Friday, 28 March 2014

الجيش والسياسة، شرعية الرئيس القادم.. علامات استفهام



في أعقاب حرب ١٩٥٦ أدرك الرئيس جمال عبد الناصر أن وزير الدفاع عبد الحكيم عامر قائد عسكري فاشل ولا يستطيع التصرف في ميادين القتال. أشرف عبد الناصر بنفسه على خطة انسحاب منظمة لقوات الجيش المصري من سيناء وإعادة تمركزها في بورسعيد للتنسيق مع المقاومة الشعبية في المدينة من أجل مواجهة فرق المظليين البريطانية.

لكن غلطة عبد الناصر كانت في أنه ترك عبد الحكيم قائداً عاماً للقوات المسلحة وذلك خوفاً من أن يأتي قائد عام آخر لا يتمتع بنفس الثقة. كانت تلك من أخطاء عبد الناصر الكبرى والتي دفعت مصر ثمناً باهظاً للغاية بسببها. كانت فكرة عبد الناصر أن أي قائد آخر للجيش لا يحظى بثقة تماثل ثقته في عبد الحكيم، قد يكون باستطاعته القيام بانقلاب عسكري على غرار ما حدث في الثالث والعشرين من يوليو عام ١٩٥٢. فما جرى في تلك الليلة كشف للضباط الشباب الذين قاموا بما سموه حينها "حركة الجيش المباركة" أن السيطرة على الحكم في مصر أمر شديد السهولة بالنسبة لمن يسيطر على الجيش، وهي القاعدة التي لاتزال سائدة حتى اليوم والتي حاول رؤساء الجمهورية منذ عبد الناصر وحتى مرسي مقاومتها عبر التأكيد على مفهوم إخضاع الجيش لـ"شرعية الرئيس".

في كتاب حازم قنديل الذي نشر بالانجليزية وعنوانه "جنود، جواسيس، ورجال دولة" هناك فقرة حول كيف قام عبد الناصر عام ١٩٥٣ باستبعاد العناصر التي يمكن أن تشكل تحدياً له داخل القوات المسلحة. كانت فكرة ترتيب الأوضاع في الجيش عملاً ضرورياً من أجل استمرار الحكم الجديد.

انتقلت مصر من سنة ١٩٥٦، والتي كشفت ضعف عبد الحكيم في الأمور العسكرية، الى سنة ١٩٦١ حيث وقع الانفصال عن سورية، وتبين لعبد الناصر أن الخلية المسؤولة عن الانفصال كانت مرتبطة بمكتب عبد الحكيم عامر. وبالرغم من ذلك ظل عبد الحكيم عامر، برغم مسؤوليته المباشرة عن فشل الوحدة، في منصب القائد العام.

جاءت حرب ١٩٦٧ وكانت الهزيمة المروعة للقوات المصرية خلال أيام نتيجة منطقية لجيش يقوده قائد مهتز وضعيف مثل عبد الحكيم عامر. وقد وصف بعض المؤرخين الطريق الى ١٩٦٧ بأنه كان نتيجة "صراع بين دولتين داخل وطن واحد"! هنا قرر عبد الناصر إزاحة عبد الحكيم عامر عن منصبه ووضعه تحت الإقامة الجبرية. بالرغم من ذلك استطاع عبد الحكيم عامر بما له من شعبية في الجيش أن يجمع عدداً من ضباط الجيش في منزله، وذلك من أجل التخطيط لانقلاب عسكري والإطاحة بعبد الناصر. وقائع هذا المخطط وكيف فشل، رواها فيما بعد أمين هويدي رئيس المخابرات العامة ووزير الحربية في كتابه الهام "الفرص الضائعة".

في أعقاب "انتحار" عبد الحكيم عامر، بدأ عبد الناصر في التنبه لخطورة دخول الجيش في الحياة السياسية أو المدنية. لذلك أصدر عدداً من القرارات لجعل وزارة الدفاع تابعة لمؤسسة الرئاسة وليست نداً لها، وأن لا تقوم بأي دور مدني أو سياسي أو حتى أي دور في حفظ السلم والأمن العام إلا بطلب من رئيس الجمهورية ولفترة محدودة على نحو ما حدث في أحداث ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧ أو أحداث الأمن المركزي في ١٩٨٦ أو مساء يوم ٢٨ يناير ٢٠١١.

ومنذ رحيل عبد الحكيم عامر وحتى إقالة المشير طنطاوي من منصبه كوزير للدفاع، كان كل قادة الجيش المصري يدركون خطورة أن يقوم الجيش بلعب أي دور سياسي من أي نوع. وكان لدى رؤساء الجمهورية المتعاقبين إدراك بحساسية وخطورة إقحام الجيش في أي معارك سياسية. قد يتم أخذ رأي وزير الدفاع في بعض المسائل المتعلقة بالأمن القومي ولكن لا يتم أخذ رأيه في تقسيم دوائر مجلس الشعب مثلاً أو في السياسة النقدية للبنك المركزي أو حتى في السياسة الخارجية طالما لن يؤثر ذلك على الأمن القومي.

ما حدث في الثامن والعشرين من يناير عام ٢٠١١ كان زلزالاً عنيفاً لأركان الدولة المصرية. ضرب الزلزال بعنف قلب هذه الدولة كما لم يحدث من قبل منذ إنشاءها قبل قرنين وفق رؤية محمد علي باشا. أدرك الجيش للمرة الأولى أن الجناح السياسي للنظام كان أضعف من أن يتم الاعتماد عليه في الحفاظ على الدولة. اختفى الحزب الوطني الديمقراطي كما اختفى الجيش العراقي فور دخول القوات الأمريكية الى بغداد. انهار حزب النظام خلال ساعات وتم حرق مقراته، وذلك في إجابة شعبية على عبارة مهندس الحزب أحمد عز حول "مستوى رضا المصريين المرتفع"!

تولى الجيش الحكم خلال فترة انتقالية صعبة، أثبت فيها قادته أن علاقتهم بالسياسة وإدارة شؤون الدولة منعدمة! لم يكونوا مؤهلين أصلاً للحكم ولم يكن أداؤهم سوى فشل تم تجسيده في كل الأزمات والصدامات الدموية العنيفة التي شهدتها مصر منذ تنحية مبارك عن الحكم وتولي مرسي للرئاسة.

خلال حكم محمد مرسي كانت هناك بعض الإشارات المثيرة للاهتمام في علاقة مؤسسة الرئاسة بالجيش. الأولى هي السهولة التي تمت بها إزاحة طنطاوي وعنان من الجيش ومجيء عبد الفتاح السيسي. الثانية هي أدوار الوساطة التي حاول السيسي أن يلعبها بين الرئيس وبين خصومه السياسيين. الثالثة كانت في استدعاء القوى السياسية للجيش من أجل عزل مرسي.

يروي البعض ممن كانوا على صلة بتلك الفترة أن الجيش كان يميل نحو إجبار مرسي على انتخابات مبكرة، لكن محمد البرادعي رفض هذه الفكرة بدعوى أنه قد تجاوزها الوقت وأنه لابد من عزل مرسي أولاً، لأنه بات يشكل خطراً على وحدة البلاد الداخلية وأن مرسي قد يكون سبباً في إشعال حرب أهلية. استجاب الجيش لنصيحة البرادعي وتم إعلان خريطة الطريق والتي تضمنت تعديل الدستور وانتخاب رئيس وبرلمان. قال البرادعي حينها أن السيسي أكد له عدم رغبته في الترشح لرئاسة الجمهورية. ثم أعلن السيسي في أكثر من خطاب أنه لا يريد حكم مصر حتى لا يقال أن الجيش تحرك من أجل السيطرة على الحكم. كان السيسي خلال تلك الخطابات مدركاً لخطورة إقحام الجيش في السياسة.

من قالوا أن عزل مرسي كان انقلاباً، كان يتم الرد عليهم بأن رئيس الجمهورية المؤقت هو رئيس المحكمة العليا. وأن وزير الدفاع لايزال وزيراً في حكومة لا يرأسها. كان الحفاظ على شكل وشرعية ما جرى مهماً للغاية، داخلياً وخارجياً. فوصف ما جرى في مصر "بالانقلاب" له تبعات إقليمية ودولية لا تستطيع مصر أن تتحملها. هذه ليست معركة استقلال وطني مثل ما جرى في ١٩٥٦ أو عدوان خارجي مثل ما حدث في ١٩٦٧ أو معركة تحرير أرض كحرب ١٩٧٣ ولكنها معركة لتأكيد "شرعية عزل رئيس استجابةً لطلب شعبي".

لكن تطورات الأمور فيما بعد أثبتت أن لا أحد يتعلم من الدرس الفادح الذي تعلمه عبد الناصر ووعاه السادات ومبارك! وسأتوقف هنا عند مشهدين كان لا ينبغي أن يتم التورط فيهما.

المشهد الأول: أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة في يناير الماضي بياناً تحدث فيه حول تركه لوزير الدفاع حرية التقدم بالترشح للرئاسة بالرغم من أن ذلك يعد إقحاماً للجيش في أمر لا يخصه. فطموح وزير الدفاع السياسي بعد تركه للخدمة في القوات المسلحة أمر يخص شخص وزير الدفاع والجهات المدنية التي تشرف على تنظيم عملية الانتخابات.

المشهد الثاني: خرج وزير الدفاع ببدلته العسكرية المموهة وألقى كلمة للشعب المصري عبر التلفزيون الرسمي للدولة، استمرت لربع ساعة، وأعلن فيه تقدمه بالاستقالة من منصبه والتقدم لخوض الانتخابات على المنصب التنفيذي الأعلى في البلاد. كما أعلن رغبته في بناء دولة ديمقراطية حديثة، وطلب أن يتم التوقف عن تشويه أو مهاجمة من يجد في نفسه القدرة على تحمل المسؤولية وخوض الانتخابات الرئاسية، وأنه سيظل حريصاً على أمن مصر "بل والمنطقة"! وتحدث حول الأعباء التي يواجهها المواطن المصري وحول التحديات التي تنتظر الدولة والشعب.

ملاحظات على المشهد الثاني والذي لم يكن من المفترض أن يحدث:

أولاً: كان من المفترض، ومن الضروري، أن يقوم وزير الدفاع بالتقدم باستقالته لرئيس الجمهورية. ثم يتقدم بأوراق ترشيحه للجنة العليا للانتخابات مثل أي مرشح مدني، سواء بخلفية عسكرية أو طبية أو هندسية أو غير ذلك. وكان من المفترض أن يقوم وزير الدفاع السابق بإعلان برنامجه السياسي الذي سيخوض به الانتخابات وهو يرتدي زياً مدنياً. أما وقد ارتدى بدلته العسكرية وأعلن عن طموحه السياسي من داخل مقر تابع للمؤسسة العسكرية، فقد أقحم الجيش فيما لم يكن من المفترض أن يكون طرفاً فيه. وهو ما سيؤثر على شكل العلاقات المدنية العسكرية في مصر خلال الأعوام القادمة.

ثانياً: جميع شهادات القادة العسكريين الذين عينهم عبد الناصر بعد هزيمة ١٩٦٧ أشارت الى أن أحد الأسباب الرئيسية للهزيمة هي التساهل في أن يلعب الجيش أدواراً في الحياة المدنية، وهو ما أدى الى عدم قدرته على الوفاء بالتزاماته العسكرية. وعندما أصبح الجيش طرفاً في الحياة المدنية والسياسية، أصبح قادراً على التفكير في الانقلاب على قائده الأعلى، مثلما خطط عبد الحكيم عامر مع عبد الناصر، أو مثلما كان يحدث بشكل دوري في سورية قبل وصول حافظ الأسد للحكم، أو في العراق قبل وصول أحمد حسن البكر ونائبه صدام للسلطة.

ثالثاً: عندما بدأت وحدات الجيش في الانتشار في القاهرة والمدن الكبرى مساء ٢٨ يناير ٢٠١١، استقبل الناس جنود الجيش بالهتاف: الجيش والشعب إيد واحدة. كان المقصود من هذا الهتاف هو أن يتم التفريق بين الجيش كمؤسسة ولائها للشعب وبين الرئاسة كمؤسسة تتعرض لغضب الشعب. لم يتعامل الناس مع الجيش في تلك اللحظة على أنه ذراع مبارك القمعية مثلما كانوا يتعاملون مع قوات الشرطة. لكن هذا الفصل أصبح صعباً. فقائد الجيش انتقل من مكتبه في وزارة الدفاع الى الترشح للرئاسة دون أي فترة انتقالية، يتولى فيها عملاً مدنياً مثلما حدث مع مبارك عندما عينه السادات نائباً لرئيس الجمهورية. أو السادات الذي كان رئيساً لمجلس الأمة ثم نائباً لرئيس الجمهورية.

رابعاً: خلال السنوات الثلاث الماضية كانت المؤسسة العسكرية تخضع لإرادة الشعب. لما زاد الغضب الشعبي على مبارك، لم تجد المؤسسة التي كان يرسم طياروها بمقاتلاتهم في السماء كلمتي "مصر مبارك"، لم تجد تلك المؤسسة أي مشكلة في إزاحة قائدها الأعلى عن السلطة. تكرر السيناريو مع محمد مرسي. ماذا لو تزايد الغضب الشعبي على الرئيس القادم؟

خامساً: لا توجد مشكلة في أن يتقدم وزير الدفاع للمنصب التنفيذي والسياسي الأعلى في الدولة إذا وجد في نفسه القدرة على تحمل المسؤولية. لكن يجب أن يتم ذلك وفق قواعد الحياة المدنية والسياسية التي تحفظ لمصر خصوصيتها كدولة ليست قبلية أو عشائرية. لذلك فإن ما جرى من دخول وزير الدفاع السابق الى الحياة السياسية تم ضمن أجواء "المبايعة الشعبية والتأييد"، لا ضمن أجواء التنافس الانتخابي. فقد أصبح الجميع يعلم الآن اسم الرئيس القادم. فما هو الهدف إذن من المنافسة مع مرشحين لن يشكلوا تهديداً حقيقاً لفرص وزير الدفاع السابق في الفوز. 

هذا كله يمثل شروخاً عميقة في شرعية الرئيس القادم.
  

Wednesday, 5 March 2014

حزب الدستور: الطريق الى الفشل مفروش بالنوايا الحسنة


عن حزب الدستور، والبوب، وما حدث وما جرى وما ستؤول إليه الأمور:

1. البوب محمد البرادعي حبيبي. راجل برنس بصحيح. حسه الإنساني وضميره السياسي مهم ومفيد.

2. حزب الدستور مآله الفشل من أول ما تم تأسيسه على يد البوب ورفاقه (اللي كلهم بلا استثناء قلبوا الى أعدائه حاليا، ودة يقولك أد أيه الراجل دة كان حسن النية فيمن حوله!)

3. سبب فشل حزب الدستور هو إجابة السؤال الضروري والهام: ما هو حزب الدستور.. تحديدا ما هي الأيدولوجية أو الفكر الذي يستند إليه؟

إجابة البوب والمؤسسين في بدايات التأسيس، ولا تزال هي الإجابة الرسمية المعتمدة: الحزب هو مظلة لكل المصريين المؤمنين بأهداف ثورة يناير من عيش وحرية وعدالة اجتماعية.

من البيان التأسيسي للحزب:

"ومن هنا جائت فكرة حزب الدستور ... حزب يفتح أبوابه لكل أبناء الشعب، ولكل مدارس الفكر والعمل الرئيسية فيه ابتداء من الإسلام السياسى ومرورا بالليبرالية وانتهاء بالرديكالية الاجتماعية والاشتراكية، لتجتمع حول أهداف الثورة من أجل حمايتها من كل محاولات الخطف من ناحية ومحاولات تصفيتها من ناحيه أخرى."

هنا عدة أسئلة:

أولا: هو فيه مصريين مش مؤمنين بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية؟ 

كل المصريين مؤمنين بيها وكل سكان العالم مؤمنين بهذه الاهداف. إنما المشكلة هو في التعريف. يعني رجال الأعمال بيعتقدوا إن العدالة الاجتماعية تعني إنهم يبنوا للفقراء مدرستين وجامع، بينما اليساريين بيتكلموا عن ضرائب تصاعدية، والرأسماليين بيتكلموا عن إن تحرير الأسواق يعني مساواة في الفرص للجميع وبالتالي عدالة أجتماعية أفضل.. يعني المشكلة هي في التعريف وليس في الشعارات. 

عيش، حرية، اجتماعية، هي شعار عظيم زي شعار الثورة الفرنسية: حرية، مساواة، إخاء. 

شعار يصلح كمظلة لأمة ولكن لا يصلح كفكر أو أيدولوجية لحزب سياسي ناوي يدخل الانتخابات وينافس تيارات أخرى لها ألوان فكرية محددة زي التيار الاسلامي أو التيار اليساري أو التيار الليبرالي أو التيارات اليمينية.

ثانيا: أنت لو سألت محمد مرسي ومحمد بديع عن ثورة يناير، حيقولوا أحلى كلام. ولو سألت المشير السيسي والمشير طنطاوي عن ثورة يناير، برضه حيقولوا أحلى كلام. المشكلة مش في الكلام. المشكلة في التغيير الحقيقي. هل فيه حزب ممكن يبنى على فكرة إن بيحب ثورة يناير؟

فريد الديب قال جملة عبقرية: الرئيس مبارك أول من دعا الى ثورة يناير!

يعني من الآخر ثورة يناير زي القرآن على أسنة الرماح.. حمالة أوجه!

4. سألت صديقة متحمسة لتجربة حزب الدستور: بما إن حزب الدستور هو مظلة للمصريين، ودة مش شيء يسمح له بإن يكون مميز عن أي حزب آخر، ما هو إذن حزب الدستور؟

كانت إجابتها: حزب الدستور هو ضمير البوب البرادعي!

يعني الحزب يتلخص في روح البوب. إذا كان سياسييين بحجم عبد الناصر والسادات ولهم تجربة في الحكم ومشروع لاتزال آثاره باقية، ومع ذلك فشل كل من ادعوا إنهم عندهم أيدولوجية أو فكر مستمد من تجربة عبد الناصر أو السادات. يعني مفيش حاجة اسمها ناصرية ومفيش حاجة اسمها ساداتية. رؤساء أتبعوا منهج التجربة، فأصابوا في أشياء وأخطأوا في أشياء، وكله ضمن عناوين عريضة ليها علاقة بامتدادات مصر الإقليمية وإرثها الاسلامي ودورها الافريقي.

مفيش حزب ممكن تبنيه حول شخص. لأن رحيل الشخص يعني بالضرورة وفاة الحزب!

5. حزب الدستور وتجربة البرادعي تتشابه للأسف مع تجربة حزب مصر القوية وأبو الفتوح.. مظلة لكل المصريين ومحاولة لاستقطاب الكل، ينتج عنها فشل في أي استحقاق انتخابي!

6. حزب "مظلة لكل المصريين" ينفع يكون حزب ناجح جدا في هولندا. حيث الانتماء الى طائفة المصريين هو الأساس اللي الحزب قايم عليه. ولكن حزب لكل المصريين في مصر، يبقى عامل زي الحزب الوطني الديمقراطي اللي جمع الشامي والمغربي على مجموعة من المصالح بدون أي أفكار أو أيدولوجية وبالتالي كانت النتيجة إن الحزب انهار أسرع من حزب البعث في العراق!

7. تحياتي للبوب وتقديري لضميره الوطني، ولكن الضمير ما ينفعش يبني حزب. الأحزاب تؤسس وفقا لأهداف واضحة ولون أيدولوجي محدد، وبرنامج اقتصادي له ميل فكري نحو اليمين أو اليسار. لكن شغل "بالحب اتجمعنا" ممكن يعمل دورة ألعاب أفريقية ناجحة، بس ما يعملش حزب يكسب انتخابات!

Sunday, 19 January 2014

الميدان: لا ينصح بمشاهدته لمن آمنوا بالحلم


"باتفرج على فيلم "الميدان". انا في الدقيقة ١٢. حسيت بنفس فرحة لحظة تنحي مبارك من ٣ سنين. دمعت. وبعدين قعدت أسب وأشتم وألعن في الفشل والخيانة".

دي اللي كتبته على تويتر وأنا باتفرج على فيلم جيهان نجيم "الميدان"، واللي استطاع من خلال مدته وهي ساعة وأربعة وأربعين دقيقة، إنه يقدم إجابة عن سؤال كنت عايز أكتب عنه تدوينة طويلة أو مجموعة تدوينات بعنوان "٣ سنوات بعد يناير.. ٣ سنوات من التخبط والفشل"..

هو في الحقيقة بعد الفيلم ما بقاش فيه داعي لكتابة التدوينة. ومفيش داعي للكتابة عن الفشل أو التخبط. التآمر على التغيير في مصر، من كل القوى، كان أكبر من قدرة الثوار اللي معندهمش أي خبرة. وهما حيجيبوا الخبرة منين طالما اتولدوا في عصر السيد الرئيس الفريزر محمد حسني مبارك؟!

تبقى مجموعة ملاحظات:

١. الفيلم فيه ٣ شخصيات رئيسية. أحمد حسن: ثوري، وفي الشارع على طول. خالد عبد الله: ممثل مصري اتربى وعاش في بريطانيا ورجع مصر لما قامت الثورة في يناير ٢٠١١ ورفض يسيبها وشاف الليلة كلها. مجدي عاشور: من الإخوان المسلمين وشارك في يناير ٢٠١١ ومحمد محمود ورفض يشارك في الاتحادية ولكن شارك في رابعة.
طبعا بيحصل حالة تعاطف لا إرادي مع الشخصيات الرئيسية دي، وبيحصل تعاطف أكبر مع صداقتها.

٢. الفيلم بيصور من أول ما الناس اتجمعت في الميدان في ٢٠١١ وخلعوا مبارك لحد خلع مرسي. نفس الشخصيات بتشوفها على مدار سنتين ونصف. بتشوفها تغيرت في طريقة التفكير. بتشوفها اتغيرت في الملامح. بتشوفها وهي بتكبر. وبتشوفها وهي بتتكسر كل آمالها وبتحبط. وأنت بتشوف كل دة بيحصلك إحباط وبتقوم تشتم وتسب وتلعن في اللي كان السبب.

٣. في حتت من الفيلم أنا كنت في مصر وكنت في نفس الأماكن وفي نفس توقيت تصوير المشاهد دي. أنا فاكر مثلا إن شوفت جيهان نجيم وهي بتصور الناس اللي وقفوا قدام الدبابات اللي بتحرس مقر أمن الدولة في لاظوغلي. وكنت في الميدان لما حصل الفض في مارس ٢٠١١. وطبعا حضرت ما قبل إعلان نتيجة مرسي وما بعدها.. وبعدها سافرت.
كل المشاعر الشخصية المتضاربة من أول يناير ٢٠١١ لحد فوز مرسي ثم خلعه، افتكرتها وأنا باشوف الفيلم. وبرضه قعدت أسب وأشتم وألعن!

٤. أول درس خدته في الجامعة: "الدول التي تمر بمراحل تحول ديمقراطي تمر باضطرابات عنيفة وردات الى الوراء وربما الى الديكتاتورية خلال السنوات العشر الأولى".. وإحنا لسة في السنة التالتة!

ولذلك فعبقرية الفيلم إنه بيوضح للمشاهد أمرين مهمين جدا: أولا: مسار التعلم القاسي والدروس اللي المفروض يكون استفاد منها المصريين خلال مراحل التحول الديمقراطي الطويلة والعنيفة. ثانيا: إن التغيير العميق اللي كان الكل منتظره من ثورة يناير وخلع مبارك، هو عملية مرفوضة من قطاعات في المجتمع ومن جماعات مصالح ومؤسسات، ترى إن التغيير حيغير شكل المعادلة السياسية والاجتماعية الحالية، واللي كانت سائدة على مدى عقود.

٥. أتمنى الرئيس القادم للبلاد، أياً كان اسمه، إنه يشوف الفيلم دة. الفيلم دة فيه تحذير مرعب: طوفان البشر، لا حد بيقدر يوقفه، ولا حد بيقدر يقف قدامه.


Thursday, 16 January 2014

عبد الناصر: الصورة.. المشروع.. وإعادة الانتاج



بمناسبة ذكرى ميلاد عبد الناصر.. فيه مجموعة أسئلة من المهم التوقف عندها..

١. عبد الناصر لم يكن نبيا ولم يكن ملاكاً.. طب ليه الناس لسة فاكراه؟ ليه فيه ناس اتولدت بعد ما مات بعشرة وعشرين سنة، ولسة بتحبه بعنف؟ كمان ليه في ناس اتولدت بعد ما مات بسنوات كتير ولسة بتكرهه بشراسة وكأن الراجل لا يزال يحكم مصر؟؟

٢. ليه أجهزة الإعلام بتحاول إعادة إنتاج عبد الناصر الآن؟

بالنسبة للسؤال الأول فمن الممكن الإجابة عليه بجزء من حوار المذيع الأمريكي الشهير تشارلي روز مع الرئيس السابق مبارك..

تشارلي روز كان عمل خمس حوارات مع مبارك خلال التلاتين سنة اللي حكم فيهم مبارك. وبالتالي نشأت علاقة صداقة بينهم، لدرجة مرة تشارلي روز جاب لقطات مصورة في برنامجه على PBS ومبارك بيعمل له جولة في قصر الاتحادية الرئاسي.. 

بعد وفاة حفيد مبارك، كان فيه إشاعات إن مبارك مش قادر يتحمل الصدمة وإنه أصبح في عالم آخر.. علشان الرئاسة تنفي الرواية دي كلموا تشارلي روز ييجي القاهرة يعمل حوار مع مبارك.. الراجل جاء فعلا وعمل الحوار مع مبارك. كان من اللافت إن مبارك اللي بيتكلم انجليزي بشكل جيد جدا وعمل كل حواراته مع تشارلي روز بالانجليزي، اختار (أو تم الاشارة عليه) بأنه يتكلم بالعربي علشان يتحكم باللي عايز يقوله بشكل محكم. وبالتالي كان تشارلي يسأل بالانجليزي ومبارك يسمعه وبعدين يجاوب بالعربي والمترجم يترجم. معدا في حتة واحدة، مبارك خرج عن شعوره وجاوب بالانجليزي..

لكن السؤال الأهم في الحوار كان من تشارلي روز لما سأله:

Mr. President.. How the Egyptians will remember your legacy ؟

هنا مبارك سأله:

legacy ؟

فتشارلي روز أعاد صياغة السؤال بما معنا: بعد عمر طويل كيف تريد أن يتذكرك المصريون؟

فمبارك جاوب بالعربي: أنا اشتغلت خمسين سنة في العمل العام... وعملت كباري وأنفاق و... و...

وبدا أن مبارك لم يدرك معنى كلمة "إرث".. أو ربما تهرب من فكرة الإجابة عن كلمة "إرث"، تفادياً لاستفزاز المصريين!

نرجع للسؤال الأول وهو: ليه الناس لسة فاكرة عبد الناصر؟

هي الإجابة تتلخص في الإرث الذي تركه عبد الناصر.. فكرة المشروع الاجتماعي والاقتصادي اللي رفع طبقات واسعة من الناس من تحت خط الفقر الى سلم الطبقة الوسطى.

البلد في عهده كلها تقريبا كانت طبقى وسطى. الأغنياء في عصر الملكية نزلوا الى الطبقة الوسطى، والفقراء طلعوا الى الطبقة الوسطى. وبالتالي حصل ضرر لخمسة في المائة من المجتمع (وكان أحيانا يسمى بمجتمع النصف في المائة اللي كانوا بيمتلكوا كل ثروات مصر قبل ١٩٥٢) واستفاد من الحراك الاجتماعي والتوسع في التعليم ٩٥ في المائة..

هو الراجل كانت انحيازاته الطبقية واضحة جدا. رئيس جاي للفقراء. طبعا الأغنياء كرهوه ولا يزالوا.. منطقي.

لكن الراجل قبل ما يبدأ مشروعه الاجتماعي كان عمل مقايضة مع الناس. مفيش حريات ومفيش مشاركة سياسية غير وفق اللي هو يرسم سقفها، وفي المقابل فيه تعليم مجاني جيد وخدمات جيدة ومستوى معيشي معقول للكل. موافقين؟ أيوة موافقين.. طب على بركة الله.

السادات كان ذكي جدا وأدرك إن دولة خدمات عبد الناصر، مصاريفها أكبر من إمكانياته، فقرر يغير المعادلة.. عايزين تتكلموا، اتكلموا.. عايزين مشاركة سياسية... مفيش مانع. بس طبعا بدون المساس "بكبير العيلة" والالتزام "بأخلاق القرية يا همت يا بنتي".. لكن مفيش تعليم أو خدمات.. دة عصر الانفتاح والاستيراد والساعات السويسري والعربيات الألماني.. وفتح مخك يا حلاوة تاكل ملبن!

ومع مبارك.. القصة أعتقد معروفة!

فالناس اللي بترفع صور عبد الناصر دلوقتي هي ببساطة عايزة المعادلة بتاعته.. نسلمك يا حكومة حقنا في المشاركة السياسية مقابل تعليم جيد وخدمات جيدة وشغل محترم لعيالنا وعدالة اجتماعية بدون فلان اللي استولى على أراضي الدولة وفتح قنوات فضائية وعمل فيها ثوري.. أو علان اللي بيغسل أموال وبيتبرع بفلوس لأحزاب كرتونية علشان يبعد عن نفسه الشبهات. أو رجل الأعمال اللي استورد دم فاسد أو صديقه اللي معملش صيانة للعبارات فالناس ماتوا بالآلاف في البحر!

وأجهزة الإعلام التابعة للسلطة والمتربية في أحضان أجهزة الأمن، فاهمة الكلام دة، فبيتم تصدير صور عبد الناصر على اعتبار إن الحاكم القادم لمصر هو عبد الناصر الموعود.. 

لكن الكارثة إن الدولة مش حتقدر تعيد معادلة عبد الناصر تاني لأنها في كلمة واحدة: مفلسة.. والأخطر من الافلاس إن الدولة لا تتمتع بالكفاءة اللي تسمح ليها بتقديم خدمات جيدة أو النهوض بالتعليم أو تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال ضرائب دخل تصاعدية على الأغنياء.

وبالتالي وصلنا لمعادلة: حنجيب لكم عبد الناصر بس بدون مشروعه!

يعني قمع ومصادرة حريات بس مفيش تعليم أو شغل أو عدالة اجتماعية..

هل الفريق السيسي مدرك لهذا الكلام؟ في الحقيقة لا أحد يعلم ذلك سوى الله.. بكرة حانشوف لما يكون سيادته رئيس للجمهورية، أيه هو برنامجه الاقتصادي والاجتماعي..

لكن على العموم من خلال خطاباته وتسريباته وأحلامه، فالفريق السيسي أقرب لروح الرئيس الراحل أنور السادات.. يتمتع بأداء تمثيلي محبب الى النفس في خطاباته. دمه خفيف. عنده بوادر ما عرف عند الرئيس السادات بسياسة "الصدمات العصبية". اتكلم عن الدعم وأشار ليناير ١٩٧٧.. وإن شاء الله حانشوف أيام جميلة في عهده.. ومصر اليوم في عيد.

Wednesday, 15 January 2014

مصر.. مسألة جد معقدة

الرسم للصديق الفنان محمد هاني @mohamedhani

لو أتيح لي كتابة ورقة بحثية عن مصر فمن الممكن أن يكون عنوانها "مصر.. مسألة جد معقدة!".

أولا: هناك طلب شعبي كبير ولا يمكن قياسه حتى كتابة هذا السطور، على أن يكون الفريق عبد الفتاح السيسي رئيسا قادما للجمهورية.

مجرد ترشح السيسي، يعني فوزه بالرئاسة. ومع كل الضمانات الدولية والمحلية وبدون اللجوء لأي ورقة تصويت واحدة مزورة، فإن السيسي سيفوز باكتساح وسيكون رئيسا
ً يحظى بدعم شعبي كبير. لكن هذه ليست المشكلة. إنما المشكلة تبدأ في اليوم التالي لتوليه الرئاسة.

1. هناك كارثة اقتصادية بحجم ثقب أسود عملاق تتجه نحو مصر، ولابد من إجراءات شديدة القسوة كي يتم التعامل معها. دعم الوقود أصبح مستحيلاً، والجهاز الحكومي المتضخم أصبح يمثل عبئاً رهيباً على الدولة ويجب إعادة هيكلته بسرعة. هناك ضرائب دخل يجب فرضها بصرامة، بالإضافة الى معالجة مشكلة الانفجار السكاني المفزعة، وصولاً لمعالجة العادات الغذائية الخاطئة التي جعلت مصر المستهلك الأكبر للقمح في العالم!

2. هناك تحديات مفزعة تواجه الأمن القومي على المدى القريب والبعيد. فهناك مشكلة مائية على الأبواب بسبب سدود أثيوبيا وانفلات الأوضاع الأمنية في جنوب السودان. وهناك دولة فاشلة ذات مساحة عملاقة على الحدود الغربية وهي ليبيا. وهناك التحدي التقليدي المتمثل في إسرائيل. ثم انفلات للأوضاع الأمنية وفقدان لسيطرة الدولة في سيناء.

3. هناك تحديات مرتبطة بالمستقبل وتتعلق تحديداً بنظام التعليم المهترئ وكيفية إعادة النظر فيه بشكل كامل وجذري. لم يعد ممكناً أن تستمر الدولة بهذا النظام ولو لخمس سنوات مقبلة. الفجوة التعليمية والعلمية بيننا وبين شمال البحر المتوسط تزداد بشكل كارثي ومفزع، وهناك نزيف عقول مؤلم ومستمر.

4. هناك ضرورة ملحة لصياغة دور مصر الإقليمي في الفترة المقبلة، خاصةً مع تحول الربيع العربي الى انفجارات وصراعات أهلية أطاحت للأبد بالدول الرئيسية في النظام العربي. العراق وسورية وليبيا خارج النظام الاقليمي لفترة طويلة جداً. السعودية على شفا بركان. تركيا وإيران لا تريدان دوراً مصرياً فاعلاً في المنطقة لاعتقادهما (وهو اعتقاد صحيح) أن ذلك ينافس أدوارهما الإقليمية.

ثانيا: في نفس الوقت الذي يبدو فيه أن هناك طلباً شعبياً كبيراً كي يكون السيسي رئيساً قادماً للجمهورية، تبدو مؤشرات متزايدة على أن هناك أجنحة قوية في النظام لا تريد السيسي رئيساً، وهي أجنحة متحالفة مع رجال أعمال ارتبطوا بنظام الرئيس السابق مبارك، وتخشى أن السيسي رئيساً سيمثل تهديداً لمصالحها الاقتصادية.

ثالثا: هناك رغبة اماراتية عبر عنها محمد بن راشد، وربما رغبة سعودية عبر عنها مقال عبد الرحمن الراشد في الشرق الأوسط (وهو الكاتب المقرب من دوائر صنع القرار في الرياض) ورغبة أمريكية غربية ألا يكون السيسي رئيساً. هناك ما يشي بتوجس إقليمي ما من شخص السيسي كرئيس. وهناك رغبة أمريكية في أن لا يكون وزير الدفاع رئيسا للجمهورية لسببين: 1. حفاظاً على فكرة أن واشنطن لا تدعم الانقلابات العسكرية التي تأتي بوزير دفاع رئيساً للجمهورية. 2. أن السيسي لو جاء كرئيس يحظى بدعم شعبي كاسح، سيرسخ ابتعاد مصر عن التزامات العلاقة الخاصة مع الولايات المتحدة والتي تشهد الآن أضعف مراحلها منذ اتفاقية السلام مع إسرائيل.

هل سيصبح السيسي رئيسا قادما أم لا..؟ الأمر جد معقد ولا يمكن التنبؤ بأي شيء في بلد أصبح فيه حدوث أي شيء ممكناً في أي لحظة!

Monday, 13 January 2014

عاشت جمهورية تشيلي حرة




يعتقد بعض المواطنين التشيليين الصالحين أن جمهورية تشيلي التي تقع غرب أمريكا اللاتينية، استثناء. فلا قوانين السياسة تنطبق عليها ولا قوانين الاقتصاد تصلح لظروفها. ونتيجةً لذلك فإن الديمقراطية قد تكون الخيار الأسوأ لظروف تشيلي الاجتماعية والاقتصادية.

ويفضل أصدقاؤنا من المواطنين التشيليين الصالحين أن يذكروا اسم الجنرال أوغستوا بينوشيه كمثال على أن "البلد عايزة دكر يحسم الأمور ويخلي الناس تاكل عيش وتعيش في أمان". وبالرغم من سجل بينوشيه الأسود في حقوق الإنسان فإن تقاريراً صادرة من مؤسسات مالية أمريكية أشادت بأدائه الاقتصادي في الخصخصة وتطبيق السياسات النيوليبرالية في الاقتصاد والتخلص بسرعة وكفاءة من الإرث الاشتراكي لسياسات الرئيس سلفادور أليندي.

لكن كل هذه الاعتقادات "الوطنية" والتي تريد "مصلحة البلد"، أثبتت خطأها يوم الخامس من أكتوبر عام 1988. ففي هذا اليوم التاريخي المشهود تم إجراء استفتاء على عودة التعددية الديمقراطية إلى تشيلي. إذا كانت نتيجة الاستفتاء "نعم" فإن بينوشيه سيظل رئيساً لثماني سنوات تنتهي عام 1997. أي سيظل الرجل "اللي نعرفه" في الحكم، وهو ما يعني بالتأكيد استمرار "الاستقرار". لكن بينوشيه، وكتنازل منه ومنحة إلى الشعب العظيم، شعب تشيلي البطل، فإنه سيقوم بالدعوة لإجراء انتخابات عامة للبرلمان.

أما إذا قال المواطنون التشيليون "لا"، فإن بنوشيه سيظل رئيساً لعام واحد فقط, ثم يتم إجراء انتخابات مفتوحة على الرئاسة وانتخابات برلمانية حرة، تتنافس فيها الأحزاب، والتي سمح بينوشيه بتشكيلها عام 1987.

وما حدث في هذا اليوم الميمون، وهو الخامس من أكتوبر عام 1988، أن قال 55.99 في المائة من المواطنين التشيليين الذين يرغبون في استعادة حريتهم: لا. فيما قال 44.01 في المائة من المواطنين التشيليين الصالحين الذين يرغبون في استمرار "الاستقرار": نعم.

استمر بينوشيه في الحكم عاماً واحداً، وفي العام التالي، 1989، تم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية، ولم يستطع وزير مالية بينوشيه أن يفوز فيها بأكثر من 30 في المائة من أصوات المواطنين الصالحين، الراغبين في الاستقرار وفي استمرار سياسات الرئيس الجنرال بينوشيه.

واكتشف الشعب التشيلي خلال ذهابه إلى صناديق الاقتراع أن تشيلي ليست استثناءً من قوانين السياسة والتاريخ والجغرافيا. فالناس في تشيلي تريد قدراً معقولاً من العدالة الاجتماعية كما هو متحقق لأقرانهم في القارة الأوروبية. كما أن أغلبية من يعيشون في تشيلي يريدون احترام إرادتهم الحرة في اختيار ومحاسبة الذين يشغلون الوظائف التنفيذية العليا في الدولة.

ومن المدهش أيضاً أن الناس في تشيلي، كما في دول عديدة أخرى، ترفض أن يتم تعذيبها في أقسام الشرطة أو اعتقالها دون توجيه اتهام أو الوقوف أمام قاضيها الطبيعي ضمن إجراءات تضمن العدالة والمساواة, وربما كان من الغريب على بعض التشيليين أن يكتشفوا أن الناس في بلدهم تريد أن تعبر عن آرائها بحرية ودون خوف أو إحساس بالملاحقة الأمنية.

حفظ الله تشيلي جمهورية حرة لجميع مواطنيها، والمجد لمن قال "لا" في وجه من قالوا "نعم".

ملاحظة: بعد تفكير قررت أن أصوت بـ"نعم" في الاستفتاء على الدستور، وأن أدعو الفريق السيسي للترشح لرئاسة الجمهورية، وسأقول "نعم" للسيسي رئيساً، لأن مصر في مرحلة حرجة وتريد قائداً حاسماً، ينهض بالبلاد. ولا تحدثني عن الديمقراطية عندما يتعرض الأمن القومي للخطر، فمصر استثناء!


Sunday, 22 December 2013

على هامش الجنون.. أنت مع مين؟


هناك بعض النقاط التي يجب ذكرها قبل الإجابة على السؤال الذي بات توجيهه لي متكرراً: أنت مع مين؟ معانا ولا معاهم؟

أولاً: أنا لست شخصية عامة أو لدي أوهام الشخصية العامة كي يكون تحديد موقفي من ما يجري مهماً. لكن ما حدث بفضل طوفان شبكات التواصل الاجتماعي أن رأي المهتمين بالشأن العام (من منازلهم) أصبح سريع الوصول لعدد كبير من الناس. وأن من بين هذا العدد الكبير من الناس من هو مهتم بتصنيفك.

ثانياً: هذا السؤال يعكس وجهاً من ضمن أوجه كثيرة، لحالة الاستقطاب الحاد التي يمر بها المجتمع المصري. وهذا منطقي ومتوقع بعد تغيير أربع رؤساء خلال أقل من ثلاث سنوات. رقم قياسي بالنسبة لأي دولة تعصف بها كل هذا القدر من الاضطرابات السياسية والشعبية.

ثالثاً: ما سأقوله ليس دفاعاً عن نفسي وإنما يمكن التعامل معه باعتباره إقراراً مني بالأفكار التي آمنت بها خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي قد تكون محل خلاف بين الناس حالياً. كما أن السطور القادمة، ينطبق عليها كما ينطبق على غيرها، قول الإمام الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

أنا مع مين؟

في الحقيقة أنا لست مع أحد ولن أكون مع أحد بعينه. لأنني قد أقف اليوم مع أناس أعتقد أنهم على صواب، ثم تتغير الظروف فاضطر أن أقف ضدهم. لهذا فقد حسمت أمري مبكراً وقررت أن أقف مع مجموعة بسيطة من المبادئ والأفكار. ووفق هذه المبادئ والأفكار يمكن معرفة موقفي مما يجري.

أولاً: لا أستطيع بحكم جذوري العائلية التي تنتمي الى الطبقة الوسطى والتي ربما (وهذا ما لا أعلمه حالياً) كانت في أزمنة مضت تنتمي الى طبقاتٍ أفقر، أن أقف الى جانب الأثرياء أو النبلاء أو أترحم على العصر الملكي. لم يكن أحداً من عائلتي الكبيرة وزيراً للحقانية أو حاملاً للقب باشا أو نديماً لمولانا الملك أو أميراً من الأسرة العلوية أو نبيلاً من أصول تركية أو شركسية، أو كل هذه الأشياء التي يفتخر بها البعض للتأكيد على عدم انتمائهم لهذا الشعب "من الرعاع". أنا إذن من هؤلاء "الرعاع".

وبالتالي فإن تموضعي الطبيعي سيكون التعاطف دائماً مع الفقراء وغير القادرين على الوصول الى خدمات الصحة والتعليم الجيد بسبب ظروفهم الاقتصادية. وهذا التعاطف الذي ستجده موجوداً في تدويناتي، ليس حباً في الفقر أو تغزلاً في الفقراء، ولا إيماناً بفكر اشتراكي أو يساري، وإنما لأنني كنت سأكون، لولا مقادير الله، أحد هؤلاء الذين حصلوا على تعليم رديء وفشلوا في الحصول على خدمات صحية جيدة، وضاع عمرهم في البحث عن عملٍ كريم، ووصل بهم الحال الى نفس النقطة التي وصل إليها حال الكثيرين من أبناء مصر في أحيائها العشوائية وقراها النائية.

ثانياً: لا أستطيع أن أوافق على القتل أو أهلل له أو أمتدحه، بصرف النظر عن اختلافي أو اتفاقي السياسي مع المقتول.

كنت قد حذرت من وصول الإخوان المسلمين الى الحكم. وكتبت تدوينة شهيرة حملت عنوان "جمهوري إسلامي مصر" قبل الجولة الثانية من الانتخابات، أتخيل فيها حال مصر بعد عشر سنوات، في حال وصول محمد مرسي للحكم. ومن العجيب أنه هلل لهذه التدوينة ونشرها من اتهموني لاحقاً بأنني "إخوان مستتر"..!

وخلال السنة التي حكم فيها الاخوان مصر من خلال دميتهم مرسي، كتبت مجموعة من التدوينات التي حملت انتقاداً قاسياً لهم. بل وفي أكثر من تدوينة تنبأت بتدخل الجيش على النحو الذي حدث بعدها بأشهر. ولم أكن أبشر بهذا التدخل وإنما كنت أعتقد حينها، ولا أزال أحمل نفس الاعتقاد، أن تدخل الجيش لعزل مرسي لن يكون أمراً مثالياً أو جيداً على المسار الديمقراطي، ولكنه ضروري بسبب سياسات الاخوان في معاداة الجميع وما أظهروه من خطر على فكرة الدولة نفسها. كما أن هذا التدخل استدعاه مرسي نفسه عندما تخلى عن دوره كرئيس لكل المصريين وفضل أن يكون رئيساً لفصيلٍ منهم.

لكن عندما حدثت مذبحة فض رابعة، لم أستطع أن أعبر عن فرحتي وسروري في مقتل ستمائة شخص، على الرغم من اختلافي السياسي مع الحشد في رابعة واختلافي مع من دعوا للحشد واختلافي مع أهداف هذا الحشد. وفي تدوينة بعنوان "على هامش الجنون.. الإنكار لا يفيد!" كتبت أن ما حدث مذبحة وأنه لا يمكن الموافقة على قتل الناس.

على الجانب الآخر لم أستطع أن أتخيل أن هناك من يشمت في مقتل ضباط أو جنود في سيناء أو في أي بقعة من أرض مصر، أو القبول بالشماتة في اغتيال ضابط الأمن الوطني محمد مبروك. ولا أزال أشعر بالضيق الشديد من هؤلاء الذين يعتقدون أن القتل سيحقق أهدافهم السياسية أو سيدخلهم الجنة. أو أن الشماتة في الموت ستجعلهم أكثر ثورية من الآخرين!


فمع من أقف؟

بالتأكيد لن أقف مع القاتل ولن أعتبر أن فعل القتل أمرٌ يستحق الاحتفاء به!




ثالثاً: اختر طرفاً من الأطراف التالية، يمكن أن تحسب عليه: النشطاء، من يدعون أنهم يمثلون ثورة يناير، من يدعون أنهم "الفلول اللي مصلحتها على البلد"، الإخوان ومن يناصرون "الشرعية والرئيس المدني المنتخب ونضال رابعة"؟

لست ناشطاً ولم أكن يوماً ناشطاً ثورياً أو سياسياً أو رياضياً. تركت مصر وأنا ابن ثلاث سنوات، ولم أقم بها إقامة دائمة أو مؤقتة منذ عام ١٩٨٣. كنت أزورها على فترات متباعدة. لم أكن من الداعين أو المشاركين في ثورة يناير ٢٠١١ ولم أكن موجوداً حينها في مصر. كما لم أكن من الداعين أو المشاركين في احتجاج ٣٠ يونيو ولم أكن موجوداً حينها في مصر. المرة الأخيرة التي زرت فيها مصر كانت بعيد انتخاب مرسي رئيساً بأيام.

لا تربطني أي علاقات شخصية مع أي رمز ثوري أو ناشط معروف. لم أظهر في أجهزة الإعلام كمتحدث باسم ائتلاف أو حركة أو جبهة، ولم أكن عضواً في ٦ أبريل أو تمرد. كما أنني لم أوقع على استمارة تمرد. لكنني صوتت بـ"لا" على دستور الإخوان وقاطعت الجولة الأولى والثانية من الانتخابات الرئاسية.

أعتقد أنه من الظلم للنشطاء ومن يدعون أنهم يمثلون ثورة يناير ٢٠١١ أن يتم تصنيفي كواحد منهم! فأنا أكسل من أكون ناشطاً في أي شيء سوى في كتابة ما أعتقد أنه صواب!

أما بالنسبة "للفلول اللي مصلحتهم على البلد وبيحترموا اللواء البطل عمر سليمان الله يرحمه والفريق أحمد شفيق"، فموقفي من نظام الرئيس مبارك ورموزه بات معروفاً لدى الجميع. والحمد لله أنني تلقيت ولا أزال نصيبي من "جواهر وتحف" هذا الفريق الوطني المخلص.

وما ينطبق على الفريق السابق ذكره، ينطبق على فريق "الشرعية ومانديلا العرب مرسي". وقد تلقيت منهم أيضاً ما يشي بأن هناك فجوة كبيرة بين سماحة الدين الإسلامي العظيم وبين من يدعون أنهم يمثلونه!

وفي النهاية أعتقد أنه إذا كان لابد من تصنيفي، فإن السطور التي كتبتها سابقاً وأعيدها الآن هي أفضل ما يمكن أن يتم تصنيفي وفقها:

"بالرغم من كل التعقيدات المحيطة بالحالة المصرية لكن الحل يكمن في الاستجابة لثلاث كلمات، هي: الحرية، الكرامة، العدالة. فالناس بصرف النظر عن توجهاتها السياسية أو دعمها لمرسي أو مبارك أو السيسي أو أي شخص، تريد أن تشعر أنها قادرة على التعبير عن آرائها بحرية وأنه لا توجد وصاية عليهم من نظام ديني أو نظام عسكري. الناس أيضاً بصرف النظر عن توجهاتها السياسية تريد أن تشعر بكرامتها الإنسانية سواء في أقسام الشرطة أو المواصلات العامة أو العمل. الناس أيضاً بصرف النظر عن توجهاتها السياسية تريد أن تشعر أن هناك عدالة في المجتمع الذي تعيش فيها فيما يتعلق بقدرتهم على الوصول للخدمات والتعليم والصحة. الناس أيضاً بصرف النظر عن توجهاتها السياسية تريد أن تشعر أن هناك أملاً في مستقبل البلد الذي يعيشون فيه وأنه لا ينبغي عليهم التفكير الدائم في الهجرة من أجل تأمين مستقبل أبنائهم."