Saturday, 23 February 2013

حول أن تقتل مصدراً للمعرفة..



في السنوات الأخيرة من عقد التسعينات بدأت علاقتي مع عالم الأفلام. قبل تلك السنوات، كنت أشاهد الأفلام بشكلٍ متقطع. كما لم أكن متابعاً لأخبار السينما أو مهتماً بالتوجهات الجديدة لمخرجيها وكتابها.

في تلك الفترة أيضاً بدأت أبحث عن مصدر يمكن الاعتماد عليه لمعرفة ما الذي يتوجب عليّ مشاهدته. كنت أحاول أن أصنع لنفسي ثقافة سينمائية تمكنني من أن أحكم على الأفلام الجيدة وأميزها عن الرديئة.

كانت المشكلة التي واجهتني أن الكتابات السائدة عن الأفلام بدت لي شديدة التقعر، كما أنها بدت مرهونة بحسابات شخصية، ولا تقدم محتوى معلوماتي يفيد المستجدين على الدخول الى عالم السينما. حينها قادني البحث المكثف عن مصدر للمعلومات السينمائية الى موقع على الانترنت اسمه "موفيز فور أراب" Movies4arab، كان يشرف عليه شاب سعودي.

كان الموقع مهتماً باستعراض معلومات عن أحدث الأفلام الأمريكية، وتقديم عروض نقدية مبسطة عن الأفلام الأمريكية الشهيرة والكلاسيكية المتاحة للشراء أو الاستئجار في السوق السعودي. تطور الموقع بعد ذلك الى استعراض أفلام لم تكن متوفرة في الأسواق الخليجية، ثم تمدد في اهتماماته ليتناول أفلاماً يابانية وصينية وأوروبية.

لاحقاً تم إنشاء منتدى لمرتادي الموقع وبدأت مواهب نقدية في التفجر. مقالات طويلة وشديدة العمق عن مسيرة مخرجين عظام مثل مارتن سكورسيزي وأكيرا كورساوا وكارلوس ساورا. استعراض لأهم أفلام السينما العالمية، وترجمات محترفة لمقالات النقد السينمائي المنشورة في الصحافة الأمريكية. مبادرات جماعية للكتابة عن أفلام أحد أساطين الإخراج والتعمق في مدرسته السينمائية. وسواء في الموقع أم المنتدى، بدا الشاب السعودي المشرف على هذه التجربة شديد الأدب والثقافة والتواضع.

في السنة الثانية من الألفية الثانية بدأت علاقتي بالسينما تتحول الى الاحتراف. كنت مشرفاً على صفحة سينمائية يومية، ومعداً ومخرجاً لبرنامج إذاعي أسبوعي عن السينما. استمرت حرفة النقد السينمائي تلازمني كمحترف لخمس سنوات بعدها. صرت بعد ذلك هاوياً. أمارس النقد كلما تيسر لي ذلك أو في فقرة سينمائية أسبوعية كنت أقدمها على مدى عامين، قبل أن أحصل على ترقية وأحرم من هذه المتعة.

وخلال كل ما كتبته للصحافة أو أنتجته وأخرجته للإذاعة والتلفزيون في مجال النقد السينمائي، كنت أشعر أنني مدين لهذا الموقع السينمائي بأنه عرفني على عالم السينما بهذه الطريقة الجذابة والسلسة. مدين له بأنه أتاح لي ولكثير من الشباب أن يكتب في السينما وأن يتفاعل مع ما يشاهده من تجارب سينمائية متنوعة. ومدين له بأنه صقل ذائقتنا السينمائية، ونقلنا من مشاهدة الأفلام الأمريكية التجارية الى مشاهدة الأفلام الأمريكية المستقلة وكلاسيكيات السينما العالمية.

في منتصف العقد الأول من الألفية، فوجئ رواد الموقع والمنتدى بخبر مقتضب منشور على الصفحة الرئيسية. "البقاء لله، توفيّ مؤسس وصاحب الموقع". بعد عدة أيام من إظهار الحزن على رحيل هذا الشاب المثقف، قررت أسرته أن تغلق الموقع والمنتدى "كي لا يعذب المرحوم بإذن الله في قبره بسبب الذنوب المترتبة على مشاهدة الأفلام". والمدهش أن الجميع رحب بالقرار!

وبإغلاق الموقع، ضاعت جهود المئات من الشباب على مدى سنوات في تطوير المحتوى المعلوماتي العربي الخاص بالسينما على الانترنت. كما ضاعت الى الأبد مقالات شديدة العمق عن الأفلام والسينما والمخرجين ومدارسهم. لكن الأهم من ذلك أنه تأكد لي أن المبادرات الثقافية العربية مرتبطة بأصحابها، فإن ماتوا، ماتت معهم، وإن "تابوا"، "تابت" معهم!

Thursday, 21 February 2013

للأسف جاي.. الله غالب


بعد عدة ليالٍ متواصلة من العمل، ومحاولات فاشلة للقراءة الأكاديمية، ومشاهدة بضعة أفلام رديئة، قررت أن اتصل بشريف كي نجلس ونذاكر..

تلقى شريف دعوتي للحوار الوطني بترحاب شديد. لكننا بدلاً من أن نذاكر، فعلنا ما كان متوقعاً وبدأنا نقاشاً عميقاً حول السيناريوهات التي تنتظر مصر. وبدأنا في صياغة مجموعة من الخربشات التويترية التي نأمل في أن نطورها لاحقاً الى أوراق أكاديمية، إذا نجحنا في "سنتنا اللي مش فايتة"..!

سأبدأ بتغريدات شريف علاء، باعتباره ضيفاً عزيزاً على مدونتي، ثم تغريداتي.. وربنا يعمل اللي فيه الخير. بقيت فقط عدة ملاحظة: أن السيناريو الذي تقرأونه الآن لا يزال في مرحلة التطوير من قبلنا ولم نتفق بعد على كيفية حدوثها. بمعنى قد يكون عودة الجيش الى السياسة أو فكرة الانقلاب العسكري مرهونة بالشكل الذي ستأخذه. فقد يكون انقلاباً كلاسيكياً، أي دبابات تنتشر في الشوارع وحظر تجول وفرض الأحكام العرفية، أو قد يكون انقلاباً ناعماً كما حدث مع مبارك، أو انقلاباً حداثياً كما جرى في تركيا عام 1997.

والآن الى تغريدات الرفيق شريف..

الإنقلاب العسكري قادم لا شك. هذا توقع وليس تمني

الدولة المصرية تنهار وستسقط تماماً في غضون أشهر، الجيش المؤسسة الوحيدة القادرة على ضبط الأمن وتوفير الإحتياجات الضرورية للمواطنين

قد يكون انقلاب ناعم غير مباشر، وقد يكون انقلاب عسكري واضح. ولكن أتوقع أن نعود لنقطة مجلس عسكري حاكم لفترة انتقالية.

سيتدخل الجيش وسط تأييد من الناس، تأييد من أنصار الجيش المؤمنين به وتأييد من معارضي الجيش الذين يؤمنون "أنه قضى أخف من قضا".

نزول الجيش سيكون في أجواء مضطربة تماماً بحيث يستحيل أن يقف الناس ضده. انهيار اقتصادي وفشل للدولة وأحداث عنف

أتصور أن يدعو وقتها الجيش جميع القوى الوطنية لحوار أكثر جدية. وسيشارك الجميع (دون استثناء) مما سيضعف أي ضغط في الشارع

تدخل الجيش هذه المرة سيكون أكثر حكمة وعقلانية. أمريكا منذ عامين كانت واضحة: تسليم السلطة للمدنيين شرط استمرار المعونة.

سيبدأ هذا التدخل أو الإنقلاب الناعم عن طريق توفير الجيش لبعض احتياجات المواطنين كنوع من "جس النبض". هذا الأمر سيزيد من شرعيته وشعبيته

الجيش سيأتي بحزمة من الإصلاحات السريعة تصب في العدالة الإجتماعية مما سيخلق فجوة شديدة الإتساع بين البسطاء والنخبة "الديمقراطية"

تغريدات العبد الفقير لله..

اللي فاكرين أن مفيش انقلاب جاي يبقى عايشين في البهامز! الاقتصاد تخطى الحدود اللي ممكن نلحقه فيه، والناس مش حتلاقي تاكل حرفيا. دي خلطة انقلاب!

اللي ممكن نتناقش فيه هو شكل الانقلاب ورد فعل الاخوان عليه، ورد فعل الناس في الشارع. ممكن كمان نبدأ نفكر في مكان مرسي. السجن أم طاولة الحوار؟

الجيش مش زي قطاع الصحة أو التعليم. دة مؤسسة عندها قدرة على حشد الناس لصفها عبر التصريحات اللي بيرموها في كل مكان واختراقهم لوسائل الإعلام!

أطراف اللعبة بترتيب الأقوى ثم الأقل قوة: الشعب، الجيش، الاخوان، السلفيين، أمريكا، القوى السياسية. الجيش مستني الناس تنزل، فينزل ونعيد الماتش

الجيش نازل مش علشان عيون الناس ولكن علشان يحافظ على آخر حتة ملصمة القطعة اللي اسمها الدولة المصرية، واللي تفسخت لدرجة إن بورسعيد شبه استقلت!

المدهش إن مع أول دبابة تنزل الشارع، حنلاقي الشيخ محمد حسان على التلفزيون المصري بيتكلم عن خير أجناد الأرض، والبرهامي قاعد مع السيسي يبارك له

يعني الجيش حيتحرك لما الناس تنزل الشارع، والسلفيين حيبيعوا الاخوان في لمح البصر والبرادعي وحمدين حياخدوا عمو السيسي بالحضن وأمريكا تراقب بحذر

الجيش أتبع مع الشعب مقولة: إذا أردت شيئا بشدة، فاتركه (يروح للاخوان) وهو حيرجعلك تاني! غباء الاخوان دمر لحظة كنا ممكن نطور فيها شكل حكم مدني

قبل نتيجة الانتخابات كتبت وقولت وأرجعوا للمدونة؛ مرشح الجيش هو مرسي! مرسي دة راجل عظيم! جدد للجيش علاقته بالناس لخمسين سنة كمان بفضل غبائه!

فيه ٣ حوارات عملهم رئيس الأركان في رويترز وسكاي والعربية. اللي ما شافهمش، طبيعي يفتكر إن عودة الجيش عاملة زي انقلاب عسكري في برلين!

Tuesday, 19 February 2013

مشاهدات شخصية من داخل المحفل الأعظم للماسونية


المحفل الأعظم لانجلترا - الصورة من المجموعة الخاصة بأحمد زكي
١

قبل بضع سنين، وبينما أنا أرى هذا الاستشاري المرموق للمرة الأولى، صافحني بطريقة غريبة. بعد عدة أسئلة، عرفني عن نفسه. طبيب من أصل مصري هاجر إلى بريطانيا منذ ثلاثة عقود. لاحظت علامة الماسونية محفورة بشكل بارز على قلمه الحبر الفضي. نفس العلامة الشهيرة موجودة على خاتمه. أدركت أن الرجل من "الماسونيين الأحرار"، كما يلقبون أنفسهم.

رأيت هذا الطبيب عدة مرات بعدها، لكننا لم نتصافح في أيٍ منها. قبل هذه الواقعة بسنوات كنت قد قرأت حواراً مع الممثل الراحل كمال الشناوي وهو يحكي قصة انضمامه إلى الحركة الماسونية في مصر. حكى أنه قيل له إن الماسونيين سوف يفتحون له أبواباً من الشهرة والمجد لن تفتح لغيره. حكى أيضاً أن الماسونيين لهم طريقة ما في المصافحة بحيث يستطيعون التعرف على بعضهم البعض. أرفق مع الحوار صورة لكمال الشناوي وهو يقسم على كتاب موضوع على طاولة وخلفها كرسي يجلس عليه العضو الأهم في المحفل. وفي الصورة يظهر إلى جانب كمال الشناوي، الممثل الراحل زكي طليمات.

وهناك من كتب أن من أبرز من انضموا إلى الحركة الماسونية المصرية من الفنانين كمال الشناوي وزكي طليمات ويوسف وهبي ومحمود المليجي. بينما أبرز من انضم إليها من الشخصيات السياسية كان سعد باشا زغلول ومصطفى باشا النحاس وأحمد ماهر باشا ومحمود باشا النقراشي وبطرس غالي باشا وإدريس بك راغب، مؤسس النادي الأهلي. ومن أمراء الأسرة العلوية، ولي العهد الأمير محمد علي "الصغير"، والأمير عمر طوسون، وقبلهم الخديوي توفيق. أما أكثر الشخصيات إثارة للجدل في الانضمام فهم المفكر الإسلامي جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده، والمرشد الثاني لجماعة الإخوان المسلمين المستشار حسن الهضيبي، والمفكر الإسلامي سيد قطب، والذي كتب افتتاحية مجلة المحفل الماسوني "التاج المصري" لعدة سنوات. وقد كتب عن عضوية الهضيبي الشيخ محمد الغزالي في كتابه "ملامح الحق"، وقيل أن هذه العضوية كانت من أسباب تركه الجماعة.


أما عربياً فقد قيل أن ملكاً عربياً راحلاً من الأشراف كان من بين الأعضاء البارزين في الحركة الماسونية. وكتب عن انضمام ساسة عرب إلى الماسونية، من بينهم سياسي ودبلوماسي معروف بجسوره المتينة مع دوائر صنع القرار في واشنطن وتل أبيب.

وتعتبر مصر أول دولة عربية تعرف الماسونية، حيث دخلت إليها عام ١٧٩٨ مع الحملة الفرنسية، وتم حظر نشاطها رسمياً عام ١٩٦٤، وذلك عندما رفض المحفل الأعظم تقديم تقرير بنشاطه إلى الحكومة المصرية. وكتب المفكر الإسلامي محمد عمارة عن ارتباط نوادي الليونز والروتاري الاجتماعية بالحركة الماسونية، وأنها سمح لها بالعودة لممارسة نشاطها في ثمانينات القرن الماضي فقط.

٢

باقي على المحاضرة أكثر من ثلاث ساعات. ماذا نفعل إذن في هذه الساعات الثلاث؟ كان هذا هو السؤال الذي يراودنا أنا وصديقاي اللذان يدرسان معي في الجامعة التي تقع في قلب لندن، وتحديداً في منطقة ألدويتش. بما أننا الثلاثة من مصر، فقد قررنا أن نتسكع في الأحياء القريبة ونأكل فلافل في مطعمٍ صغير يقع على أطراف الشوارع المتفرعة من ساحة كوڤنت جاردن.

في طريق العودة وجدنا أنفسنا أمام مبنى مهيب وهو مبنى المحفل الأعظم للماسونيين الأحرار في انجلترا. كل أبوابه الكبيرة مغلقة. فقط باب صغير جانبي مفتوح. من باب الفضول دخلنا. حارس يرتدي بدلة حمراء أوقفنا. "ماذا تريدون؟". ارتبكنا. قال له صديقي: نبحث عن المكتبة. أجاب: خذوا إذن هذه الشارات المخصصة للزوار واصعدوا إلى الطابق الثاني حيث المكتبة والمتحف. لم نصدق أنفسنا. إذن هناك ما يمكن زيارته في هذا المحفل المهيب.


صعدنا إلى الطابق الأول ومشينا في ممرات طويلة مليئة بالأبواب المغلقة. الرموز الماسونية مزخرفة بكثافة في السقف ولكنها غير موجودة على الجدران. وصلنا إلى المكتبة. طلب مننا موظف يقف على بوابتها أن نسلم له حقائبنا. نظر إلينا بسخرية وابتسم.

المكتبة ليست كبيرة وهي مليئة بالكتب والصور التي تتحدث عن أبرز الشخصيات الماسونية في التاريخ البريطاني الحديث والقديم. رياضيون وفنانون وأمراء وسياسيون وعلماء. لم نر من بينهم صعاليك. فالماسونية ليست جماعة شعبية تسعى لنشر رسالتها، وإنما جماعة انتقائية تسعى لضم النابهين فقط. وهي لا تعترف بعضوية النساء. فقط الرجال!

بعد المكتبة دلفنا إلى المتحف. قاعاته أكبر قليلاً من قاعات المكتبة. في المدخل طاولة عليها كتاب الماسونية المقدس وهو مفتوح. وخلف الطاولة كرسي محفور عليه علامات الماسونية. والى جانب الكتاب أدوات عليها إشارات الماسونية ومن بينها مطرقة تشبه مطرقة القاضي. قرأت بضعة سطور من الكتاب. كانت تتحدث عن الملك سليمان. إلى جانب البطاقة التعريفية بهذه الطاولة علامة عليها كاميرا وإشارة إكس فوقها. ممنوع التصوير إذن!

المتحف، بالرغم من حجمه الصغير نسبياً، مليء بالملابس الخاصة التي يرتديها أصحاب الرتب المختلفة في الحركة الماسونية عندما يكونون داخل اجتماعٍ رسمي للمحفل. إلى جانب قطع القماش الموشاة بخيوط ذهبية وفضية عليها رموز تمزج شمساً مضيئة مع عين وهرم ونجمة داوود، توجد العديد من الصور المختلفة التي تظهر شخصيات تاريخية وهي ترتدي تلك الملابس خلال طقوس المحفل.


المدهش هو الكم الكبير من الرموز الدينية اليهودية الموجودة على الأواني والشمعدانات والسيوف والخناجر الفضية الموجودة في المتحف. هناك أيضاً كلمات مكتوبة بالعبرية على الكؤوس الفضية التي يشرب منها أعضاء الحركة خلال طقوسهم داخل المحفل. كما يوجد أيضا "الشوفار" المستخدم في الطقوس الدينية اليهودية ولكن منقوش عليه رموز ماسونية. و"الشوفار أو (شوفاروت) هو أحد الأدوات الطقسية التي يحتفظ بها في الكنيس. وهو قرن كبش، يُنفخ فيه في صلاة الصباح أثناء الشهر الذي يسبق عيد رأس السنة العبرية (روش هشانا) وفي يوم العيد نفسه، وفي يوم الغفران (يوم كيبور)."

بعد جولة استمرت خمسة وأربعين دقيقة قررنا الخروج من المحفل. أثناء الخروج أخذت سبع نشرات تعريفية عن الحركة الماسونية بشكل عام، وعن نشاطاتها في المملكة المتحدة بشكل خاص.

على باب المحفل وجدنا ثلاثة من أعضاء المحفل وهم يتصافحون بنفس الطريقة التي صافحني بها الاستشاري قبل عدة سنوات، وربما بنفس الطريقة التي كان يصافح بها كمال الشناوي أصدقاؤه الماسونيين الأحرار حول العالم!

فور الخروج من أجواء المحفل المريبة والقاتمة، فاتحت صديقاي، من باب السخرية، عن نيتي الاستفسار عن الانضمام إلى الحركة الماسونية في بريطانيا. كان رد صديقي بأن الانضمام إلى جماعة الإخوان سيكون أفضل لمستقبلي! وافقته الرأي. فالجماعة السرية وصلت إلى الحكم في بلدين عربيين بينما لم تصل الماسونية إلى الحكم بعد. قال لنا صديقنا الثالث إن الرئيس الأمريكي جيرالد فورد كان ماسونياً. أجبته: ولكنه لم يحاول "مسونة" الدولة!

محفل القاهرة خلال عهد الملك فاروق الأول
٣

في المساء فتحت النشرات التعريفية ووجدت أن هناك أكثر من ثلاثمئة وثلاثين ألف ماسوني في انجلترا وحدها. وتؤكد الجماعة في هذه النشرات على أنها "تدعو إلى فعل الخير وحب الأوطان والولاء إلى أنظمتها وهي تشجع أعضائها على إعلان عضويتهما للحركة الماسونية ولا توجد بها أي سرية ولكنها تفضل أن لا تطلع العامة على اجتماعات أعضائها". لكن أهم ما تؤكد عليه هذه الجماعة هو "رفضها للإلحاد وحرصها على أن يؤمن أعضائها بوجود إله والذي تسميه "المهندس الأعظم"، ورفضها لأي جماعة تدعي أنها ماسونية ولا تعترف بوجود إله. وهي ترفض الرموز الدينية وتساوي بين جميع الأديان، وتحرص على أن ينتمي إليها أناس من مختلف الديانات، على ألا يتناقشوا في الدين تحت سقف المحفل".

كما أن الجماعة "تقول لأعضائها إن الأولوية هي لواجبات الأعضاء الدينية والاجتماعية والوطنية ثم لواجبات المحفل". وترفض الجماعة "التدخل في السياسات العامة للدولة أو أن يكون لها أي ارتباط سياسي حتى حين تقوم بمهمات إغاثية في أفريقيا وآسيا. وهي ترفض التبرعات أيضاً وتعتمد في تمويلها على اشتراكات الأعضاء في محافلها البالغ عددها ٨٦٤٤ محفلاً تابعاً للمحفل الأعظم في انجلترا". وتذكر الجماعة أن هناك نحو خمسة ملايين ماسوني في العالم. وأن كل محافل الماسونية في العالم لها جذور تعود إلى محافل ماسونية أقيمت على الجزر البريطانية.

مطبوعات تعريفية بالماسونية من المحفل - الصورة من المجموعة الخاصة بأحمد زكي
وتقول الجماعة "إنها ألغت كل العقوبات البدنية التي يمكن أن يتم تنفيذها على أعضائها إذا خالفوا تعاليم المحفل، وجرى ذلك عام ١٩٨٦. وأن هذه العقوبات كانت للتعذير فقط وتعود إلى الطقوس الماسونية التي تم الاتفاق عليها بين ١٦٠٠ و١٧٠٠ ميلادية". لكنها تعترف أن على الأعضاء أن "يؤدوا قسم السرية بحيث لا يتحدثون عن الطقوس التي يقومون بتأديتها داخل اجتماعاتهم في المحفل، وأن هذا القسم يحثهم أيضاً على أن يساعدوا بعضهم البعض، على ألا تتعارض تلك المساعدة مع واجباتهم الاجتماعية والدينية والوطنية".

وتقول النشرات التعريفية إن "الكتاب الذي يؤدي عليه العضو الجديد قسم السرية هو الإنجيل، ولكن إذا كان من ديانة أخرى، فيمكن أن يؤدي القسم على كتاب ديانته المقدس". هل كان القرآن الكريم إذن هو ما يقسم عليه أعضاء المحفل الماسوني في مصر قبل حظر نشاطه في الستينات؟ الإجابة يعلمها بالتأكيد أعضاء هذا المحفل الذين لا يزال بعضهم على قيد الحياة.

ما قرأته عن الماسونية من مصادرها المسموح للعامة بالإطلاع عليها، لم يزد هذه الجماعة إلا غموضاً. تماماً مثل جماعة أخرى سرية تدعي أنها تعمل من أجل صالح الدين والوطن، ولكن لا أحد يعلم عن أهدافها الحقيقية شيئاً. الى جانب البناء التنظيمي المتطابق من الداخل، فإن المشترك الأبرز بين الجماعتين أنهما يسعيان إلى "أستاذية العالم"..!


Thursday, 14 February 2013

في العام الذي قتلنا فيه بائع البطاطا



كان عاماً مجيداً.. ففي مثل هذا العام خرج علينا رئيس الوزراء الذي يحمل شهادة دكتوراه مرموقة من جامعة أمريكية عريقة، وهو يحاضر عن نظافة الثدي وأثر ذلك على صحة الطفل الرضيع! تحدث أيضاً عن مجموعة من الأشياء غير المترابطة والتي كان من بينها: عدم قيام المواطن المسحول بدفع فاتورة الكهرباء، والمآسي التي تحفل بها قرى مصر، واغتصاب السيدات في الحقول بينما الرجال في المساجد وقنوات الصرف الصحي التي لم تدخل القرى والمواطن المسحول الذي لم يدفع فاتورة الماء أيضاً..!

لكن ظلت مقولته الشهيرة عن نظافة الثدي هي العنوان الأبرز في حديثه للأمة. وهو ما يفسر لماذا ظل هذا الكوبليه، من أغنية "هاليومين" لزياد الرحباني، يتردد في عقلي لفترة طويلة: "عم بيقولوا ما في نيدو بهاليومين.. إمك صار عندا بزيّن".

في مثل هذا العام أيضاً عينوا نجل الرئيس النابه، والذي تخرج في العام الذي سبقه، عينوه في وظيفة بأجرٍ كبير. وقد صرح وزير الطيران بأن هذا الشاب تفوق على جميع المتقدمين للوظيفة في اللغة الانجليزية وعلوم الحاسب الآلي. ويبدو أنني لم أجد في هذا الخبر ما يثير غضبي. صحيح أن نصف شباب هذا البلد لا يجدون عملاً، لكن الرئيس لا يقبل الظلم ولن يسمح بالتأكيد لنجله بأن يأخذ فرصة غيره من أبناء الوطن. فالرئيس لا ينام قبل أن تبتل وسادته بدموعه، من فرط خوفه من الله.

وفي مثل هذا العام العظيم أيضاً خرج أركان النظام السابق من السجن. فبلدُ الرئيس المؤمن لا يُظلم فيها أحد. صحيح أنه أتى بشرعية ثورة أطاحت بالنظام السابق، ولكن العدل أعمى، ورئيسنا لا يريد أن يقف أمام الله وفي سجونه مظلوم! ولا يجب أن يلتفت أبناء شعبنا العظيم للإشاعات التي تتحدث عن اعتقال أطفال أو اغتصاب شباب في سجون الرئيس.. فكل هذه افتراءات وأكاذيب نسجها أعداء الدين والوطن والمقطم!

وفي مثل هذا العام أيضاً ذهب الرئيس إلى بلاد الرايخ الثالث من أجل نشر الدعوة. صحيح أنه ترك البلد وهي مشتعلة، ولكنه لم يهتم. فالمؤمن لا يخاف ولا يهاب شيئاً. والمؤمن مصاب. ورئيسنا قابضٌ على كرسيه، كالقابض على الجمر. لأن الكرسي أمانة سيسأل عنها أمام الواحد القهار.

لكن ما جعل هذا العام مجيداً أنه شهد مقتل طفل يبيع البطاطا. رصاصةٌ في الرأس ورصاصةٌ في القلب وجسد مسجى، لا يغطيه سوى قطعتي ملابس مهترئتين.

قيل أن الشرطة هي التي قتلت هذا الطفل. وقيل أنه الجيش. ثم خرج علينا فريقٌ من الناس بقولٍ ثالث: لقد قتلته الشرطة ولكن الجيش قرر أن يتحمل المسؤولية، منعاً لتدهور العلاقة بين الشرطة والشعب! جمهورية العواطف تقتل طفلاً وتبحث عن القاتل النبيل الذي حافظ عليها..!

إذن من هو القاتل؟

بعد التحقيقات المكثفة التي أجروها، توصلوا إلى أن الرجل الذي استهزأ ببائع البطاطا عندما اقترب منه ليعرض عليه بضاعته، هو الذي قتله. كما توصلوا إلى أن الرصاصة الثانية انطلقت عندما لم يهتم من رأوا بائع البطاطا في الشارع على مدار سنوات، بسؤاله عن تعليمه. وأفادت التحريات أن الرصاصة التي اخترقت الجمجمة الصغيرة لبائع البطاطا، أطلقت في اللحظة التي اعتقد فيها الناس أن طفلاً يبيع البطاطا الحلوة سوف يجذب السياحة! ووفق ما ذكر في تقرير المشرحة، فإن الرصاصة التي اخترقت القلب الصغير لهذا البائع المتجول، شقت طريقها إلى جسده النحيل عندما أدركت أن المجتمع لا يبالي بأن يعمل أطفال الفقراء خدماً لدى الأغنياء الذين يحبون طعم البطاطا المشوية!

لكن جيشنا الباسل قرر أن يفدي الشرطة، والرئيس، والشعب، والسيدة المتعجرفة التي تقطن بالطابق السادس من العمارة التي كان يبيع في شارعها هذا الطفل البطاطا.. قرر أن يفدي كل هؤلاء ويعترف بمسؤوليته عن مقتل بائعٍ مجهول للبطاطا..

إذن، لماذا كان هذا العام عظيماً؟ لأنه العام الذي قتلنا فيه بائع البطاطا..


Wednesday, 13 February 2013

بوليس انجلترا: من واجبنا أن نحميك ومن حقك أن تعلم


1

أحياناً تكون الأرقام أكثر صدقاً في إيضاح الحقائق من الاسترسال في الوصف. مثلاً عند الحديث عن دور الشرطة في المجتمع البريطاني كجهاز خدمي، وليس كأداة قمع سياسية كما هو حادث في عالمنا العربي السعيد، لا بد أن نتوقف عند كيفية تعامل الشرطة البريطانية مع الاضطرابات الأمنية الكبرى.

بالطبع سيتداعى الى الذاكرة المشاهد التلفزيونية التي شاهدها الناس حول العالم لعمليات السرقة والنهب التي وقعت في لندن ومدن إنجليزية عدة خلال أغسطس 2011، وعرفت باسم "شغب لندن".

هنا تبدو دلالة الأرقام. فعدد من قتلوا خلال حوادث الشغب التي اندلعت بين السادس والعاشر من أغسطس هم خمسة أشخاص فقط. وجميعهم قتلوا خلال حوادث السرقة والنهب وليس خلال تعامل الشرطة مع جموع المشاركين في أعمال الشغب.

أما عدد الجرحى من الجمهور فبلغ ستة عشر شخصاً، في مقابل مئة وستة وثمانين شرطياً، وخمسة كلاب بوليسية. أي أن أعداد الجرحى من رجال الشرطة فاق أعداد الجرحى من الجمهور، والسبب هو قواعد الاشتباك التي اتبعتها قوات الشرطة خلال تلك الأحداث.

فقوات الشرطة وجدت أن أغلبية المشاركين في أعمال الشغب هم من المراهقين المسلحين بالهراوات، لذا فغالبية رجال الشرطة الذين نزلوا الى الشوارع لاستعادة الأمن كانوا مجهزين للتعامل مع أعمال شغب ولم يستخدموا الخرطوش أو الغاز المسيل للدموع أو الرصاص الحي، بل ولم يتدخلوا خلال عمليات النهب التي كانت تتم أمامهم وذلك خوفا من الاحتكاك العنيف مع المشاركين في أعمال الشغب، واكتفوا بصنع حاجز من أجل العمل على منع امتداد أعمال الشغب الى مناطق أخرى.

أما جهاز شرطة العاصمة أو ما يعرف باسم "متروبوليتان بوليس" فقد استخدم شبكة الكاميرات المهولة التي تنتشر في كل شارع وحي في العاصمة البريطانية من أجل التعرف على المشاركين في أعمال الشغب، والقبض عليهم بعد الانتهاء من السيطرة على الحشود المشاركة في الشغب.

وكي ندرك دلالة هذه الأرقام أكثر، لابد أن نعي حجم أعمال الشغب. فخلال خمسة أيام بلغ عدد جرائم السرقة والنهب التي وقعت ثلاثة آلاف وأربعمائة وثلاثة وأربعين جريمة. وعدد من قبض عليهم بلغ ثلاثة آلاف ومئة شخص، تم توجيه الاتهام إلى نحو ألف فقط، أما الخسائر فتجاوزت المئتي مليون جنيه استرليني.

أتذكر أنني في ليلة الثامن من أغسطس، وتحديدا بين الساعة الحادية عشر ليلاً ومنتصف الليل، كنت في الطريق من بيتي الذي يقع في جنوب شرق لندن الى العمل الذي يقع في وسط العاصمة. وشاهدت مشاهد دمار مروعة في الأحياء الشرقية من العاصمة والتي تعاني من مشاكل في التنمية والعلاقة بين المجتمعات المحلية وجهاز الشرطة ونسبة فقر مرتفعة. بالطبع ينبغي هنا أن أشير الى أن المعايير البريطانية لهذه المشاكل تختلف كلية عن المعايير المصرية، وربما قد يعتبر أغلب المصريون أنها معايير تستحق أن نسعى للوصول إليها في مصر!

في تلك الليلة شاهدت كيف يتعامل أفراد الشرطة البريطانية باحترافية شديدة مع أعمال الشغب الواسعة التي اجتاحت العاصمة ومدن إنجليزية أخرى. وكنت أقارن ذلك مع ما قرأته من تعامل قوات الجيش التي نزلت الى شوارع المدن المصرية لتطبيق حظر التجول في أعقاب أحداث الثامن عشر والتاسع عشر من يناير عام 1977، عندما قتل خلال يوم واحد من تطبيق الحظر أكثر من سبعين شخصاً.

بالطبع كنت أقارن بين ما أراه في لندن وبين ما اختبرته بنفسي خلال فض مظاهرة في ميدان التحرير قبل ذلك بأيام قليلة، حيث مشاهد إمطار الميدان بكميات هائلة من القنابل المسيلة للدموع، لتفريق بضع مئات من المتظاهرين. أو تلك المشاهد السينمائية لعشرات شاحنات جنود الأمن المركزي وهي تتمركز في الشوارع المؤدية الى ميدان التحرير استعدادا للهجوم على الميدان بعد الانتهاء من الموجة الأولى من قنابل الغاز. إنها مشاهد، عندما تتأمل فيها، تجد أن ورائها عقلية تفكر بطريقة حربية للقضاء على العدو، وليست عقلية بوليسية احترافية تسعى للسيطرة على الحشود ومنع تطور الموقف لاشتباكات عنيفة قد تؤدي الى جرحى أو قتلى.

من المدهش هو كيفية تعامل جهاز الشرطة البريطانية مع تداعيات الحدث الجلل الذي اجتاح العاصمة. أولى هذه الخطوات تمثل في إنشاء وحدة من المحققين، ينتمون الى عدة أجهزة تحقيق مختلفة، من أجل التوصل الى معرفة الأحداث التي أدت الى عمليات الشغب. ثم جرى حوار عميق في أجهزة الإعلام والصحافة ووصل الى الأروقة الأكاديمية لبحث الأسباب التي دفعت بحشود من المراهقين لارتكاب أعمال الشغب العنيفة تلك، ووجدوا أن من بين الأسباب هو تسلل ثقافة العنف الى جيل من المراهقين البريطانين عبر ألعاب الفيديو والأفلام، بالاضافة الى أسباب أخرى تتعلق بالتعليم وجودته وإدماج المراهقين في الخدمة العامة.

ومن بين ما علمه الجمهور بعد انتهاء أعمال الشغب أن قوات الشرطة البريطانية تم تجهيزها برصاص بلاستيكي خلال الأحداث، لكنها لم تطلق رصاصة واحدة، حتى ولو في الهواء! بل أن أحد قادة جهاز شرطة العاصمة قال في تصريح صحفي إن قوات الشرطة فكرت في استخدام الرصاص المطاطي عندما تفاقمت الأحداث، لكن ذلك لم يحدث أيضا.

2

خلال سنوات إقامتي وعملي في العاصمة البريطانية، تم تكليفي بتغطية أكثر من مظاهرة سياسية تعارض الحكومة. في كل هذه المظاهرات كان هناك تنظيم دقيق من قبل قوات الشرطة في كيفية توجيه الحشود وكيفية منع أي أحداث قد تؤدي الى أعمال عنف أو شغب. بل وتأمين المظاهرة من المتربصين بها من التيار السياسي الآخر بالاضافة الى تأمين المشاركين فيها من أي جرائم قد تتم بين المتظاهرين. ومن يزور العاصمة البريطانية سيجد عددا من الخيام المنصوبة أمام مجلس العموم البريطاني في ميدان البرلمان والتي مضى على نصبها سنوات، ولم يجري التعرض لها من قبل قوات الشرطة بالرغم من أنها لا تضفي أي "بعد جمالي" للميدان، ولكنها تؤكد على قيمة أساسية من قيم الديمقراطية البريطانية وهي حق الاعتصام السلمي.

وربما التظاهرة الحاشدة التي جرت ضد قرار الحرب على العراق في الخامس عشر من فبراير عام 2003 هي مثال على طريقة تعامل الشرطة البريطانية مع هذه الفعاليات الضخمة. فقد قدر عدد المتظاهرين خلال ذلك اليوم بأكثر من مليون شخص، تجمعوا في حديقة هايد بارك، وساروا في مسيرات أدت الى شلل كامل في بعض الشوارع الرئيسية لوسط العاصمة البريطانية، وانتهى اليوم دون إصابة شخص واحد!

3

من المعروف أن رجال الشرطة البريطانية لا يحملون أي أسلحة نارية، وإنما يتعاملون مع أعمال العنف عبر استخدام الهراوات وعبوات الإسبراي وبعض مسدسات الصدمات الكهربائية. وفي حال مواجهتهم موقفاً يتم فيه استخدام أسلحة نارية، فإنه يجري استدعاء وحدات خاصة داخل الشرطة البريطانية تحمل أسلحة نارية نصف أوتوماتيكية. وقد جرى نقاش عريض داخل المجتمع حول مسألة تسليح رجال الشرطة بأسلحة نارية كما هو حادث في الولايات المتحدة ودول أوروبية أخرى، وكان الرفض هو النتيجة، وذلك لأن الدراسات أثبتت أن انتشار رجال الشرطة المسلحين في المجتمع سيؤدي الى رفع مستوى تسليح رجال العصابات.

ولا تضم قوات الشرطة البريطانية، رجال شرطة محترفين فقط، بل أن هناك رجال شرطة متطوعون يحملون اسم "ضابط شرطة دعم المجتمع"، وهم متطوعون من أفراد المجتمع ويقومون بأعمال الحفاظ على الأمن العام في الشوارع، الى جانب رجال الشرطة المحترفين. ويتلقون تدريبات على أعمال الشرطة وتنظيم المرور وحفظ الأمن وتحرير المخالفات، ويتلقون رواتب. لكنهم ليسوا متفرغين للأعمال الشرطية، بل أنهم يستطيعون الجمع بين هذا العمل التطوعي وعمل آخر، حيث المطلوب منهم إعطاء 16 ساعة فقط من وقتهم للعمل الشرطي كل شهر. والهدف من وجودهم هو إيجاد وسيلة كي يساهم فيها المجتمع بالمشاركة في أعمال حفظ النظام العام، بالاضافة الى تخفيف الأعباء على رجال الشرطة المحترفين من أجل التفرغ للتعامل مع الجرائم الأكثر خطورة. وعادة ما يستخدم رجال شرطة دعم المجتمع الدراجات كوسيلة تنقل بين الأحياء المكلفين بحمايتها.

4

الشيء الذي قد يبدو أكثر إثارة للتأمل من كيفية تعامل الشرطة مع الاضطرابات الأمنية، هو كيفية اختيار قادة أجهزة الشرطة (يعرفون باسم مفوضي الشرطة) في انجلترا وويلز. فكل قادة قوات الشرطة (فيما عدا قائدي شرطة لندن الكبرى) يجري انتخابهم من قبل ضباط الشرطة في المناطق التي يتولون مسؤولية أمنها. أما لندن الكبرى فإن قائدي الشرطة المسؤولين عن أمنها، يجري تعيينهما في منصبهما من قبل الملكة بعد توصية من وزير الداخلية وموافقة عمدة لندن، وذلك لأن هذا المنصب خاضع للمحاسبة من قبل سكان العاصمة، الذين يمثلهم العمدة المنتخب.

ويجري الإعلان عن هذه الوظيفة داخل جهاز الشرطة، ومن يجد في نفسه الكفاءة والرغبة، يمكن له التقدم وطرح اسمه. والشرط الرئيسي هو أن يكون المتقدم لهذه الوظيفة من المواطنين البريطانيين، وهو شرط من المرتقب التخلي عنه هذا العام. وقد حدث أن رئيس الوزراء البريطاني دافيد كاميرون فكر ذات مرة في أن يكون قائد شرطة العاصمة هو القائد السابق لجهاز الشرطة في لوس أنجليس. لكن وزارة الداخلية اعترضت. وقد تبدو هذه الفكرة مستهجنة في مصر أو العالم العربي وذلك لأن منصب قائد الشرطة ينظر له كأحد المناصب السيادية التي لا يصح أن يتولاها سوى أبناء هذا الوطن، بل والذين أثبتوا ولائهم الشخصي للحاكم. بينما في بريطانيا يتولى الشخص الذي يقع عليه الاختيار، هذا المنصب لفترة خمس سنوات فقط، قابلة للتجديد. وينظر لقائد شرطة العاصمة باعتباره رئيساً لجهاز خدمي مثل أجهزة البلدية أو الصحة العامة.

ومن القصص الدالة قصة استقالة مفوض شرطة العاصمة السير إيان بلير عام 2008. فالرجل تم تعيينه عام 2005، وبعد انتخاب بوريس جونسون لمنصب عمدة لندن عام 2008، جرى تسريب خبر للصحافة مفاده أن عقد السير بلير الذي ينتهي في 2010 لن يتم تجديده. اعتبر الرجل ذلك التسريب بمثابة تشكيك في قدراته، فقرر الاستقالة وأعلن أن السبب هو أنه "لا يحظى بالدعم الكافي من قبل عمدة لندن" والذي يمثل سكان العاصمة، المكلف بحمايتهم السير بلير.

5

أستطيع أن أدعي أنني سائق جيد، يلتزم بقواعد المرور ولا يتهور خلال السياقة. لكنني أتذكر حادثتين لكيفية تعامل شرطي مرور في بلد عربي وشرطي مرور في لندن مع واقعة القيادة عكس السير. في الواقعة الأولى كنت أقود سيارتي في شارع ذو اتجاه واحد في تلك العاصمة العربية، ووجدت رجل شرطة يشير للسيارات كي تأتي إليه حيث يقف. استجابت سيارتان وكنت أنا الثالث. وجدت الشرطي يطلب بكل عجرفة رخصة قيادتي كي يحرر لي مخالفة سير في الاتجاه العكسي. حاولت أن أشرح له أنني استجبت لإشارته كما استجابت السيارتان اللتان سبقاني. كان رده "أن المفروض هو عدم الاستجابة لهذا الفخ الذي أراد منه اختبار قدرتنا على معرفة الاتجاه الصحيح للشارع"! دفعت الغرامة وفقدت الثقة في شرطي المرور. الواقعة الثانية حدثت في قلب لندن حينما كنت أسير خلف سيارة سارت في الاتجاه العكسي. اعترضتنا سيارة شرطة وهبط منها ضابط وأوضح لنا خطأنا بكل أدب، ثم وجه لي لوماً مهذباً بقوله: "من المفترض أن تعرف شوارع مدينتك أكثر من هذا حتى لا تسير خلف سيارة تحمل لوحات مرور فرنسية." لم يحرر لي مخالفة وأدرك أنني لم أتعمد هذا الخطأ المروري، والمدهش أنه لم يفكر أن السماء منحته فرصة نادرة كي ينصب لنا "فخاً"، يختبر من خلاله قدرتنا على القيادة في وسط العاصمة.

بقيت واقعة أخيرة. كنت أقود سيارتي على الطريق السريع وفجأة ظهرت سيارة شرطة وكتب على شاشة الكترونية مثبتة على زجاجها الخلفي: لا تتجاوز مركبة الشرطة التي أمامك. بدأت سيارة الشرطة في إبطاء حركة السير ثم توقفت، وتوقفنا. كان موقعي هو الأول من جهة اليمين. بالرغم من الأمطار الغريزة التي كانت تهطل، وجدت ضابط شرطة يهبط من سيارته ويأتي نحوي ويقول: لقد قمت بإيقاف السير لأن هناك حادثة بعد خمسين ياردة. بقدر كبير من السذاجة التي تعبر عن موروث ثقافي سألته: لم تقوم بإخباري تلك المعلومة؟ أجاب: لأن من حقك أن تعلم.

ملحوظة: هذه التدوينة كتبت لصفحة المعصرة التي يكتبها الصديق العزيز بلال فضل ويرسمها المبدع عمرو سليم، وقد نشرت في صحيفة الشروق في ١٣ فبراير ٢٠١٣.