Showing posts with label قصة قصيرة، مصر الثورة. Show all posts
Showing posts with label قصة قصيرة، مصر الثورة. Show all posts

Tuesday, 8 October 2013

أتعلمين ما هو النظام يا صفية؟

الصورة تم التقاطها في قرية شوڤيني الفرنسية في الأول من يوليو ٢٠١٣

بينما كان يستمتع بقراءة رواية تاريخية على جهاز أيباد يحمله بيده اليسرى، كانت يده اليمنى على وشك أن تحمل فنجانه الورقي المليء بالقهوة السوداء، وذلك قبل أن تباغته "منى" بالسؤال الأكثر غباءً في غرب أوروبا: أستاذ هاني.. بتعمل أيه هنا؟
ـ باتشمس..!
فوجئت بالإجابة، ولكنها لم تمنع نفسها من أن تقول له: ممكن انضم لحضرتك؟
ـ طبعاً.
ثم اتبعت ذلك بالجملة التقليدية: أتمنى ما أكونش مضايقة حضرتك.
ـ خالص!
بكل براءة سألته: أستاذ هاني، تفتكر فيه أمل؟
أجابها بنصف ابتسامة: لا طبعاً مفيش أمل.. بصرف النظر إني مش عارف بالضبط قصدك أيه بالأمل في هذا السياق.
منى: قصدي أمل في إن اللي بيحصل يتغير، في إننا نغير النظام ونبني نظام جديد..
هاني: امممم... النظام. لا اطمني يا عزيزتي النظام دة أكبر مننا كلنا.. أكبر من أي حد بمن فيهم من يدعون أنهم رؤوس النظام. النظام هو ذلك الشيء الذي لا نراه ولكننا نشعر بوجوده دائماًَ..!
منى: مش فاهمة؟ ليه ما نقدرش نحطم السلطة القائمة ونبني نظام جديد مبني على العدل..
هاني: طيب يبدو إننا محتاجين نفكك الجملة العظيمة اللي قولتيها.. أولا العدل دة ممكن تقرأي عنه في الروايات أو تحلمي بأنه يحصل يوماً ما.. وهو على أي حال بيحصل أحياناً على مستوى الأفراد. ولكن مفيش حاجة اسمها نظام مبني على العدل. النظام مالهوش علاقة بالقيم، وإنما هو كل العلاقات اللي بتنظم عمل السلطة.. وبالتالي فهناك فرق كبير بين السلطة والنظام. السلطة دي متغيرة إنما النظام دة مستمر. لا بيتهد ولا بيتغير..
منى: مش فاهمة؟ يعني أيه النظام ما بيتهدش.. التاريخ أثبت إن دة مش مضبوط..
هاني: بالعكس، التاريخ أثبت إن دة صحيح.. الدولة في بلدنا ضعيفة.. دائماً تبحث عن هيبتها علشان تدافع عنها. إنما النظام في بلدنا عامل زي طواحين الهواء في رواية "الدون كيخوته"، وكل محاولات هدم النظام هي محاولات عبثية تشبه محاولات صديقنا الفارس النبيل الدون كيخوته اللي كان متخيل إن طواحين الهوا وحوش عملاقة ممكن يقضي عليها.
منى: ممكن مثال محدد؟
هاني: مثلا حصل انقلاب عسكري في يوليو ٥٢. بعد كدة تحول الى ثورة علشان المشروع الاجتماعي والاقتصادي.. بصرف النظر هو انقلاب أم ثورة، لكن الضباط اللي ألغوا النظام الملكي لم يلغوا النظام. النظام في مصر بدأ لما محمد علي باشا عمل مذبحة القلعة وقضى على سلطة المماليك. كان عنده رؤية إنه عايز مصر مملكة لنفسه ولولاده من بعده. هو مجرد تاجر دخان وبلطجي معروف في بلدة "قولة"، قبل ما يدخل الجيش العثمانلي. علشان تاجر الدخان يبقى عنده مملكة لنفسه ولولاده من بعده، راح بنى جيش قوي. وربط كل الصناعات والخدمات بالجيش دة، بهدف إنه يبتز القوى الإقليمية وأولها الباب العالي في الآستانة من أجل إنهم يمنحوه مملكة في هذه الولاية العثمانلية.. وقد كان له ما أراد. من الوقت دة، يعني قبل مئتين سنة ولحد هذه اللحظة والجيش في مصر هو أحد أوجه فكرة النظام. النظام هنا مش المقصود به التعبير الانجليزي The Regime وإنما هو أقرب روحاً لفكرة The Establishment أو "المؤسسة". هذا الكيان الوهمي الموجود داخل عقلية كل موظف عمومي وداخل كل سياسي ينتمي للحزب الحاكم وداخل كل فرد في الداخلية.. واللي كلهم بيعبروا عنه بشكل خاطئ ويسموه: "الدولة"..!
منى: طب والإخوان؟
هاني: مالهم الإخوان؟
منى: فاهمين دة؟
هاني: أكتر مما تتصوري. فاهمين طبعا إن النظام أقوى منهم ومن الكل وإنهم اتهزموا في معركة السيطرة عليه أو إعادة تفصيله على مقاسهم. بالرغم من كل اللي بيعملوه، لكن بيصعبوا عليا. هما دلوقتي عاملين زي مريض بالسرطان، عارف إنه حيموت ولكن بيحاول يثبت إنه لسة فيه نفس. لكن في الآخر حيموت. مسألة وقت لا أكثر. طبعاً ممكن جيل جديد يطلع في الاخوان ويعيد إحياء فكرة الاخوان، ولكن دة حيبقى ابن الجماعة اللي بتحتضر دلوقتي. كل رهانتهم فشلت والنظام أثبت أنه قادر على تحمل هجوم نووي من سبع جهات مختلفة! حتى أمريكا نفسها فشلت في إنها تجبره على أي نوع من التنازل.. مش لأن النظام عايز استقلال وطني، ولكن لأن دي معركة بيخوضها من أجل إثبات قدرته على البقاء.
منى: أيوة، يعني أيه النظام في الآخر؟
هاني: عامل زي الفيل اللي في أوضة ضلمة وفيه خمس أشخاص حوله. واحد بيقول فيه في الأوضة خرطوم. والتاني بيقول فيه في الأوضة ودن كبيرة، والتالت بيقول فيه رجل ضخمة، وهكذا.. مفيش حد فيهم غلطان وإنما كل واحد فيهم بيصف الشيء اللي هو ماسكه. فيه ناس بتقول إن النظام هو مبارك. مبارك اتخلع بشكل يمكن الناس نفسها مكنتش متخيلة إنه يحصل بعد تمنتاشر يوم. بعدين جاء طنطاوي، واتخلع في عصر يوم عابر. ثم مرسي افتكر نفسه الفرعون الإله، لكنه أيضاً رحل بنفس سهولة اختراق سكينة سخنة في قالب زبدة. ودلوقتي الحاكم الفعلي هو الفريق السيسي.. وبرضه ممكن نلاقيه خلع البدلة وقعد في البيت ولبس البيجامة زي ما حصل مثلا مع أبو غزالة أو عبد الحكيم عامر قبل ما ينتحر أو أي حد قبل ما يختفي بطلوع السر الإلهي أو أي شيء آخر.. المقصود إن النظام في بلدنا لا يتوقف عند شخص ما، وإنما هو شيء أقوى من اللي بيتحدثوا باسمه أو يتصدروا الواجهة وكأنهم محصنين ضد الوفاة أو الاختفاء.
منى: طب مفيش فايدة؟
هاني: فيه نوعين من البشر: النوع الأول هو اللي متفائل دائماً وأنا أتمنى إنه يحتفظ بجزء من اتزانه عندما يصطدم بحقيقة الحياة. والنوع الثاني هو اللي مقتنع بإن هناك أشياء أكبر من قدرتنا على إصلاحها، وإنه من الحكمة التعامل معاها كما هي... أنا عارف إن دي رؤية سوداوية جداً، وأنا أتمنى إنك لا تتبنيها. من الجميل أن يكون فيه أمل. لكن بعد أكتر من سنتين ونصف من الأمل والإحباط والصدمة واليأس ثم تجدد الأمل ثم المزيد من الإحباط، يبقى من السذاجة إني أكون من النوع الأول.
منى: أستاذ هاني.. أنا بجد آسفة إني عطلتك.. لو كنت أعرف اللي حاتقوله مكنتش طلبت أقعد معاك!
هاني: صدقيني مش بقدر حزني على القهوة اللي بردت!

Wednesday, 28 August 2013

على هامش الجنون.. حدث ذات مرة في نيكاراغوا


في صيف عام ١٩٣٢، وبعد حشود مليونية هائلة في الشارع، اضطر الجنرالات لخلع الرئيس المنتخب استجابةً لمطالب الجماهير. في الحقيقة كان الرئيس المنتخب لجمهورية نيكاراغوا قد أخلف جميع وعوده الانتخابية وحاول أن يجعل حزبه السياسي مهيمناً على الحياة السياسية لتلك الدولة التي تقع في أمريكا الوسطى.

بل أن الرئيس المنتخب سهل مهمة خلعه عندما أصر أن يحتمي بحزبه السياسي، متوهماً أن رضا الإدارة الأمريكية يكفي كي يبقى في الحكم. لكن ما حدث لاحقاً فاق روايات العم ماركيز والعزيزة إيزابيل أليندي في جموحها!

فقد خلع الجنرالات الرئيس ووضعوه تحت الإقامة الجبرية بالرغم من غضب الإدارة الأمريكية في ذلك الوقت. ثم قرر قائدهم أن يبقى وزيراً للدفاع، وأن يتصدر المشهد رئيس المحكمة العليا. وكان قرار قائد الجيش يعبر عما في نفسه من رغبةٍ حقيقية في عدم حكم البلاد. فالرجل لم يتحرك إلا من أجل مصلحة نيكاراغوا العليا فقط.

كان المقربون من الجنرال يعرفون عنه حرصه على الذهاب الى الكنيسة كل أحد. ويعرفون أنه يبكي كثيراً خلال صلواته من أجل أن يحفظ دماء النيكاراغويين. لكنه بعد فترة من القلائل التي هزت البلاد وأثرت على مسيرة انتقالها مرةً أخرى الى الحكم الديمقراطي، استجاب لنصيحة أحد مستشاريه والتي صاغها في الجملة الآتية: سيدي الجنرال.. إذا رغبت في أن تحافظ على سيارتك وتصل بها الى بيتك سليمة، فتجنب الضغط على المكابح!

خاض الجنرال حرباً لا هوادة فيها ضد حزب الرئيس المعزول. واستفاد من أن أغلبية الشعب تدعمه في حربه تلك، والتي سميت لاحقاً في كتب التاريخ المدرسية بحرب الاستقلال! وكان ممن دعموا الجنرال في حربه مجموعة من المثقفين والمنتمين الى حزب الرئيس الذي تم خلعه من قبل الجيش عام ١٩٢٩ بعد حشود مليونية هائلة أيضاً..! (من الملاحظ أن نيكاراغوا في تلك الفترة كانت تبدل رؤسائها بوتيرة أسرع من وتيرة تغيير رجل الأعمال الأمريكي هاوارد هيوز لطائراته الخاصة!).

بعد أن فرغ الجنرال من حربه وسحق حزب الرئيس المعزول بدعم من الشعب، حدث ما لم يكن متوقعاً. التفت الجنرال الى حلفائه في الحرب وقرر التخلص منهم وزجهم في السجون. كان الرجل يعتقد أن مصلحة البلاد العليا تقتضي بأن يكون للسفينة ربانٌ واحدٌ فقط. وأن حلفاؤه باتوا يطلبون ثمناً لدعمه. كما أن أحد مستشاريه همس في أذنه: حطم كل روابطك مع حلفاء حرب الاستقلال كي لا يشاركوك حكم البلاد أو يتسببوا برعونتهم في حشودٍ مليونية هائلة للمرة الثالثة!

ظل مؤرخو تلك المرحلة الأسطورية من تاريخ نيكاراغوا يتندرون في كتبهم من أن من هتفوا بسحق أعضاء حزب الرئيس المعزول، شاركوهم الزنازين لاحقاً بل والمشانق أيضاً. وتحكي الروايات حواراتٍ شديدة المرارة بين أنصار الرئيس المعزول وأنصار الرئيس المخلوع حول تلقيهم نفس الضربة من نفس الرجل!

ظل الجنرال يتمتع بدعمٍ شعبي هائل أوصله لرئاسة البلاد بشكلٍ نزيه وشفاف في انتخاباتٍ حازت على رضا الإدارة الأمريكية، والتي رأت أنه إذا فشلت في قطع اليد التي تعاديك، فمن الأفضل أن تصافحها...

لكن المعضلة التي واجهت الجنرال، الرئيس لاحقاً، تمثلت في السؤال التالي: هل يستطيع الرجل أن يطرح مشروعاً اجتماعياً واقتصادياً ينقذ نيكاراغوا من الغرق؟ أم أنه سيظل أسيراً لإنجاز عزل الرئيس؟
  

Saturday, 27 October 2012

لماذا نضيع كل هذا الوقت من أجل زمبة؟

الصورة من مجموعة أحمد زكي والتقطت في غرب لندن

امبراطورية مالية عملاقة، تتخذ من سويسرا مقراً لها. وفي كل مدينة كبرى حول العالم، يوجد لهذه الامبراطورية مكتب أو اثنان وأحياناً مقر إقليمي يدير عملياتها في الدول المحيطة.

كان لهذه الامبراطورية مكتب تمثيل صغير في مصر خلال ثمانينيات القرن الماضي، ثم توسع إلى أن أصبح مركزاً إقليمياً كبيراً يدير عمليات مالية مهمة في مصر وفي الشرق الأوسط.

مؤخراً وجد المسؤولون عن إقليم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا (وهم ستة أشخاص يعملون في المقر الرئيسي في زيورخ وينتمون إلى أربعة بلدان أوروبية) أن مكتبهم في القاهرة يترنح. مؤشرات أدائه في انخفاض مستمر وأرقام عملياته تتراجع.

أرسل المسؤولون واحداً منهم في جولة في المنطقة. اكتشف أن هناك مساحات واسعة لزيادة حجم العمليات في هذه المنطقة من العالم.

بدأ المسؤولون يعتقدون أن ما يواجهه مكتبهم في القاهرة لا يتعلق بظروف الأسواق المالية في أعقاب الربيع العربي، وإنما بمشكلة ما داخل المكتب.

المشكلة التي كانت تواجههم أن كل التقارير التي تأتي من المكتب تبدو شديدة الدقة ولا تعكس أي خلل إداري أو مالي داخل المكتب. كانت تلك التقارير وفق التعبير المصري (متستفة صح، أو مطبوخة حلو!).

قرر الرجال الستة أن يرسلوا أحدهم إلى القاهرة لاستطلاع الأمر.

لا أحد يدري ما إذا كانت تلك صدفة أم أن هذا كان مخططاً له، لكن من أرسلوه رجل إنجليزي يحمل شهادة في علم الاجتماع إلى جانب دراساته الأخرى في الاستثمار والأسواق الناشئة.

وصل صاحبنا إلى القاهرة وبدأ على الفور العمل في المكتب وتقديم نفسه باعتباره موفداً من الشركة كي يشرف على دمج عملياتها في بعض الدول الإقليمية.

أمضى شهراً كاملاً في مكتب القاهرة وخرج بتقرير، أثار عنوانه صدمة في المقر الرئيسي في سويسرا.

كان عنوان التقرير: مكتب القاهرة.. إنها مشكلة ثقافية!

من الصعب أن تجد مساحةً للود بين رجال المال وبين الظواهر الاجتماعية. لذا اتهم صاحبنا بأن مساً من الجنون أصابه!

اضطر صاحبنا أن يشرح مضمون تقريره في اجتماع مع كبار أعضاء مجلس الإدارة في الشركة. وهذا نص ما قاله، كما هو مدون في محضر الاجتماع:

ما وجدته في مصر لم أجده في أي بلدٍ آخر من تلك البلدان التي نطلق عليها لقب: الاقتصادات الناشئة. ففي هذا البلد قدرٌ كبير من المتناقضات التي لم يستطع عقلي أن يستوعبها.

مثلاً، حرص موظفي مكتبنا في القاهرة على إبراز تدينهم والتزامهم بأخلاق دينهم التي تتعلق الأمانة والصدق، ثم لاحقاً سعيهم لطعن زملائهم في الخلف، عبر ما يطلقون عليه هناك "دق إسفين". 

وما أدهشني أنهم يضيعون قدراً كبيراً من الوقت والجهد الثمين في المؤامرات الصغيرة والنميمة ونقل أسرار زملائهم إلى مدرائهم. والمصيبة أن مدرائهم يشجعونهم على ذلك ويستخدمونهم في معاركهم للإيقاع بمنافسيهم داخل المكتب، بدلاً من التعاون كفريق واحد.

والمدهش أن الكل في المكتب يخوض هذه الصراعات التي تعرقل العمل، لا من أجل المال، فكلهم راضون عن مرتباتهم المالية المريحة للغاية، وإنما لأن هذا ما اعتادوا عليه في أماكن أخرى. أحد أصدقائي الذي يعمل أستاذاً في الجامعة الأمريكية هناك، أهداني كتاباً صغيراً مكتوباً بالعربية، واستطعت أن أحصل على أجزاء منه مترجمة. يتحدث الكتاب عن أن ثقافة ما يعرف هناك "بالزمبة" لها جذور تاريخية.

في الحقيقة لا يهمني ما إذا كان ذلك صحيحاً أم لا، ولكني أوصيكم بإغلاق مكتب القاهرة وإدارة عمليات الإقليم من هنا في زيورخ أو من مكتبنا في لندن، أو تنفيذ الخيار الآخر وهو أن نستبدل جميع من يعملون هناك بأشخاص ينتمون إلى ثقافات أخرى. لا أريد أن أبدو عنصرياً ولكن هذا ما وجدته.

في النهاية أود أن أقول أنني استمتعت بوقتي في القاهرة ووجدت الناس هناك رائعون للغاية، إذا ما تعاملت معهم خارج إطار العمل.”

انتهت كلمات هذا الرجل الإنجليزي أمام مجلس الإدارة، والذي طلب منه الذهاب في مهمة إلى مكتب بكين، حيث الصينيون يسببون انهياراً عصبياً لأي موظف ترسله الشركة من مكاتبها الأوروبية!

Thursday, 16 August 2012

التيار السابع: مصر لا تعرف النكات

الصورة من تصوير أحمد زكي، وتم التقاطها في لندن
١
بعد أن عدت من القاهرة، وجدت أن الحياة السياسية فيها نكتة سمجة! مجموعة من "المثقفين" وهواة الظهور الإعلامي الذين يتصارعون على هياكل هشة، يطلق عليها ظلماً لقب "أحزاب".
بدا أن النجاح الساحق للتيار الإسلامي في انتخابات البرلمان "المحلول" ثم في الرئاسة، قد أصاب النخبة بصدمة عميقة. هذه الصدمة التي ترجمت فيما بعد في مجموعة من الهلوسات مثل الطلب من مرسي الانسحاب من أجل حمدين، أو إعادة الانتخابات، أو جعل التنافس في الجولة الثانية يضم حمدين ومرسي وشفيق.. إلى آخر هذه الترهات.
عندما عدت الى لندن، علمت بنية مجموعة من المفكرين الليبراليين الذين أدركوا أن جميع محاولاتهم لإطلاق حزب ليبرالي قد فشلت، بإطلاق تيار سياسي يواجه الإخوان والسلفيين وأنصار المجلس العسكري (المحلول أيضاً!) تحت مسمى: التيار الثالث.
بدت محاولتهم عبثية وأقرب الى محاولات طفل فشل في جذب اهتمام أسرته، التي انشغلت عنه بمشاهدة نشرة الأخبار.
وسط هذا العبث، أطلقت تغريدة على موقع تويتر تقول: لقد أعلنت إنشاء التيار السابع! تغريدة ساخرة استلهمتها من تنظيم وهمي أنشأه الساخر الكبير محمود السعدني في المعتقل وهو تنظيم "زمش" اختصاراً لـ: زي ماأنت شايف..!
بعد دقائق من إطلاقي لهذه التغريدة، استقبلت مكالمة من صديق "تويتري" (نسبة الى تويتر) يقيم بالكويت. بعد السلامات أبدى استعداده كي يكون عضواً فاعلاً في التيار السابع. أدركت حينها أن التغريدة لم تفهم كسخرية وأنها فهمت كخبر!
أوضحت له أنني كنت أسخر. تجاوز تلك النقطة سريعاً ليقول لي أن مصر تحتاج بالفعل الى التيار السابع.. حاولت أن أشرح له أن التيار الرابع والخامس والسادس لم يتم إنشاؤهم بعد. أقنعني بأن القفز للتيار السابع سيكون الخطوة العبقرية في مشهد عبثي!
٢
بدأ مجموعة من الأصدقاء "التويتريون" هاشتاغ سموه: #التيار_السابع.. كان الهاشتاغ في بدايته، كأي هاشتاغ آخر، مليئاً بالسخرية، ولكنه سرعان ما تحول الى طرح أفكار جادة تتعلق بهذا التيار.. وسريعاً اختفت السخرية تحت كمٍ هائل من هذه الأفكار.
في مساء اليوم التالي وعندما كنت أنتقل بالريموت من قناة أفلام الأكشن الى قناة أفلام الدراما، توقفت اضطرارياً عند قناة مذيع حواري يتكلم بلا توقف أو منطق أو عقل! كان سبب التوقف الاضطراري أن بطارية الريموت كانت تحتاج الى خبطة خفيفة تعيدها الى الحياة!
خلال تلك الثوان المباركة، كان المذيع قد قال الكلمات التالية: الليلة حنعرض لخبر، مفيش قناة تانية اتكلمت فيه قبل كدة.. خبر من مصادر خاصة وهو خبر غير عادي بيشرح لحضراتكم إزاي فيه عواصم دولية بتلعب دور في السياسة المصرية! أيوة.. عواااصم دولية.. اللي وصلنا من مصادرنا الخاصة إن يجري حالياً إنشاء حزب سياسي تحت اسم التيار السابع من لندن. المؤسس هو رجل أعمال مصري مقيم في لندن وفيه تمويل من صديق له، وهو رجل أعمال مصري مقيم في الكويت بالإضافة إلى سيدة مصرية مقيمة في دبي.. المعلومات اللي عندنا كمان بتقول إن فيه تنسيق عالي جداً مع أجهزة إعلام دولية للترويج لأفكار هذا الحزب!
بعد أن استمعت إلى ما قاله المذيع "اللامع" شكلاً ومضموناً، علمت أن مصر تعشق نظريات التآمر الكونية!
الصورة من تصوير أحمد زكي، وتم التقاطها في لندن
٣
في اليوم التالي صباحاً، تلقيت اتصالاً هاتفياً كان نصه هو الآتي: ممكن حضرتك تشرفنا وتشرب معانا القهوة؟ أنا: مين معايا؟ الطرف الآخر: سيادته عايز يتعرف عليك.. حضرتك عارف توكيل البي إم المطل على شارع بارك لين؟ إحنا بقى وراه.. أنا: آه.. عرفتكم.. طيب!
وصلت إلى باب المبنى العتيق. بعد التفتيش والدخول إلى بهو المبنى، قيل لي: إحنا آسفين يا أستاذ.. مش إحنا اللي طلبناك.. أنا: أومال مين؟ الملحق الأنيق: الباب اللي جنبنا يا افندم.. أنا: أيوة عرفتهم.. دول حبايبي.. طيب ربنا يستر!
خرجت من باب المبنى العتيق ودخلت إلى باب مبنى ملتصق به! مبنى عتيق أيضاً ولكن يخلو من الدبلوماسيين! فقط ذوي الرتب!
بعد التفتيش الدقيق هذه المرة، أدخلوني إلى قاعة كبيرة بها "أنتريه كلاسيك" وصورة كبيرة للرئيس السابق على سجادة عملاقة معلقة على الحائط. وعلم الجمهورية إلى جوارها منتصباً.
بعد نصف ساعة من الانتظار وحيداً في هذه القاعة، دخل شخص قصير، ممتلئ قليلاً، ومبتسم، يرتدي بدلة لونها أخضر زيتي! اللون الوحيد الذي يرتديه المصريون في البدلات، دوناً عن شعوب الأرض الأخرى!
عرفني بنفسه: أنا العـ*** خـ*** من الـ******* العـ*****..
أنا: أهلاً وسهلاً.. حلوة الصورة..
هو: صورة أيه؟
أنا: اللي هناك..
هو: أعذرنا يا أحمد بيه.. محدش بيدخل هنا خالص وعلشان كدة يبدو أنها اتنست هنا!
أنا: لا مفيش مشكلة.. الوفاء شيء جميل!
هو: شربت قهوة؟
أنا: تركي سكر زيادة.. لو فيه بن كويس..
هو: لسة واصل من مصر امبارح.. أكيد اشتقت لقهوة مصر؟
أنا: لو في القهوة مع صحابي، يبقى جداً.. لو معاكوا يبقى لا.. علشان نوعية البن بس!
هو: حضرتك أنا من المعجبين بوطنيتك وبإخلاصك لمصر وثورتها.. وعلشان كدة عايز أعرف منك بتخطط لإيه؟
أنا: كرجل وطني أم كرجل مخلص؟
هو: كتيار سابع؟
بعد ضحكة شديدة العنف، أنا: سيادتك دي نكتة على تويتر بس المذيع اللامع والصحفي الجهبذ في مصر عملولها سيناريو..
هو بدون أي ابتسامة: مفيش نار بدون رماد ومفيش نكتة بدون حقيقة!
أنا: طيب حيث كدة، يبقى أيوة أنا عايز أنزل انتخابات مجلس الشعب الجاية، والصندوق هو اللي يقول.
هو: طيب والتمويل؟
أنا: اكتتاب شعبي!
هو: مفيش جهات أجنبية؟
أنا: حضرتك فاضل تضيف للسؤال كلمة: معادية!
هو: مفيش جهات أجنبية بتمول؟
أنا: في بريطانيا مفيش مليم بيطلع لمصر بدون ما أنتم وصحابكم في فوكسهول (مكان مماثل لكوبري القبة ولانغلي) غير لما تعرفوا بيها..
هو: طيب أنا أشكرك جداً على وقتك.
أنا: طب والقهوة؟
الصورة من تصوير أحمد زكي، وتم التقاطها في لندن
٤
بعد يومين تلقيت رسالة شخصية على تويتر هذا نصها: عزيزي أحمد.. أود الالتقاء بك قريباً..
في تويتر، الرسائل الشخصية تكون أحياناً في اتجاه واحد فقط، تبعاً لشكل العلاقة (فولو من طرف واحد أم من طرفين).
لما لم يكن من الممكن التواصل معه عبر الرسائل المباشر، فقد ذكرته في تغريدة هذا نصها: @elba**** تلقيت الرسالة.. متى؟
رد الدكتور على الرسائل المباشر: سوف تتصل بك شيرين.
بعدها بدقائق، رسالة مباشرة من @egySh**** : الدكتور حيكون في لندن بعد بكرة.. حابعت لحضرتك اسم الفندق لاحقاً. شكراً جداً لحضرتك.
بعد يومين، رسالة من نفس الحساب تقول: فندق السافوي، الساعة الثامنة صباحاً.. في الريسبشن سأكون في انتظارك. من فضلك، نتمنى تكون بمفردك.
في بهو الفندق شديد الفخامة والكلاسيكية، وجدت آنسة جميلة ترتدي فستاناً أزرقاً أنيقاً ونظارة رقيقة، تقترب مني وتقول هامسة: حضرتك الأستاذ أحمد؟
أنا: أيوة.. صباح الخير.. حضرتك الآنسة شـ..
هي: أيوة أنا.. صباح النور، تفضل حضرتك لجناح الدكتور..
أنا: هو الدكتور نازل في جناح في السافوي؟
لم ترد وكأني لم أتكلم!
٥
دخلت إلى الجناح شديد الفخامة بالطابق الثالث من السافوي. موسيقى كلاسيكية هادئة منبعثة من مكان ما، أو ربما من جميع الأماكن. الدكتور يجلس على كرسي بالقرب من النافذة مرتدياً بنطالاً رمادياً وقميصاً سماوياً.
هو: أهلاً أهلاً بأستاذ أحمد.. صباح الخير وآسف على إزعاجك في الوقت البدري دة.. أنا أعرف إنك ما بتصحاش بدري.
أنا: صباح النور حضرتك.. سعيد جداً بمقابلتك أخيراً.. حضرتك من الرموز اللي أنا بافتخر بها..
هو: شكراً يا أستاذ أحمد..
أنا: أستاذ أيه حضرتك؟ أنا تلميذك.
هو: تشرب أيه؟ أنت فطرت الأول؟ شكلك ما فطرتش.. طيب أفطر معايا..
أنا: هو الأكل هنا حلو؟
هو ضاحكاً: عارف إنك بتحب السوشي بس أنا لما أكون في لندن ما باكلش سوشي غير في "إتسو" بريجنت ستريت.
أنا: مش ممكن! دة أنا كمان زبون هناك عالطول! طيب هو حضرتك عرفت إزاي إن أنا باحب سوشي وباسهر كل ليلة؟
هو: فيه أصدقاء مشتركين..
أنا: مين؟
هو: بتحب مع الفطار شاي أو قهوة؟
أنا: الاتنين!
هو ضاحكاً بشدة: ما كنتش أعرف إن دمك خفيف..
أنا: أحياناً.
هو: أيه بقى موضوع التيار السابع يا بطل؟
أنا: أهو دة مثال على دمي الخفيف! دي نكتة يا دكتور..
هو: طيب ما نوحد الجهود والنكتة بتاعتك على الحزب اللي ناوي أطلع بيه قريباً يبقوا واحد.. أيه رأيك؟
أنا: باقول لحضرتك نكتة..
هو: مفيش نكت في السياسة يا أحمد.. قهوتك لاتيه أو أمريكانو؟
الصورة من تصوير أحمد زكي، وتم التقاطها في لندن
٦
بعد أسبوع، توقفت ليومين في القاهرة خلال رحلة إلى الشرق الأقصى. كتبت فور وصولي لمطار القاهرة تغريدة تقول: وصلت إلى المحروسة.. يومين وأخلع تاني!
بعدها بدقائق تلقيت مكالمة من صديق يعمل مديراً إقليمياً للبنك الدولي ويرتبط بعلاقات وثيقة للغاية مع الجماعة.
هو: أبوحميد يا وحش.. أنت فين؟
أنا: هيما يا برنس.. أنا في المطار..
هو: ممكن أشوفك دلوقتي؟
أنا: طيب أنا حاكون في البيت بعد نص ساعة تقريبا..
هو: مساكن شيراتون؟
أنا: أيوة.
هو: طيب يا وحش.. حمدلله على السلامة.
بعد دقائق كان يقف بسيارته الفارهة من طراز بي أم دبليو الفئة الخامسة ٢٠١١ تحت المنزل.
بعد السلامات والتحيات، قال لي مبتسماً: أنا عايز أدخل التيار السابع..
أنا: أيه يا عمي؟ أنت بتشتغلني؟ أنت مش كنت في الوسط وبعدين قلبت إخوان بعد فوز مرسي.. دلوقتي عايز تبقى تيار سابع؟
هو: الجماعة في مأزق..
أنا: أيوة.. أيوة.. أصل أنا مواطن نمساوي! هيما.. أنا جعان.. أطلع على مكان ناكل فيه.
هو: بس أنا ليبرالي والله العظيم!
أنا: الحلفان كدب حرام يا هيما..
هو: ما دة بيعتمد على تعريفك لليبرالية..
أنا: الليبرالية هي إني آكل حالاً من البرنس في امبابة!

٧
في اليوم التالي تلقيت مكالمة من نفس الصديق.
هو: ممكن أشوفك؟
أنا: تاني؟
هو: المهندس عايز يشوفك.
أنا: المهندس الأعظم؟ هو أنت ماسوني يا هيما؟
هو: بلاش تهريج الله يكرمك.. المهندس خـ***.
أنا: عمي وعم العيال كلهم!
هو: بعد ربع ساعة تكون تحت.
الصورة من تصوير أحمد زكي، وتم التقاطها في لندن
٨
في المقطم، وفي الطابق الرابع من المبنى الأنيق، التقيت بالمهندس. بدا ودوداً رغم ملامحه القاسية.
رحب بي قائلاً: السلام عليكم يا أخ أحمد.. حمدلله على السلامة.. إبراهيم قال لي إنك مسافر بكرة الصبح. مش كنت تقعد معانا شوية..
أنا: شكراً حضرتك ولكن عندي مؤتمر في كوالالمبور..
هو: من أكثر البلاد التي أحبها.. بلد إسلامي صناعي يقدم لنا تجربة مهمة في كيفية التوفيق بين النهضة وبين المشروع الإسلامي.
أنا: فعلاً.. مهاتير عمل نهضة بجد..
هو: وإحنا كمان حنعمل نهضة حقيقية تحكي عنها الأجيال القادمة..
أنا: أنا من المعجبين بحضرتك علفكرة... نضالكم ملهم!
هو: واضح من تغريداتك عني في تويتر إنك فعلاً من المعجبين بي.. (ثم ابتسم بسخرية!)
أنا: واضح إن حضرتك يا باشمهندس بتقرأ ملفات كويس أوي زي أي ضابط أمن محترف.
هو: النهضة تريد جنوداً يخلصون لها ويمنعون عنها ما يمكن أن يعيق رجالها عن تحقيق ما يصبون إليه.
أنا: طيب ممكن أشرب مية؟
هو: أكيد طبعاً.. أخبار التيار السابع أيه بالمناسبة؟
أنا: لو قلت لحضرتك نكتة، مش حتصدق.. مش كدة؟
هو: يا أخ أحمد في بلدنا ثلاثة أرباع النكتة حقيقة تريد أن تستتر!
٩
جميع الشخصيات الواردة أعلاه لا تتشابه بأي شخصية عامة أو خاصة في الحقيقة، وإن حدث ذلك، فهذا من قبيل الصدفة البحتة! 

ملحوظة شخصية:
شكراً لملهمتي.. مدين لها بأكثر مما يمكن أن تعبر عنه الكلمات.