوية

 
1
في الثاني من أغسطس عام 1980 وتحديداً في الساعة العاشرة صباحاً وخمس وعشرين دقيقة، انفجرت عبوة شديدة الانفجار في غرفة الانتظار بمحطة القطارات المركزية في بولونيا بشمال إيطاليا.


أسفر الانفجار عن مقتل خمسة وثمانين شخصا وجرح أكثر من مئتين. نسب العمل الذي وصف بأنه "أحد أكثر أعمال الارهاب قذارة خلال التاريخ الايطالي الحديث" الى منظمة فاشية تدعى "الثوار المسلحين لنيوكلي".


لكن هذه الجماعة الفاشية لم تكن هي التي تقف وراء هذا التفجير. فقد كشفت تحقيقات في وقت لاحق أن منفذي التفجير كانوا أفرادا في عصابة للاتجار بالمخدرات تحمل اسم "باندا ديلا ماجليانا". أما هذه المنظمة فقد كانت وراء عدد من عمليات الترويع والاختطاف والتفجير خلال الحقبة التي اصطلح بتسميتها في التاريخ الايطالي بـ"سنوات الرصاص".

تكشف فيما بعد أن عصابة المخدرات تلك كانت واجهة لجهاز الاستخبارات العسكري الإيطالي المعروف اختصارا بـ SISMI وهو جهاز استخبارات أنشئ 1977 ويقال إنه تم تفكيكه عام 2007. هذا الجهاز كان جزءا من جهود الولايات المتحدة وحلف الناتو في محاربة خطر الشيوعية في إيطاليا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عندما كان وصول الحزب الشيوعي الى الحكم في ظل حرب باردة، وفي أحد أهم دول حلف الناتو، يشكل كابوسا، لا تريد المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية تخيله.


لذا فإن جهاز الاستخبارات العسكري الإيطالي كان أداة للحفاظ على شكل الدولة الايطالية التي تسيطر عليها أحزاب اليمين المسيحي والتي ترى في التحالف مع الولايات المتحدة والبقاء في المعسكر الغربي ضرورة للحفاظ على تماسك الدولة (توحدت الدولة الإيطالية عام 1861).

كان شعار جهاز الاستخبارات العسكري الإيطالي أنه "يخدم الدولة بغض النظر عن شكل الحكومة أو توجهها". وتحت هذا الشعار كان الجهاز جزءا فاعلا من شبكة تضم "تنظيم جلاديو"، التابع لحلف الناتو، والمحفل الماسوني "بروباجاندا ديو".

هذه الشبكة هي التي أبقت إيطاليا ساخنة خلال حقبة سنوات الرصاص، وتورطت في تسهيل خطف واغتيال رئيس الوزراء وزعيم الحزب الديمقراطي المسيحي ألدو مورو من قبل الألوية الحمراء عام 1978 (شيء شديد الشبه باغتيال الرئيس السادات عام 1981).
 
2
 
انهار الاتحاد السوفيتي وانهار النظام السياسي ممثلا في الحزب الشيوعي، الذي كان متغلغلا في كل وحدة بناء داخل الدولة السوفيتية، بما فيها الجيش الأحمر. لكن الاتحاد السوفيتي الذي مات ترك ورائه جهازا أمنيا تحول من "لجنة أمن الدولة"، المشهور باسم الكيه جي بي، الى "جهاز الأمن الفيدرالي" أو FSB.


ورث الجهاز الجديد للاتحاد الروسي جميع الملفات التي عمل على جمعها جهاز الأمن للدولة السوفيتية. بل عندما أوشك الاتحاد الروسي على الانهيار بسبب فساد الطبقة الحاكمة، ممثلة في الرئيس يلتسين، استورد الجهاز الأمني الجديد للدولة الروسية من الدولة السوفيتية، عميلا سابقا في الكيه جي بي، وهو ضابط الاستخبارات فلاديمير بوتين، ونصبه رئيسا للدولة لولايتين، ومن بعدها رئيسا للوزراء، وقريبا رئيسا مرة أخرى للدولة.

3

الدول التي لها بناء أيدولوجي، قد تموت بوفاة الايدولوجية، لكن الأجهزة الأمنية لا تموت. وهي قادرة على التحور والتحول الدائم، وكأنها تثبت صحة نظرية داروين في النشوء والارتقاء.

لا تؤمن هذه الأجهزة الأمنية بأي أيدولوجية، وهو ما يمكنها من خدمة النظام بغض النظر عن توجهاته. وإنما تؤمن هذه الأجهزة بأنها وجدت كي تحافظ على شكل الدولة وتماسكها من الأعداء في الداخل. فهي غير مشغولة بذات القدر بأعداء الخارج، لأنهم في نظرها "عدو بعيد" وهو أقل خطرا من "عدو قريب"، وفق أجندة أولوياتها.
 
لذا تجد هذه الأجهزة وحشاً خفياً يجب السيطرة عليه في التنظيمات الطلابية الكبيرة كاتحادات الطلاب في الجامعات، وروابط مشجعي كرة القدم. لكن هذه الأجهزة لا تسعى للقضاء على هذا الوحش، لأنها تحتاجه للسيطرة على القطاعات العريضة من الجماهير، والتي تشعر بالخوف عندما تقرأ مانشيتات عريضة تتحدث عن "إحباط مؤامرة خارجية لضرب أماكن حيوية"، "ضبط خلايا تريد العبث بأمن البلاد في جامعة السنبلاوين".

4

أجهزة الأمن التي نتحدث عنها لا تختص بالأمن العام، فهو متروك لوزارة الداخلية. ولا تختص بأمن النظام، فهو متروك لأجهزة أمن الدولة، ولا تختص بالحفاظ على أمن الأسرار العسكرية، فهي اختصاص المخابرات الحربية، وإنما تختص بالحفاظ على أمن الدولة بشكلها الذي تم الاتفاق عليه بين القوى السياسية والاقتصادية في أي دولة على مدى زمني طويل.

وتعتبر هذه الأجهزة أن أسلحتها هي "الاختراق الفعال والدائم" لأجهزة الأعلام، وخصوصا تلك التي لا تخضع لسيطرة الحكومة. فوسائل الاعلام تلك، مثل الصحف والقنوات الفضائية الخاصة، تتمتع بمصداقية كبيرة لدى الرأي العام. لذا تترك لهذه الوسائل مساحات واسعة من الانتقاد الحاد والعنيف للوزراء، بل ورأس الحكم، ضمن ما يعرف بتكتيك "تراكم رصيد الثقة".


لكن عند اللحظات المفصلية في حياة النظام، يتم توجيه هذه الوسائل لاحتواء أي معارضة شعبية واسعة أو التشكيك فيها. وهو ما تم خلال الأيام الثمانية عشر للثورة في يناير وفبراير 2011، عندما تم "الصرف" من "رصيد الثقة" في القنوات الخاصة على الدفاع عن مبارك في البداية، ثم الدفاع عن مشروع وراثة عمر سليمان للحكم، عندما تيقنت الأجهزة من أن مبارك أصبح "مكلفا (التعبير الأكثر دقة هو liability) بشكل أكبر مما يمكن أن تسمح به الدولة (المقصود بالدولة هنا هو تعبير The State وهي ليست الدولة كمؤسسات، ولكن يقصد به الجسم الصلب للدولة من مؤسسات أمنية وسيادية)".

تتميز هذه الأجهزة بأنها دائما أقوى من مؤسسة الحكم، لأنها الوحيدة من بين أذرع الدولة، التي يعهد إليها بوراثة الملفات الأمنية من الحقبة السابقة (ممثلة في رحيل رئيس) الى الحقبة اللاحقة (ممثلة في الرئيس الجديد).

5

في لحظات التحول الدراماتيكي في حياة الأنظمة السياسية الديكتاتورية، قد تتحول الوزارات المعنية بالأمن العام، والتي كانت تتمتع بسلطات أوسع مما هو ممنوح لها وفق القوانين، الى "وزارات مارقة".

والسبب وراء تحول وزارة أمنية الى "جهاز مارق"، أن الأنظمة الديكتاتورية عندما تنحصر في شخص الرئيس وعدد محدود من المقربين منه (الأسرة الصغيرة لبن علي أو الأسرة الصغيرة لمبارك)، ولا يكون لديها طبقة حاكمة واسعة (الحزب الشيوعي الكوبي أو الحزب الشيوعي الصيني)، تبني روابطها مع الجهاز المكلف بحفظ الأمن السياسي أو الأمن العام على قاعدة الثقة الشخصية في عدد محدود من الشخصيات، التي أثبت قدرتها على "الإنجاز" (ability to deliver) فضلا عن الولاء المطلق لشخص الرئيس.

وبالتالي عندما يرحل الرئيس فجأة فإن الجهاز الأمني يكون قادرا على الدخول في تسويات مع الرئيس الجديد للحفاظ بصلاحياته التي اكتسبها خلال الحقبة السابقة. أبرز أشكال هذه التسويات هي التخلي عن مهمة حفظ الأمن أو افتعال مشاكل أمنية، خصوصا في الأمن العام.


6

ملاحظات:

1. من الوضح أن القوة السياسية الرئيسية في البرلمان لم تتحرك بفعالية لمواجهة الأزمة الأمنية الخطيرة التي تتعرض لها البلاد للأسباب التالية: 1. عدم الرغبة في الدخول في أي مواجهات مع النظام، بعد أن حصلوا على شرعية الوصول الى الحكم للمرة الأولى منذ عقود. 2. الاستفادة من أن أي انشغال للأجهزة الأمنية مع قوى أخرى غيرهم، يسمح لهم بتأجيل المواجهة مع المجلس العسكري.

2. المجتمع الدولي غير مهتم بالضغط على أي طرف من الأطراف الفعالة من الأزمة للأسباب التالية: 1. الملف السوري والإيراني وصلا الى المرحلة الحرجة التي تتطلب تكثيف الجهود في جبهة واحدة. 2. النظام الحاكم غير مسيطر بدرجة كلية على المشهد السياسي، وهو يبدو متخبطا وقادرا على المغامرة بعلاقاته الاستراتيجية الرئيسية من أجل مكاسب في الداخل. وبالتالي ليس من المفيد على المدى المتوسط أو البعيد الضغط عليه في اللحظة الراهنة. ويكفي أن نتذكر أن مذبحة بورسعيد لو كانت وقعت في حقبة مبارك، لكانت الإدانات الرسمية انهالت على نظامه، من أجل الحصول على "خدمات سياسية".

3. كشفت مذبحة بورسعيد أنه لا يوجد في مصر من هو قادر على رفع سماعة الهاتف للحديث مع القاهرة، وهذا هو أخطر ما في هذه الأزمة!