Sunday, 30 December 2012

خربشات تويترية في الاقتصاد: البحث عن تشرشل


في ٢٠٠٨ أيسلندا، اللي هي كانت نمر اقتصادي، أعلنت إفلاسها. البنوك فيها دمرت اقتصادها بسبب ما يعرف بـderegulation . الحكومة استقالت والبلد مرت بأيام صعبة جداً.

النهاردة أيسلندا بدأت في التعافي والسبب كان عندهم العوامل دي: ١. شفافية في عرض الحقائق ٢. رؤية للخروج من الأزمة ٣. إرادة من الحكومة والمجتمع .

فيه بلدان مرت بأزمات اقتصادية أصعب من اللي بتمر بيها مصر وكلها خرجت من أزماتها بنفس الطريقة: الشفافية، القوانين الصارمة، الرؤية السليمة، العمل الشاق.

أنا مستعد أقبل حجة الحكومة في إن المجتمع محتاج يشتغل أكتر ويقلل من إنفاقه (يشد الحزام) بس المشكلة إن الحكومة نفسها معندهاش رؤية أبعد من كدة!

الدول اللي خرجت من أزماتها الاقتصادية كان دائما عندها رؤية تختلف عن فكرة اللجوء الى صندوق النقد. كان عندها دائما رؤية للبناء مش رؤية تقشف بس .

 أينشتاين كان بيقول: لا تتوقع من العقول التي تصنع المشكلة أن تكون هي التي تحل المشكلة. مشكلة الحكومة الحالية إنها استمرار لسياسات حكومات مبارك

 حتى خيرت الشاطر اللي بيبشروا بيه هو (ودة كلام ناس دخلوا معاه في شغل) تاجر شاطر لا أكثر وليس اقتصادي. بالشعبي بقال. يجيب الحلو من هنا على الحلو من هنا ويبيع ويكسب .

الإخوان، ودة برضه كلام من قمة الهرم، مش عارفين يتعاملوا مع الاقتصاد ومدركين إن اقتصاد مصر أعقد من اقتصاد الجماعة. وعلشان كدة اجتمعوا مع رشيد محمد رشيد أكثر من مرة.

الإخوان كجماعة عاملين زي المجتمع. قمة عندها خطط بديلة وقاعدة مطحونة وحتطحن أكتر من الفقراء في الشعب. هما حيعكوا والناس حتدفع التمن بشكل فادح  ولفترة طويلة.

سألت ناس في الإخوان: أيه تصوركم لحل أزمة الاقتصاد؟ كانت الإجابة: فلان وعد يقف معانا وأمريكا أكيد مش حتسمح لينا بالسقوط وحنبتز المجتمع الدولي عبر اللعب بورقة أمن إسرائيل أو الملاحة في قناة السويس.

صحيح إن فلان وعد يقف مع مصر ولكن هو عايز يقف معاها بمنطق شراء إرادتها السياسية وتوظيفها في معاركه. أمريكا ممكن تنقذ مصر في مقابل تحويلها الى تابع رخيص زي دول أمريكا اللاتينية في السبعينيات والثمانينيات.

أما خطة الإخوان في انقاذ الاقتصاد عبر "ابتزاز المجتمع الدولي ومسكه من إيده اللي بتوجعه" فدي خطة عيال مقموصة في ابتدائي وبتهدد ما تروحش المدرسة!

للأسف الواقع بيقول إن مصر ممكن تسقط عادي خالص والمجتمع الدولي يستمر زي الفل. أمن إسرائيل والملاحة في قناة السويس عليهم ضمانات لو مصر وقعت وفيه خطط لدى الغرب للتعامل مع المشاكل دي.

الكلام العاطفي بتاع "مصر لن تسقط" و"من يقول إن مصر مفلسة هم المفلسون" دة بيسموه في الغرب  rhetoric وعادة بينظر لقائله إنه شخص لا يستحق الأهمية وخفيف الوزن سياسياً.

فيه ناس في مصر وخارج مصر عارفة طريقة إخراج مصر من أزمتها الاقتصادية ولكن للأسف الناس دي لا تحظى بالثقة من قبل السلطة المشغولة بتأمين مواقعها.  ثنائية أهل الثقة وأهل الخبرة الشهيرة!

بوضوح شديد: الإخوان ليس عندهم رؤية للخروج من أزمة مصر الاقتصادية. جبهة الإنقاذ الوطني ليست عندها رؤية للخروج من الأزمة. الطرفان مفلسان فكريا.

الحل لمصر، وأنا أعتذر إني باقول الكلام دة، يوجد خارج مصر. مصر لديها ثروة من المصريين أصحاب المعرفة في الغرب. ابعدوا عن الخليج الله يكرمكم، فالمجتمعات تؤثر على الأفراد وعلى طريقة تفكيرهم ودول الخليج تجربة مختلفة عن مصر. دول الخليج تعتمد على اقتصاد ريعي. يعني بئر بترول شغال وناس بتصرف منه. دة مش موجود في مصر.

أخيرا، مصر محتاجة: رؤية مختلفة للمستقبل، عمل شاق، كفاءة في إدارة الموارد وترشيد الاستهلاك، شفافية مطلقة، تدمير للروتين والبيروقراطية والفساد.

تشرشل قال في الحرب العالمية الثانية للإنجليز: ليس لدي ما أعدكم به سوى العمل والعرق والدموع. مصر تمر بحرب أقسى من كل حروبها وتحتاج الى تشرشل مصري.



اقتصاد مصر: إصلاح هيكلي أم انتحار سياسي؟



كتبت مجموعة من التغريدات على موقع تويتر حول الأزمة الاقتصادية في مصر الآن. في رد على هذه التغريدات، أرسل لي الأستاذ عصام الزامل، وهو رجل أعمال سعودي وباحث اقتصادي، رابطاً لتدوينة كتبها عن الحلول التي يعتقد أنها يمكن أن تخرج مصر من أزمتها. 

قرأت التدوينة بتمعن ووجدت عدة أمور:
1. أنها تتفق مع ما تفضل به صندوق النقد الدولي بخصوص الخروج من الأزمة الاقتصادية. 
2. أنها تنتمي فكرياً لمدرسة في الاقتصاد تسمى Neoliberalism والتي تنادي بتحرير الاقتصاد بشكل كلي من أعباء الإنفاق الحكومي على الخدمات الاجتماعية وتدعو الى الخصخصة وتخفيف القيود على القطاع المصرفي فيما يعرف بـ Deregulation. وهي كلها أمور قد تنجح جزئياً مع اقتصاد عملاق مثل الاقتصاد الأمريكي ولكن قد تكون وصفة انتحارية لاقتصاد ضعيف مثل الاقتصاد المصري. 
3. أن نصائح الأستاذ عصام هو ما تفكر فيها الحكومة المصرية منذ فترة وبدأت في تطبيقه تدريجياً.

تعويم العملة
 يقول الأستاذ عصام:
"الإصلاحات التي تحتاجها مصر للنهوض باقتصادها كثيرة، ولكن هناك بعض الإصلاحات الهيكلية التي سيكون لها التأثير الأبرز على المدى الطويل، وهي التي ستضمن النمو المستدام وارتفاع الانتاجية للاقتصاد المصري، يأتي على رأس هذه الاصلاحات تعويم العملة المصرية وترك تحديد سعرها لقوى سوق العملات في العالم، وهو ما سيوفر على الحكومة عبء تثبيت سعرها كما هو حاصل حاليا. وسيؤدي تعويم الجنيه المصري لانخفاض في قيمته قد يصل لأكثر من 30% أو40% بالمائة، هذا الانخفاض في قيمة الجنيه سيكون له تأثير سلبي على المواطنين في المدى القصير، حيث سترتفع أسعار السلع المستوردة وسيواجه المستهلك تضخما وتآكلا في القوة الشرائية، ولكن في المقابل فإن انخفاض سعر العملة سيجعل الاقتصاد المصري أكثر تهيؤا للنمو، وخاصة نمو الصناعة المحلية، حيث سترتفع تنافسية المنتج المحلي مقارنة بالمنتجات المستوردة، كما سترتفع جاذبية الاستثمار للمستثمر الاجنبي لأن أسعار الأصول ستنخفض بالنسبة له، وأخيرا فإن تعويم العملة سيسهم في تقليل عجز الموازنة الحكومية التي تتحمل حاليا عبء تثبيت العملة بمستوياتها الحالية، والتي يمثل عجز ميزانيتها تهديدا اقتصاديا خطيرا."

هذه الوصفة لا تصلح لمصر للأسباب الآتية:
1. خفض قيمة الجنيه سيؤدي الى رفع جميع السلع الأساسية وأولها الغذاء وذلك لأن مصر تستورد غذائها. 
2. المنتج المصري منخفض الجودة ولا يستطيع منافسة المنتج المنافس من دول مثل الصين والهند، وبالتالي حتى مع خفض قيمة الجنيه سيظل غير مرغوباً في الأسواق الدولية. 
3. الخروج من الأزمة الاقتصادية عبر بيع الأصول ليس حلاً والدليل فشل سياسات الخصخصة الاقتصادية في عهد حكومات مبارك. المطلوب هو الاستثمار في الصناعة كثيفة العمل من أجل حل مشكلة البطالة. 
4. هذه الوصفة تصلح لدول صناعية كبيرة لديها صناعات ذات جودة عالية وتريد أن تزيد من تنافسيتها الاقتصادية، وهذا لا ينطبق على مصر.

رفع الدعم
يقول الأستاذ عصام:
"ثاني أهم الإصلاحات هو رفع الدعم الحكومي للسلع والوقود، والذي يستهلك أكثر من 10% من الناتج المحلي المصري، حيث أن الفقراء هم الشريحة الأقل استفادة من هذا الدعم، وتشير التقارير الاقتصادية أن 90% من الدعم الحكومي يستفيد منه أغنى 20% من المجتمع المصري، كما أن الدعم يمثل بيئة مثالية للفساد الذي يستهلك أكثر من 30% من الدعم حسب بعض التقارير، لذلك فإن على الحكومة المصرية أن ترفع الدعم وتستبدله بدعم نقدي مباشر للأسر المحتاجة، وبذلك تضمن وصول الإعانة لمن يحتاجها فقط."

الرد:
1. الدعم على بعض أنواع الوقود يخدم الأغنياء فقط. هذا صحيح. ولكن الدعم على أنواع أخرى سيؤثر على تكلفة النقل وهو ما سيصل تأثيره المباشر الى الفقراء. 2. الحديث عن الدعم بهذا الشكل يفترض أن 20% من المجتمع المصري هم من القادرين، وهذا غير صحيح. الفجوة بين الأغنياء والفقراء في مصر في ازدياد متسارع منذ نهاية التسعينيات، والطبقة الوسطى المصرية أصبحت في حاجة الى الدعم أكثر من أي وقتٍ مضى. 3. بدلاً من المطالبة برفع الدعم، ينبغي التركيز على محاربة إهدار الدعم، وعلى إيجاد بدائل لهذا الدعم من خلال رفع المستوى المعيشي للطبقات الأكثر فقراً في المجتمع، ودعم الاعتماد على الطاقة المتجددة وتكنولوجيا توفير استهلاك الوقود عبر إعفاء السيارات الكهربائية من ضرائب الاستيراد مثلما هو حادث في بعض الدول الأوروبية.

إدخال الاقتصاد غير الرسمي الى جسد الاقتصاد الرسمي
كتب الأستاذ عصام:
"ثالث أبرز الإصلاحات الهيكيلة هو التعامل مع القطاع الاقتصادي غير الرسمي. والقطاع غير الرسمي هو المنشآت التي لا تعمل بشكل رسمي ولا تدفع ضرائب، ويقدر الاقتصاديون حجم هذا القطاع بترليون جنيه، تمثل 35% من حجم الاقتصاد في مصر ويعمل فيها أكثر من 40% من القوى العاملة. تقنين هذا القطاع سيضيف لدخل الحكومة من الضرائب أكثر من 100 مليار جنيه، كما أن تحول هذه المنشآت من القطاع غير الرسمي للقطاع الرسمي سيمكنها من الاقتراض من البنوك والنمو، مما يسهم بشكل فاعل في نمو الاقتصاد بشكل عام. بالإضافة للتهرب من الضرائب فإن أحد أهم عوامل نشوء وتضخم القطاع غير الرسمي هو البيروقراطية والفساد الحكومي، والذي يعيق إنشاء المؤسسات الصغيرة ويدفع صغار المستثمرين للعمل في القطاع غير الرسمي، لذلك فإن على الحكومة أن تقوم بإصلاح القطاعات الحكومية وتقلل من البيروقراطية وتسهل الإجراءات على الراغبين في العمل الحر."

هذه النصيحة جيدة ولكن تتعامل مع الاقتصاد غير الرسمي في مصر بنفس طريقة تعامل الحكومات الأوروبية مع الاقتصاد غير الرسمي في دولها والذي تتحكم فيها الهجرة غير المشروعة.
وربما هذه هي النصيحة التي حاولت الحكومات المتعاقبة في مصر إتباعها عبر إدماج الاقتصاد غير الرسمي في جسد الاقتصاد الرسمي وفرض الضرائب عليه ولكنها فشلت نظراً لغياب قاعدة بيانات دقيقة عن النشاط التجاري في مناطق عديدة من مصر. وفي التجارب المماثلة الخاصة بإدماج الاقتصاد غير الرسمي، كان من مصلحة أصحاب الأعمال في هذا النوع من الاقتصاد الخروج الى النور بسبب المزايا التي قد يحصلون عليها من الحكومة مثل الرعاية الصحية والتأمين الاجتماعي. لكن هذا الأمر غير متحقق في الحالة المصرية في الوقت الحالي. فالضرائب على هذا الاقتصاد غير الرسمي والمنتشر في المناطق العشوائية لا تعني بالضرورة الحصول على مقابل من الدولة.
مشكلة الإصلاحات التي طرحها الأستاذ عصام أنها تحمل تكلفة سياسية قد تعصف بالحكومة كما حدث في يناير 1977. فالإصلاحات الهيكلية ليست جديدة على الاقتصاد المصري، كما أن آثارها السلبية جرى اختبارها من قبل. الحل هو إيجاد مسارات جديدة للاقتصاد المصري عبر الاستثمار بكثافة في القطاع الصناعي والقطاع الزراعي والخروج بقوانين صارمة تتعلق بوقف تجريف الأراضي الزراعية.
بقيت نصيحة لم يذكرها الأستاذ عصام بينما ذكرت في جميع برامج الإصلاح التي قدمت الى مصر وهي التخلص من التضخم الهائل في عدد الوظائف الحكومية وخفض حجم الجهاز الحكومي. نظرياً هذه النصيحة مهمة للغاية لعلاج مشكلة العجز في الموازنة العامة والتحكم في الدين العام ولكن فعلياً إذا طبقت دون إيجاد فرص عمل بديلة في القطاع الخاص، فإن جيشاً مكوناً من ثلاثة ملايين موظف حكومي على الأقل سيتحول الى طوفان شعبي في الشارع.
 


Friday, 28 December 2012

مرسي: هل يهبط بالطائرة أم سيتركها ويقفز؟

١
"أذكر أننا قبل كل طلعة جوية نقوم بها من قواعدنا حول العالم، كنا نجتمع في غرفة العمليات ونتلقى تقريراً مفصلاً عن الرادارات التي ستعترضنا خلال الوصول إلى الأهداف التي يجب قصفها. كما كنا نتلقى تقريراً (يجري تحميله فيما بعد على كمبيوترات مقاتلاتنا الحربية) عن المسار الجوي الأمثل للوصول إلى هدفنا الرئيسي ثم هدفنا الثانوي، والمسار الجوي الأمثل للعودة إلى قواعدنا دون التعرض لنيران المضادات الأرضية أو الدخول في مجال صواريخ الدفاع الجوي للعدو.
وعندما كنا نقوم بهذه الطلعات الجوية، كنا نلتزم بالارتفاعات المحددة لنا سلفاً وبالسرعات التي يجب أن نطير بها. ولا أتذكر أن التزامنا بهذه التعليمات عرضنا لأية مخاطر خلال القيام بمهامنا. كنت أدرك، ولا أزال، أن التحضير الجيد قبل تنفيذ طلعاتنا الجوية، هو ما يجنبنا عناء ارتجال المواقف في الجو والوقوع في فخ ردود الفعل، بدلاً من مفاجئة العدو وإصابته بالارتباك وهو يحاول الدفاع عن نفسه".
٢
يبدو الرئيس محمد مرسي في هذه اللحظة مثل طيارٍ لم يتلق أي تدريب. حصل على قائمة بالأهداف التي يجب عليه تدميرها، دون أن يحصل على أية تقارير عن المسار الجوي الأمثل للوصول إلى تلك الأهداف. قام فور إقلاعه بقصف مدرج قاعدته الجوية وبقصف برج المراقبة، وهو حالياً في طريقه لقصف الطائرات الرابضة على الأرض.
ومن غير المعروف ما إذا كان الطيار مرسي سوف يهبط في قاعدته التي قصفها، أم أنه سيقفز بالمظلة من الطائرة التي يبدو أنه لا يستطيع السيطرة عليها.
لكن كي لا نظلم الرجل فقد أصاب عدداً من الأهداف التي حددت له سلفاً. من بين تلك الأهداف التي دمرها: المجلس العسكري بتشكيلته السابقة، النائب العام، المحكمة الدستورية العليا. من بين الأهداف التي يستعد للتعامل معها: الإعلام، الشرطة، رموز المعارضة، ولاحقاً حلفائه من السلفيين. هدفه الأخير سيكون "أم المعارك" التي سيخوضها مرسي، وفق التعبير الأثير لصدام حسين.
الصورة من المجموعة الخاصة لأحمد زكي وهي لمرصد لوس أنجليس
٣
يحكي المخرج الأمريكي روبرت رودريجز أنه ذهب إلى زوجته السابقة وسألها: لماذا تقومين بقطع أطراف أية قطعة لحم في كل مرة تريدين شويها في المقلاة؟ كانت إجابتها: لا أعرف ولكني رأيت أمي تفعل ذلك، فقلدتها. طلب منها رودريجز أن تذهب لأمها وتحاول معرفة السبب. كانت إجابة الأم: لا أعرف ولكني رأيت أمي تفعل ذلك، فقلدتها. ذهبت زوجة رودريجز إلى جدتها وسألتها فكانت الإجابة: المقلاة التي كنا نمتلكها في ذلك الزمن صغيرة ولا تسع قطعة اللحم، فكنت أضطر لقطع أطرافها.
تبدو جماعة الإخوان مثل تلك الحفيدة التي توارثت وسيلةً واحدة للتعامل مع قطعة اللحم دون أن تدرك أن المقلاة التي بحوذتها أكبر من تلك التي كانت بحوذة جدتها، وأنه لا داعي لقطع أطراف قطعة اللحم قبل شويها.
فقيادات الإخوان تحاول إدارة الدولة بنفس طريقة إدارتها للجماعة. تتوقع هذه القيادات من أجهزة الدولة السمع والطاعة، دون أن تدرك أن المقلاة أكبر من التعامل معها عبر قطع أطراف قطعة اللحم التي هبطت عليهم فجأة من السماء.
٤
في عاصمةٍ غربية وخلال لقاءٍ جمع مؤخراً بين شخصين مطلعين بشكل جيد على ملفات المنطقة، دار الحوار الآتي:
"أ. هل أصدقائنا في واشنطن راضون عما تفعلونه؟
ع. لن أقول لك إنهم راضون، بل ومشاركون فيه. هم يعلمون حجم الرضاء الشعبي عن مرسي جيداً ومع ذلك هم داعمون له بقوة لأنه سيحقق مصالحهم أفضل من أي بديل له على الساحة. ما فعله البرادعي في حديثه لوسائل الإعلام الغربية كان طرح نفسه كبديل قادر على تحقيق مصالح الغرب في المنطقة. لكن الأصدقاء في واشنطن حصلوا على ضمانات أفضل من مرسي وجماعته. وهم مقتنعون بأن مرسي أفضل من البرادعي في هذه النقطة. يبدو أن الصراع بين البرادعي ومرسي في جزء منه هو صراع على من يخدم الغرب بشكل أفضل!
أ. في كل الحالات أنتم لا تستطيعون التحرك دون أن أخذ موافقة الأصدقاء في واشنطن.
ع. السادات رحمه الله هو من وضع قواعد اللعبة ونحن تعلمناها منه. تسعة وتسعون في المئة من أوراق اللعب في يد واشنطن يا صديقي، وسيبقى الأمر كذلك إلى أن يقضي الله أمراً كان مفعولاً."
الصورة من المجموعة الخاصة لأحمد زكي - لندن
٥
تمر المنطقة بموجة من التغيير الهائل الذي لم تشهده منذ الثورة العربية الكبرى خلال الحرب العالمية الأولى. دولٌ سوف تختفي ودولٌ جديدة سوف تظهر. خرائطٌ سوف تتغير وقومياتٌ سوف تأخذ حق تقرير مصيرها.
من يعتقد أن وصول الإخوان إلى حكم مصر هو نهاية طريق التغيير في هذا البلد، فهو مخطئ. هذه فقط الموجة الأولى من التغيير والتي سيعقبها موجاتٌ أخرى في دول الخليج والأردن. الكل ينتظر سورية وبعدها سيزحف الطوفان نحو الجنوب. حينها سيحاول بعض الإسلاميين تكرار النموذج المصري في الوصول إلى السلطة، كما ستحاول القوى السياسية الأخرى تفادي هذا النموذج للوصول أيضاً إلى السلطة.
أما مصر نفسها فسوف تتأثر بالتغييرات التي ستعصف بجيرانها. ليبيا لا تزال غير مستقرة وقد تفرض على المصريين تحدياً كبيراً في التعامل مع منطقة مصدرة للاضطراب والعنف. كما أن التغيير في دول الخليج سيفرض تحديات وضغوط كبيرة على مصر التي يعتمد جزءٌ لا بأس به من اقتصادها على تحويلات العمالة المصرية المقيمة هناك.
ستبقى سيناء إحدى التحديات التي ستحدد قدرة مؤسسة الجيش على التمدد داخل جسد الدولة المصرية والتأثير على قراراتها فيما يتعلق بالسيادة على هذه البقعة الحيوية من الأرض. قرار وزير الدفاع الأخير بحظر تملك المنشآت والأراضي في سيناء على الأجانب والمصريين مزدوجي الجنسية، مؤشر على شكل العلاقة بين الجيش والرئاسة حينما يتعلق الأمر بأحد ملفات الأمن القومي، خصوصاً وأن دولةً عربية عرضت الاستثمار هناك وكان هناك توجهٌ لدى الحكومة لقبول هذا العرض.
لكن هل ينجح الإخوان في عبور التحديات التي تواجههم داخلياً وإقليمياً؟ الإجابة سيحددها طيارهم الحربي محمد مرسي.


Sunday, 25 November 2012

جمهورية المماليك تنتظر مذبحة

الصورة من المجموعة الخاصة بأحمد زكي 
ما الذي حدث؟

الذي حدث أن رئيساً منتخباً قرر ذات مساء أن يمنح نفسه سلطات مطلقة لم تتوفر لأي رئيسٍ من قبل في بلاده. بل أن سلطاته لا يمكن مقارنتها سوى بمؤسس الدولة المصرية الحديثة محمد علي باشا..

وفي الوقت الذي هلل فيه أنصاره وكبروا لما فعله ابن جماعتهم، فإن خصومه السياسيين نزلوا إلى الشوارع للمرة الأولى منذ أحداث ثورة يناير ٢٠١١.

وهنا لابد من التوقف عند مجموعة من المشاهد التي تعتبر مدخلاً لفهم ما حدث:

١. مشهد حرق مقرات الحزب الحاكم، "حزب الحرية والعدالة"، في عدد من المحافظات، وذلك في تكرر لمشهد مقرات الحزب الوطني الديمقراطي، الحزب الحاكم سابقاً.

٢. إصدار الأوامر لقوات الأمن بالتدخل ومواجهة المتظاهرين، وعدم التحرك من قبل الرئيس للتدخل من أجل إيقاف أحداث محمد محمود الثانية، رغم ارتفاع عدد المصابين.

٣. توقيت إصدار القرارات والذي جاء بعد الحفاوة الأمريكية والغزاوية بإنجاز الرئيس في التوسط لهدنة بين إسرائيل وحماس.

الصورة من المجموعة الخاصة بأحمد زكي 
٤. خطاب الرئيس الذي استخدم فيه تعابير "قاسية" وكان جمهوره من التيار الذي ينتمي إليه، وبدا فيه زعيماً عشائرياً أكثر من كونه رئيس دولة يخاطب الأمة.

٥. الخطاب الإعلامي الرسمي الذي استلهم أسوأ ما في تجربته خلال ثورة يناير، وأعاد إنتاجها.

٦. غياب أي أفق للحل سواء من الرئيس أو من خصومه السياسيين، وانحسار الحل في طرح إخواني يتمثل في أن تذهب القوى السياسية للرئيس من أجل الحصول على ضمانات، أو طرح من خصوم الرئيس يتمثل في تخيير مرسي بين التنازل عن إعلانه الدستوري أو منصبه.

لابد أيضاً من التوقف عند مواقف الأطراف الرئيسية المعنية بالأزمة:

١. موقف الجيش

هو الموقف الأكثر غموضاً. فالرئيس المنتخب محمد مرسي ساند الجيش في "حقوقه السيادية" عندما خاض معركة القرصاية. كما أن فوض صلاحيات التعبئة العامة لوزير الدفاع والقائد العام للقوات المسلحة. ولكن لا يعني سكوت الجيش عن إعلان مرسي الدستوري قبوله الدائم به. فمكانة مبارك لدى الجيش كانت أكبر من مكانة مرسي عشرة أضعاف، وبالرغم من ذلك فإن الرجل تم عزله وخلعه خلال أيام عندما بدا أن الدولة التي يعتبر الجيش نفسه وصياً عليها، بحكم ظروف تأسيسها وطبيعة تحدياتها الأمنية، يمكن أن تسقط.

هل يتدخل الجيش إذن؟ لا يمكن استبعاد ذلك في حال اتسعت دائرة المصادمات بين أنصار الرئيس وخصومه في الشارع.

لكن تدخل الجيش لن يكون مؤشراً جيداً على قدرة المصريين على صنع مسار للتحول الديمقراطي خاص بهم. أي أن الساعة ستعود إلى الوراء ستين عاماً.

٢. موقف جماعة الإخوان

تنظر جماعة الإخوان إلى هذه المعركة باعتبارها معركة حياة أو موت سياسي. ويبدو من خلال تحركات أعضائها في مختلف الدوائر، أنها حشدت كامل طاقتها من أجل المضي قدماً في دعم إعلان الرئيس الدستوري وإعادة البرلمان الذي تسيطر عليه إلى الحياة، خصوصاً وأنها غير متأكدة من أنها يمكن أن تفوز بنفس عدد المقاعد في أي انتخابات نيابية قادمة.

والمشكلة التي تواجه خصوم الرئيس، أن هذه الجماعة، على عكس الحزب الوطني الديمقراطي، لن تختفي من على وجه الأرض في حال قوبلت بغضب شعبي عارم. فأنصارها سوف يقاتلون حتى النفس الأخير. هم في النهاية مؤدلجون وليسوا مجموعة انتهازية، مثلما كان حاصلاً مع أعضاء الحزب الوطني.

لكن على الجماعة أن تعي أن أي اصطدام واسع بين أنصارها وبين خصومها في الشارع، سوف يؤدي إلى خسائر فادحة في أوساط الجماعة وقد تصل إلى مرحلة الانشقاقات التي تهدد وحدة صفها.

الصورة من المجموعة الخاصة بأحمد زكي 
٣. موقف الولايات المتحدة

أبدت امتعاضاً خفيفاً وموافقةً ضمنية! موقف يتسق مع موافقة مرسي على الدخول في الفلك الأمريكي من الباب الواسع. فهو وافق من خلال الهدنة الأخيرة بين حماس وإسرائيل أن يلعب دور شرطي غزة. وهو وافق أيضاً على شروط صندوق النقد الدولي وأهمها رفع الدعم عن الطاقة، وهو ما سيؤدي إلى اضطرابات شعبية واسعة، لن تصلح معها سوى سلطات الرئيس الجديدة المطلقة.

٤. موقف خصوم مرسي السياسيين

هو الموقف الأضعف من بين كل مواقف الأطراف الأخرى. فالقوى السياسية لا تبدو أنها قادرة على حشد أنصارها في الشارع بنفس كفاءة جماعة الإخوان. كما أن التنسيق بينها يبدو غائباً وهو ما يتضح من خلال تشكيلتها الأقرب إلى طبق السلطة غير المتجانس.

٥. موقف الرئيس

إن تراجع، فإن ذلك يعني القضاء على هيبته السياسية لما تبقى من سنوات حكمه. وقد يؤدي هذا إلى صعود تيار متشدد داخل جماعته، يزايد عليه، أو إلى إصابة مفهوم الدولة بضرر عميق، قد يصعب إصلاحه لاحقاً. وإن لم يتراجع، فإن السيناريوهات المطروحة قاتمة. لن تصل إلى مرحلة الحرب الأهلية الشاملة، لكن لن تقف عند حدود الاصطدامات المحدودة.

ولابد أن الرئيس يعي أنه إن فشل في احتواء هذه الأزمة، فإن أطرافاً أخرى في الدولة مستعدة، وربما "متشوقة" للتدخل وحسم الأمور لصالحها.

الصورة من المجموعة الخاصة بأحمد زكي 
الألماني الذي تمصر!

يحكى أن خبيراً ألمانياً في شركة عريقة للسيارات أتى إلى مصر من أجل مهمة عمل تستغرق سبعة أشهر. كان هذا الخبير يمتلك سيارة فارهة بسائق في بلاده وذلك لأنه لم يكن يحب قيادة السيارات، كما أنه لم يتعلم قيادتها أصلاً.

بعد شهر من الإقامة في مصر، أصيب صاحبنا الألماني بالضجر وطلب من صديقه المصري أن يدربه على القيادة. بعد أربعة أسابيع من التدريب، أصبح الرجل "جن سواقة"، قادراً على خوض أعقد المشاوير من شبرا إلى مدينة نصر بكفاءة مصرية خالصة.

بعد أن انتهت مهمته، عاد إلى ألمانيا. بعد شهرين صدم بسيارته سيدة وقتلها. شكراً.