Saturday, 30 June 2012

من الصفر


1
ارتدت قميص نوم شفاف جديد. صبغت شفتيها بلون أحمر مثير. وضعت ماكياجا كاملا. أعطت لشعرها أكثر من نصف ساعة من الاهتمام. ثم أغرقت نفسها في بحر من عطرها المثير.
خرجت من غرفتها وهي في كامل أنوثتها لتجلس أمام التلفزيون وتشاهد فيلما عربيا قديما من بطولة نجيب الريحاني وليلى مراد. انهمرت الدموع الغزيرة من عينيها لتفسد ماكياجها وتسقط وهي تحمل ألوان الماكياج على قميص نومها الجديد الذي لم يتوقع أن تكون هذه هي حالة صاحبته في أول مرة يلمس فيها جسدها.
لم تكن تدري على ماذا تبكي بالتحديد، ولكنها كانت تعلم جيدا لماذا وصلت إلى هذه الحالة من الحنين إلى بداياتها الأولى.. كانت تعلم أيضا ماذا ستفعل في الصباح عندما تعود إلى المكان الذي تحمله مسؤولية انهيارها وسرقة أهم سنوات عمرها..
2
كانت من أجمل فتيات دفعتها. كانت أكثرهن تفوقا وذكاء. كانت محبوبة من الجميع. أساتذة وزملاء وزميلات. لم تكن مهتمة بترك نفسها لتحب أو ترتبط عاطفيا بأي شخص حتى لو كان ابن أسرة كبيرة مثل أسرتها ويعمل في وظيفة مرموقة مثلما تحلم كل بنات جيلها..
كان بيتها لا يخلو كل أسبوع من معيدين في الجامعة وأبناء رجال أعمال يطلبون "القرب".. لم يتقدم لها في أي مرة رجل كبير في السن أو دميم أو أقل منها في المستوى الاجتماعي والمادي.. كان المتقدمون دائما هم الأفضل لكن الرفض كان نصيبهم الدائم.
كانت ترفض لأنها ترى في نفسها مشروع إعلامية كبيرة.. إعلامية قادرة على إثارة الجدل واجتياز الخطوط الحمراء وتناول الملفات الحساسة والشائكة بذكاء وقلب موازين الإعلام وجعل الناس في بلدها الكبير يتكلمون عنها ليل نهار.
كانت وفق أساتذتها تملك مقومات ذلك وأكثر.. فقد كانت تجيد العربية والانجليزية والفرنسية بطلاقة مدهشة.. كما كانت تملك ثقافة رفيعة، اكتسبتها بفضل ارتحالها الدائم في الصغر مع والدها الدبلوماسي الذي ترك لها مكتبة كبيرة من الكتب والموسيقى والأفلام والصور الفوتوغرافية التي التقطها في رحلاته حول العالم..
كانت كما يقال في المثل الأمريكي "جيدة للغاية كي تكون حقيقية"..
لم تواجه في حياتها أية متاعب أو شقاء أو لحظات صعبة سوى لحظة رحيل والدها قبل دخولها الجامعة بأشهر.. رغم الرفاهية التي كانت تعيش فيها إلا أنها كانت تعامل الجميع بتواضع مدهش ورقي لافت.. كانت كما يقال في العامية "بنت ناس".
ربما عيبها الذي يتحدث عنه الجميع هو اعتزازها الشديد بنفسها.. اعتزاز يصل في بعض الأحيان إلى حد العند.
3
عبر علاقات أسرتها استطاعت دخول عالم الإعلام المرئي من أوسع أبوابه. أحد كبار رجال الأعمال في البلد ومالك محطة فضائية خاصة شهيرة صديق قديم لوالدها الراحل. كان الرجل يعتبر نفسه أبا لها. فور أن علم بتخرجها وبرفضها إكمال مسيرتها المهنية داخل أسوار الدراسة الأكاديمية، عرض عليها الانضمام إلى محطته.
قبل مجيئها إلى المحطة أبدى جميع العاملين فيها تذمرهم من هذه المفروضة عليهم من أعلى. تخيلوا أنها ستكون دميمة وقبيحة وغبية، لا تتمتع بأي قدر من الثقافة أو العلم. فظة ومتعالية وبالتأكيد ستنقل كل شيء إلى مالك القناة الذي وضعها في مكان أفضل من جميع العاملين في قناته الخاصة.
منذ يومها الأول حازت على احترام وإعجاب الجميع.. وخلال أسبوعها الأول كان الكل يجمع على حب العمل معها. لطيفة ظريفة. أنيقة ومتواضعة. تملك حسا إنسانيا عاليا وثقافة مدهشة. رغم وجودها كمذيعة رئيسية للقناة إلا أنها تريد أن تتعلم من الصغير قبل الكبير وحريصة على احترام الكل دون التنازل عن شموخها.
خلال الأشهر الأولى كانت قد أجرت الكم الأكبر من اللقاءات المهمة التي حظيت بها القناة.. كانت محط إعجاب السياسيين الذين التقوها رغم أسئلتها المحرجة. كانت أيضا المذيعة الأكثر تمكنا من اللغة العربية الفصحى التي كانت تتلاعب بكلماتها بفصاحة مدهشة. ربما لهذا السبب كانت الأكثر تلقيا للعروض من القنوات المنافسة من بين مذيعات القناة..
4
لم يمر عامها الأول إلا وكانت قد تلقت العرض الذي تنتظره منذ أن دخلت إلى هذا المجال.
اتصلوا بها في كل مكان وأرسلوا أكثر من مسؤول في مكتبهم الإقليمي كي يقابلها. كانوا يريدون أن تنضم إليهم في أسرع وقت.. أما هي فكانت مذهولة من أن حلمها يطاردها بدل أن تطارده.
كانت هذه المحطة العملاقة التي تريدها هي الخطوة الأهم بالنسبة لها كي يكتمل مشروعها المهني.. فهذه المحطة قادرة على أن تجعلها بين يوم وليلة المذيعة الأكثر شهرة في العالم العربي وعند المتحدثين بالعربية في كل مكان.
كانت تدرك أيضا أن إمكانياتها اللغوية والثقافية ستبلغ مداها الأوسع مع هذه المحطة الكبيرة والمؤثرة.
بدأت تتخيل كيف ستحرج الرئيس الأمريكي عندما تقابله. وكيف ستجعل المحطات الدولية تشير إلى قدرتها الفائقة في جعل الرئيس الفرنسي يخبرها بكواليس الأشهر السابقة على الحرب والخلافات الحادة بينه وبين رئيس الوزراء البريطاني والرئيس الأمريكي على إصدار قرار ثاني من مجلس الأمن.. كانت الأحلام العريضة قد جعلتها في مكان ما بين الأرض والسماء.
بالطبع حاول مالك القناة الخاصة أن يجعلها تعدل عن قرارها ولكنها رفضت وطلبت منه أن يتركها تحقق حلمها الكبير. وافق على مضض لكنه لم يخف عنها مخاوفه من أن المحطة العملاقة تسيطر عليها فئة معينة من الناس، لها توجهات تتعارض مع ما تؤمن به من ليبرالية الفكر واستقلالية الرأي، وأنه يخشى من أنها قد تضيع وسط زحام المذيعات والقنوات المتعددة التابعة لهذه المحطة العملاقة..
أصرت على رأيها فما كان منه إلا أن تمنى لها التوفيق وقال لها: "خللي بالك.. أنتي بتقامري بكل حاجة.. لو مقدرتيش تحققي حلمك هناك ورجعتي تاني حيكون كل شيء تغير وأشياء كتير تجاوزتك ويمكن تبدأي تاني مشوارك في الاعلام.. بس المرادي حيكون من الصفر."
5
وصلت إلى هذه البلاد الحارة وأصيبت بالدهشة. ناطحات سحاب في كل مكان. لولا الطقس الحار والعبايات السوداء لكان الأمر قد اختلط عليها وظنت أنها في مانهاتن أو الوسط التجاري للندن.
تتذكر أنها زارت لندن قبل فترة ولم تجد فيها هذا العدد من ناطحات السحاب ولا هذا الاستعراض المفرط للثراء في الشوارع. لا توجد أية سيارة قديمة أو شحاذ أو حتى باعة متجولون.
شوارع عريضة ومراكز تجارية ضخمة وشديدة الفخامة. كل المتاجر البريطانية والأمريكية والفرنسية موجودة في هذا البلاد الصغيرة. تمشي في إحدى هذه المتاجر فتزكمك روائح صاحبات العبايات السوداء. بدا كل شيء من الخارج مبهرا وبراقا.
في أول يوم لها في المحطة العملاقة أصيبت بالدهشة الشديدة. فالمحطة العملاقة لا تحتل سوى مبنى صغير يقع في مكان بعيد عن الواجهة البراقة للعاصمة. صحيح أن المبنى أنيق ومجهز بأحدث الأجهزة في العالم لكنه صغير.. صغير جدا إلى الدرجة التي تجعلها تقارن بينه وبين المبنى الضخم لتلفزيون بلدها الرسمي والفارق في تأثير كل منهما!
قابلها الجميع بالترحاب الشديد. ارتاحت لهذه المقابلة لكنها كانت تريد منهم أن تعرف ما هو موقعها داخل هذه المحطة الزاخرة بمذيعاتها وبمذيعيها، خصوصا وأنها تحمل أفكارا وحماسا قادرا، من وجهة نظرها، على تغيير شكل المحطة.
لم تسمع منهم سوى كلمة "يصير خير" مصحوبة بابتسامة هادئة وطلب بأن تستجم وتستمتع بوجودها معهم وأن كل شيء سيتحقق في الوقت المناسب، لكن المهم الآن أن يعرفوا في أي الشقق الفاخرة تريد أن تسكن ومن أي المتاجر تريد شراء أثاث شقتها.. مع العلم أن المحطة تتكفل بإيجار الشقة كاملا وبمصاريف الأثاث وبجزء كبير من ثمن أي سيارة فارهة ترغب في شراءها.
بالرغم من وضوح هدفها المهني في ذهنها إلا أن الإغراق المفرط والمتعمد في مظاهر الثراء والراحة والكسل كان له مفعول المخدر اللذيذ..
لأول مرة تنتبه إلى أن في هذه الدنيا مقاعد سيارات مريحة بهذا الشكل. وأن النظام الصوتي في سيارتها الجديدة ينافس النظام الصوتي الفاخر المركب في شقتها من حيث نقاء الصوت وتوزيع السماعات داخل السيارة.
لأول مرة تنتبه إلى أن في هذه الدنيا مرتبة سرير ذكية.. تلتقط شكل الجسم وتستجيب له بحيث يشعر النائم وكأن جسده يطفو فوق الماء!
لأول مرة تجرب هذا الشعور الغريب بأشعة الشمس القوية تضرب كل خلية في جسدها دون الشعور بأي حرارة بسبب مكيفات الهواء الفائقة القوة، سواء في سيارتها أو في شقتها التي تطل على البحر وتقع في الطابق العشرين.
كانت خزانة ملابسها تمتلئ بشكل أسرع من قدرتها على تذكر متى اشترت هذا الكم من الملابس.. خلال الأشهر الثلاثة الأولى لوجودها في هذا البلد الصغير كانت قد تحولت من هوايات الرسم والقراءة ومشاهدة كلاسيكيات السينما العالمية إلى هواية التسوق.. أو رياضة التسوق كما كانت تحب أن تسميها لغياب الطقس الذي يساعد على ممارسة أية رياضة أخرى.
لكن رغم ذلك لم تكن تشعر بالغضب تجاه هذا التحول الغريب في شخصيتها الحازمة والصارمة.. كانت رمال الصحراء الناعمة تبتلعها بهدوء وتحولها إلى النموذج المضاد لكل ما كانت تؤمن به في الماضي عندما كانت تحاضر في زميلاتها وزملائها وتحدثهم عن توحش النمط الاستهلاكي للرأسمالية الأمريكية وعن خطورة تحول الإنسان إلى عبد للماكينة الاستهلاكية الغربية..
6
أقنعوها بأنها ستصبح واحدة من أهم مذيعاتهم، لكن في البداية لابد من تعويد المشاهدين على طلتها.. ولهذا فإنهم، وفي إطار الشكل الجديد للقناة الرئيسية، ستكون مذيعة الموجز الإخباري فقط.. لكن بالتأكيد ستكون المذيعة الرئيسية خلال أشهر معدودة..
صدقتهم وتعاملت مع الموجز بكل اهتمام ورغبة في أن تثبت لهم بأنها مذيعة متمكنة من لغتها.. أغرقوها بعبارات الإعجاب.. طلبت منهم الانتقال إلى النشرات الرئيسية لكنهم جددوا وعدهم لها بأن هذا سيتم قريبا..
بعد عدة أشهر التحقت بالقناة الرئيسية مذيعة لا تمتلك أية خبرة أو ثقافة أو حتى قدر ضئيل من الذكاء، لكنها شقت طريقها إلى النشرة الرئيسية..!
كانت تلك المذيعة الجديدة تتميز بشيء تفتقد له صاحبتنا.. كانت تتميز بقدرة فائقة على استغلال أنوثتها المتوحشة بذكاء بالغ! ربما كان هذا هو القدر الوحيد من الذكاء الذي تتمتع به..!
بعد عدة أشهر أخرى وسنة بالتمام والكمال منذ وصولها، طلب منها بأن تتولى تقديم عرض يومي للصحافة.. فرحت في البداية فرحا شديدا وبدأت تجهز نفسها كي تقدم برنامجا ينافس البرنامج الشهير للمذيع القدير، الذي تعتبره أستاذها، والذي يستغله في إيصال رسائله السياسية الملتهبة من خلال قراءاته للصحف..
كانت الصدمة أن العرض اليومي للصحافة لن يكون برنامجا يوميا، بل عرض مدته ثلاث دقائق، سيقدم كفقرة ضمن نشرة أخبار الظهيرة، التي تملك مشاهدين أكثر قليلا من فترة الفجر!
انزعجت وأعلنت غضبها لكنها عادت ووافقت بعد وعود بأن كل هذا سيتغير مع إعادة الإطلاق المرتقبة للقناة، وأن هناك مقترحات لبرامج حوارية هامة ستتولى تقديمها..
وافقت وساهم في موافقتها إنفاقها الباذخ على تغيير ديكورات شقتها الموجودة في بلدها وأقساط فيلا أنيقة اشترتها في منتجع الأثرياء والمشاهير..
بعد ستة أشهر طلب منها أن تنتقل إلى القناة الجديدة التي ستطلقها المحطة والتي ستحدث ثورة في عالم الإعلام المرئي..
وافقت وتحمست عندما علمت أنها ستكون المذيعة الرئيسية في تلك القناة الجديدة.. لكن حماسها ما لبث أن فتر عندما علمت أن القناة الجديدة مخصصة لتلقي اتصالات المشاهدين في برنامج يومي مدته أربع ساعات على الهواء، دون وجود أي ضيوف كي تحاورهم.. فيما عدا الساعات الأربع تلك ستبث القناة الجديدة أسعار الأسهم والعملات على أنغام موسيقى كلاسيكية..
ذكرتها القناة الجديدة بالقنوات التي كانت موجودة في المصحة النفسية الموجودة في سويسرا والتي كان عمها يقيم فيها لفترات طويلة رغم عدم إصابته بأي اكتئاب أو مرض نفسي..!
لكن مقاومتها كانت قد تلاشت وأصبحت تقضي الساعات الأربع وهي تسأل نفسها: "حاتعشى فين النهاردة؟؟ يا ترى الفستان الكحلي يمشي مع الجزمة الجديدة؟؟ أجيب كمبيوتر جديد ولا أشتري تلفزيون للمطبخ؟؟ طيب أشتري عربية جديدة ولا أفضل مع العربية دي اللي بصراحة زهقت من لونها!! آه.. نسيت أكلم ماما النهاردة.. ونسيت كمان أوصيها تجيب معاها وهي جاية حلاوة المولد..!!"
7
كانت تشعر بوحدة شديدة.. كل ما تحتاجه وما لا تحتاجه حولها.. لكن الملل والضجر يفتكان بكيانها.. كانت تمر لأول مرة في حياتها بلحظة ضعف شديدة الوطأة..
في هذه الفترة بدأ مذيع زميل يفتح معها حوارا متصلا حول تجاربه خلال الحرب وما شاهده من أهوال.. شدها هذا الحوار المتصل وأحست أن تجاربه وحياته الصاخبة وسيلة تسلية ظريفة تقتل إحساسها بالملل والضجر..
كانت تعلم أنه متزوج ولديه أولاد، ولهذا كانت تعتبره صديقا مثل أصدقاء أماكن عملها السابقة وزملاء دراستها..
في اللحظة التي اشتدت فيها لحظة ضعفها، فاتحها بالزواج.. صدمت. لكنه أقسم لها بأنه يحبها وبأنها لن يظلمها أو يظلم زوجته الحالية.. بل على العكس فإن زوجته على علم بحبه الجديد وأنها ليست غاضبة من ذلك!
صدمت أكثر لكن "الزن على الودان..." بالاضافة إلى زيادة جرعة الملل والوحدة جعلاها توافق على ما كان بالنسبة لها ضربا من المستحيل.
تزوجته واعتادت أن يبيت عندها ثلاث ليال في الأسبوع.. وفي الأيام الثلاثة الأخرى يقضي معها فترات الظهيرة.. أما اليوم السابع فلأولاده.
كانت تصاب بالدهشة كلما اتصلت بها هاتفيا زوجته وأمطرتها بوابل من عبارات الثناء على جمالها وبهائها واهتمامها بزوجها الذي أصبح أكثر سعادة منذ أن ارتبط بها!
كانت تشعر وكأنها تعيش أحداث فيلم مليء بالأجواء السريالية والشخصيات التي تتعارض مع المنطق والتي تتصرف بشكل مضاد لكل القوالب الانسانية المفهومة..
8
تزامنت فترة زواجها مع تعرفها على مجموعة من الزميلات الفاضلات الملتزمات دينيا واللواتي لا يتركن فرضا إلا وأقاموه، أو دعوة إلى الخير إلا ولبوها.. بعد أسابيع من اقترابها منهن، بدأت دعوتهن إليها بالحجاب والتزام اللباس الشرعي.. كانت تشعر إنهن زميلات فاضلات وكلامهن جميل ويتفق مع فطرتها لكنها ليست جاهزة لهذه الخطوة..
"الزن على الودان.." مرة أخرى لعب دور البطولة.. فالزميلات الفاضلات من جهة وزوجها من جهة.. وخلال أيام كان الحجاب قد وجد طريقه إليها..
لكنها على عكس ما كان يقال عن أن الحجاب سيجعلها أكثر سعادة، شعرت بأنها تعيسة للغاية، لأن هذا القرار اتخذ بالنيابة عنها ولأنها لم تكن مستعدة لهذه الخطوة التي تبدو بالنسبة لها خطوة مقدسة تستلزم الكثير من الشفافية والالتزام الأخلاقي والديني الرفيع.
كانت تعاستها تزداد يوما بعد يوم وشعورها بأن مشروعها قد دخل ثلاجة الموتى قد ترك في حلقها غصة دائمة ورغبة في الانفجار بالبكاء.. لكن وسط هذه الحياة المليئة بالرفاهية المفرطة، كانت قدرتها على اتخاذ القرار قد أصبحت معدومة وتحولت إلى جسد للمتعة الجنسية "الحلال" خلال ستة أيام أسبوعيا!
9
أصيبت بالفزع عندما استيقظت يوما وحاولت أن تتذكر متى كانت آخر مرة قد قرأت فيها كتابا أو استمعت إلى أوبرا عايدة (كان العمل الموسيقي الذي تحرص على سماعه مرة على الأقل كل شهر) أو متى كانت آخر مرة أمسكت فيها بالفرشاة ورسمت..
أصيبت بالفزع أكثر عندما اكتشفت أنها، وهي صاحبة المشاعر الحساسة، فقدت القدرة على البكاء أو الفرح أو الدهشة..!
في مساء ذلك اليوم سرحت وهي تقود سيارتها في حياتها السابقة وأحلامها بمقابلة الرئيس الأمريكي وإحراجه بأسئلتها على الهواء على مرأى ومسمع من العالم أجمع.. وسرحت لأول مرة في عدد من تقدموا لخطبتها وكيف انتهى بها الحال زوجة ثانية لرجل لا طعم له ولا لون ولا حتى رائحة!
دقائق من السرحان وكانت قد ارتطمت بنخلة.. تحطمت السيارة وخرجت هي منها سليمة.. أصيبت بالفزع عندما لاحظت أنها لم تشعر بالخوف أو القلق أو الحزن على سيارتها.. بل على العكس، رأت في تلك الحادثة فرصة للتخلص من هذه السيارة وشراء الطراز الأحدث منها باللون الرمادي الذي أصبحت تراه متكررا في ملابسها وحتى قلم الشفايف الجديد الذي اشترته لإحدى تلك الليالي المملة!
بعد عدة أيام كانت قد اشترت سيارتها الجديدة، لكنها لم تحتفل بقدومها عبر قيادتها في شوارع المدينة لساعات والاستماع إلى أوبرا عايدة أو أغنية طويلة لأم كلثوم، كما فعلت مع سيارتها السابقة.
أحست أنها وصلت إلى نقطة الانفجار.. إلى مرحلة اللاعودة..
انتظرته في المساء في شقتها.. دخل بابتسامته الباهتة.. اقتربت منه بهدوء وفي أقل من جزء من الثانية كانت تهوي بيدها على وجهه لتصفعه بقوة أسطورية وهي تصرخ بدون مقدمات: "يا ابن الكلب..!"
من قوة الصفعة وهول المفاجأة كان الرجل قد تبعثر على الأرض وملامح وجهه ترتعد من الخوف.. كان مثل فأر رمادي صغير محاصر أمام امرأة مسلحة بعصا مقشة غليظة..!
في أقل من دقيقة كان قد أطلق ساقيه للريح وهرب من الشقة بسرعة تنافس سرعة السارق إذا انكشف!
بقيت متسمرة في مكانها لخمس دقائق وجسدها ينتفض من الغضب..
ثم دخلت إلى غرفتها وارتدت قميص نوم شفاف جديد. صبغت شفتيها بلون أحمر مثير. وضعت ماكياجا كاملا. أعطت لشعرها أكثر من نصف ساعة من الاهتمام. ثم أغرقت نفسها في بحر من عطرها المثير.
خرجت من غرفتها وهي في كامل أنوثتها لتجلس أمام التلفزيون وتشاهد فيلما عربيا قديما من بطولة نجيب الريحاني وليلى مراد والدموع الغزيرة تنهمر من عينيها لتفسد ماكياجها وتسقط وهي تحمل ألوان الماكياج على قميص نومها الجديد الذي لم يتوقع أن تكون هذه هي حالة صاحبته في أول مرة يلمس فيها جسدها.
لم تكن تدري على ماذا تبكي بالتحديد، ولكنها كانت تعلم جيدا لماذا وصلت إلى هذه الحالة من الحنين إلى بداياتها الأولى.. كانت تعلم أيضا ماذا ستفعل في الصباح عندما تعود إلى المكان الذي تحمله مسؤولية انهيارها وسرقة أهم سنوات عمرها..
10
دخلت المحطة وهي تشعر بانتصار وسعادة لم تشعر بها منذ أن تخرجت من الجامعة..
دخلت على المسؤول عن الشؤون البشرية وطلبت جواز سفرها.. "ليش؟؟".. "رايحة عمرة".. "بارك الله فيكي، عمرة مقبولة بإذن الله".. "شكرا".. "لا تنسينا من دعائك".. "أكيد."
خرجت من المحطة على المطار وحجزت تذكرة ذهاب فقط إلى بلدها.. لم تحمل في يدها حقيبة واحدة. تركت سيارتها الجديدة وداخلها مفتاحها في موقف سيارات المطار. وتركت مفتاح شقتها في الباب!
قبل أن تصعد إلى الطائرة اتصلت بزوجة زوجها وطلبت منها أن تأخذ سيارتها من المطار وتبيعها، وأن تسلم مفتاح شقتها لزوجها كي يعيده إلى المحطة وأن ترسل لها ورقة طلاقها مصدقة من المحكمة على عنوانها البريدي في بلدها..
11
فور أن وصلت إلى أرض المطار، وفي حركة لا إرادية، خلعت حجابها وتوجهت إلى شقة والدتها وارتمت في حضن أمها ساعتين وهي تبكي بحرقة دون أن تنطق بكلمة ثم نامت لأكثر من خمسة عشر ساعة!
في صباح اليوم التالي كانت قد وقعت عقدا مع قناة جديدة، أقل بكثير في الإمكانيات والشهرة من أول قناة التحقت بها، لكنها كانت سعيدة ببرنامجها الجديد وببدايتها الجديدة من الصفر!

كتبت في مارس ٢٠١٠ واضطررت لحذفها بعد ساعات من نشرها..

Friday, 1 June 2012

الجزء الثالث: سيدي الجنرال.. الموجة الأولى أبيدت


في الحرب العراقية الإيرانية، كان الجيش الإيراني يواجه مشكلةً في احتلال بعض المناطق التي تتحصن فيها القوات العراقية داخل الخنادق. كان الحل الذي ابتكره الإيرانيون يتلخص في إرسال موجة أولى من الجنود بلا غطاء جوي أو مدفعي، حيث تتم إبادتهم من قبل القوات العراقية المتحصنة في الخنادق.

بعد عدة ساعات تقوم القوات العراقية بالخروج من الخنادق وتتفقد الخسائر الإيرانية وتأخذ الغنائم، ظناً منهم بأن الهجوم الإيراني قد انتهى، وهنا تبدأ الموجة الثانية من الجنود الإيرانيين في الاشتباك مع القوات العراقية!

انتهت الموجة الأولى من الثوار، ولم تخرج الدولة العميقة بعد من الخنادق!

إذا اخترت حكم الصناديق، فلا تتراجع كي لا تطيح بك إلى الأبد!

هذه ملاحظات على هامش النتيجة "السريالية" للجولة الأولى في الانتخابات المصرية والتي أسفرت عن فوز كل من مرشحي اليمين: أحمد شفيق ممثلاً عن النظام السابق والدولة العميقة، ومحمد مرسي ممثلاً عن جماعة الإخوان المسلمين.

١. لم يكن الشعب المصري مهيئاً، وقد خرج من ثورة قلبت الكثير من الموازين التي ترسخت على مدار ثلاثة عقود، للدخول في انتخابات رئاسية بها هذا القدر من عدم الوضوح. ربما لهذا السبب اختار محمد البرادعي الانسحاب من الانتخابات والاكتفاء بالمراقبة من بعيد!

لكن أما وقد اختارت "جموع الشعب" حكم الصناديق، فإنه لا مجال عن التراجع عنها حتى لو كانت نتيجتها عودة الرئيس السابق للحكم! يبدو هذا الكلام صادماً ولكنها الحقيقة. فكل الدول التي اختارت أن لا تحترم نتيجة الانتخابات، سلكت المجتمعات فيها الطرق السريع نحو الفوضى والحرب الأهلية. والأمثلة أكثر من أن تعد أو تحصى، ولكن تظل الحرب الأهلية الجزائرية خلال تسعينيات القرن الماضي الأقرب إلى الحالة المصرية.

٢. مثلت نتيجة الجولة الأولى من الانتخابات "صفعة" شديدة العنف من قبل الذين شاركوا ومن الذي لم يشاركوا أيضاً، على وجه النخبة السياسية والثقافية في المجتمع المصري. فهذه النخبة، التي لم تكن جزءاً من السلطة في يومٍ من الأيام وإنما دائماً على هامشها (وربما هذا جزء من أزمتها العميقة، ولكن هذا حديثٌ آخر) اعتقدت أنها تقود المجتمع من خلال ما تبديه من آراء في الصحافة التقليدية أو شبكات التواصل الاجتماعي.

لكن الواقع يقول إن المجتمع (بمفهومه الواسع) لم يتفاعل مع هذه النخبة واعتبرها جزءاً من الوصاية السلطوية عليه. بل أنه زاد في احتقارها عندما اختار لها النقيضين اللذين حاولت النخبة أن لا تفكر في إمكانية وصولهما للحكم. ولا تزال هذه النخبة في حالة إنكار عميقة وتخبط، عبر كل الاقتراحات التي قدمتها في أعقاب الإعلان عن النتيجة، مثل تنازل مرسي لحمدي صباحي أو انسحاب شفيق لصالح أبو الفتوح أو انضمام عمرو موسى إلى نتيجة الإعادة في الانتخابات الصربية!


٣. بعد مرحلة الإنكار والصدمة التي مرت بها النخبة، سارعت إلى الخروج باقتراح يعبر عن "سذاجة سياسية" و"براءة مفرطة". هذا الاقتراح هو التقدم بضمانات إلى مرشح الإخوان محمد مرسي، فإذا وافق عليها، تم التصويت له. وإذا لم يوافق، فلا توجد إجابة واضحة ممن تفتق ذهنهم عن هذا الاقتراح! وقد اقترح البعض أن يتم التقدم باقتراح مماثل إلى أحمد شفيق!

مشكلة هذا الاقتراح أنه يفترض "حسن النية" في الإخوان أو في النظام السابق الذي يمثله شفيق. فخلال ثمانية عقود احترفت جماعة الإخوان الدخول في تحالفات وفضها تبعاً لمصالحها السياسية الضيقة، والتي أضرت بمصداقية الجماعة. والشواهد التاريخية على ذلك كثيرة ومنها ما جرى خلال العصر الملكي مثل سعي الإمام حسن البنا إلى تسمية الملك فاروق خليفة للمسلمين! أو ما جرى في شهر العسل القصير مع ضباط يوليو، أو شهر العسل المضطرب مع السادات أو حتى الصفقات التي جرت مع الوفد وحزب العمل خلال عصر مبارك.

لذا من "السذاجة" تجاهل هذه الوقائع التاريخية والوثوق في جماعة عبر أخد تعهدات كتابية عليها، لن يؤدي النكوص عنها إلى إحراجها. وإلا كانت قد شعرت بالإحراج عندما تراجعت عن تعهدها بعدم المنافسة على أكثر من ثلاثين في المئة من مقاعد مجلسي الشعب والشورى، أو عدم المنافسة على منصب رئيس الجمهورية!

أما الوثوق في مرشح النظام السابق والدولة العميقة، الفريق شفيق، فهو مثل الوثوق في أن شارون سيستيقظ من غيبوبته وسيعيد الأراضي الفلسطينية إلى أصحابها ويعلن إندماج إسرائيل الكامل في كيان جديد يعترف بحقوق الفلسطينيين! إذا حدث هذا فيمكن الإيمان بأن المعجزات السياسية قابلة للتحقق وأن شفيق يمكن الوثوق فيه.

٤. هناك من يعتقد أن رفض التصويت لشفيق ومرسي يعني المساواة بين مرشح النظام السابق ومرشح جماعة الإخوان. وأن هذه المساواة تنسحب على الموقف السياسي من جماعة الإخوان ومن النظام السابق.

لكن المقاطعة أو إبطال الصوت، هو موقف من فئة من الناس تعتقد أن مرسي ليس الخيار الأفضل في هذه المرحلة، وأن التصويت له لن يمنع شفيق أو ما يمثله، من البقاء في معادلة السلطة في مصر بعد خلع مبارك.

فمنذ أن جلس الإخوان مع عمر سليمان، بصفته كنائب للرئيس، خلال أيام الثورة الأولى، مروراً بدخولهم مجلسي الشعب والشورى، وصولاً إلى اللحظة الراهنة، وهم جزء من معادلة السلطة، وقد ظهر هذا في مواقفهم من أحداث محمد محمود أو أحداث مجلس الوزراء وغيرها من المواقف التي يبدو أكثرها بروزاً العبارة الشهيرة "وهو أيه اللي وداها هناك!".

ولا توجد أي ضمانة أن وصول مرسي للحكم يعني الوفاة الأوتوماتيكية للأخطبوط الأمني في مصر. بل قد يؤدي وصوله إلى الحكم، إلى محاولة هذا الأخطبوط أن يثبت أن دولة مرسي لا تختلف كثيراً عن دولة مبارك! بالطبع وصول شفيق يعني أن يعمل هذا الأخطبوط بكامل طاقته من أجل اعتقال كل المعارضين المحتملين لشفيق، وفق موقفهم من مبارك أو المجلس العسكري. أي أن الأخطبوط في الحالتين لن يتأثر تبعاً لاسم الرئيس.


٥. الرئيس شفيق أو الرئيس مرسي، هما مجرد واجهات لا أكثر. فشفيق واجهة للدولة العميقة والأخطبوط الأمني والنظام السابق، فيما مرسي هو واجهة لخيرت الشاطر وجماعة الإخوان والتيار الإسلامي في مصر بمفهومه السياسي.

ومن يشعر باحتيار في اختيار مرسي أو شفيق عليه أن يوازن بين ما يمثله الأول وما يمثله الثاني. وهنا تبدو المعضلة. فالأول، مرسي، يمثل تياراً ضعيفاً داخل كيان الدولة الحالي، لكن الخوف هو من مستقبل توغله في جسم الدولة والاستبداد الذي قد يمارسه باسم الدين. أما الثاني، شفيق، فهو يمثل دولة قمعية استبدادية لها جذور راسخة في سحق المعارضين. كما أن هناك مخاوف حقيقية من أن عودة شفيق ستؤدي بالضرورة إلى تعطيل المسار الثوري لعقدٍ كامل من الزمان على الأقل!

لكن ما يجب التأكد منه أن انسحاب شفيق أو تغييره بعمر سليمان أو بالعقيد إيهاب أو المقدم سامح لا يعني أكثر من تغيير الواجهة. كما أن تغيير مرسي بمحمد خيرت الشاطر أو الأخ تامر محمد بديع هي أيضاً تغيير واجهات لا سياسات.

٦. لا يوجد في التاريخ "لو كان".. لكن "لو كان" تفيد في تعلم الدرس كي لا يتم تكرار الخطأ. فـ"لو كان" قد تم كتابة الدستور وتم تحديد شكل الدولة، برلمانية، أم رئاسية، أم مختلطة، لكان اسم الرئيس أقل إثارة للجدل مما هو حادث الآن.

في كل النظم الديمقراطية الراسخة تختار الشعوب أحياناً حكومات يمينية متطرفة أو يسارية متطرفة، ولا يخشى أحد من تطرف هذه الحكومات، لأن هناك دستوراً يضبط العلاقة بين هذه الحكومات وبين السلطات الأخرى.

لكن في الحالة الاستثنائية التي تمر بها مصر، فإن الرئيس يتم انتخابه دون معرفة شكل الدولة، أو صلاحيات منصب الرئاسة. لذا فإن المخاوف من قدرة الرئيس على تغيير مسار الثورة في مصر، حقيقية ومبررة.

٧. لمن يعتقد أن مرسي هو الخيار "الأقل ضرراً" من شفيق، فهذه القصة (التي أعيد نشرها) ربما تكون الأكثر تعبيراً عن هذا الموقف الشبيه بما حدث في مسرحية إنجليزية شهيرة كانت تعرض خلال السبعينيات.

تحكي المسرحية عن أن رجل أعمال بريطاني دعا أمراء عرب إلى حفلة من أجل أن يفوز بصفقات تجارية مع دولهم. ولما كان رجل الأعمال يدرك ولع هؤلاء الأمراء بالنساء، فقد استأجر لهذه الحفلة أفضل ما يمكن للمال أن يحصل عليه من نساء!

سارت الحفلة كما هو متوقع، حتى كانت "اللحظة الفارقة" حين طلبت زوجة رجل الأعمال البريطاني من زوجها الانفراد به لإخباره أمراً هاماً.

بعد تململ منه، وافق على ترك مدعويه والاستماع إلى زوجته مارجريت التي قالت له: جون..الشيخ العربي يريد قضاء ليلته معي.. ماذا أفعل؟ جون: كنت أفضل ألا تخبريني بذلك! مارجريت: ماذا أفعل؟ هل يعقل أن أخونك من أجل المال؟! جون: عزيزتي.. اغمضي عينيك وفكري في بريطانيا!