Monday, 7 October 2013

أتعلمين ما هو النظام يا صفية؟

الصورة تم التقاطها في قرية شوڤيني الفرنسية في الأول من يوليو ٢٠١٣

بينما كان يستمتع بقراءة رواية تاريخية على جهاز أيباد يحمله بيده اليسرى، كانت يده اليمنى على وشك أن تحمل فنجانه الورقي المليء بالقهوة السوداء، وذلك قبل أن تباغته "منى" بالسؤال الأكثر غباءً في غرب أوروبا: أستاذ هاني.. بتعمل أيه هنا؟
ـ باتشمس..!
فوجئت بالإجابة، ولكنها لم تمنع نفسها من أن تقول له: ممكن انضم لحضرتك؟
ـ طبعاً.
ثم اتبعت ذلك بالجملة التقليدية: أتمنى ما أكونش مضايقة حضرتك.
ـ خالص!
بكل براءة سألته: أستاذ هاني، تفتكر فيه أمل؟
أجابها بنصف ابتسامة: لا طبعاً مفيش أمل.. بصرف النظر إني مش عارف بالضبط قصدك أيه بالأمل في هذا السياق.
منى: قصدي أمل في إن اللي بيحصل يتغير، في إننا نغير النظام ونبني نظام جديد..
هاني: امممم... النظام. لا اطمني يا عزيزتي النظام دة أكبر مننا كلنا.. أكبر من أي حد بمن فيهم من يدعون أنهم رؤوس النظام. النظام هو ذلك الشيء الذي لا نراه ولكننا نشعر بوجوده دائماًَ..!
منى: مش فاهمة؟ ليه ما نقدرش نحطم السلطة القائمة ونبني نظام جديد مبني على العدل..
هاني: طيب يبدو إننا محتاجين نفكك الجملة العظيمة اللي قولتيها.. أولا العدل دة ممكن تقرأي عنه في الروايات أو تحلمي بأنه يحصل يوماً ما.. وهو على أي حال بيحصل أحياناً على مستوى الأفراد. ولكن مفيش حاجة اسمها نظام مبني على العدل. النظام مالهوش علاقة بالقيم، وإنما هو كل العلاقات اللي بتنظم عمل السلطة.. وبالتالي فهناك فرق كبير بين السلطة والنظام. السلطة دي متغيرة إنما النظام دة مستمر. لا بيتهد ولا بيتغير..
منى: مش فاهمة؟ يعني أيه النظام ما بيتهدش.. التاريخ أثبت إن دة مش مضبوط..
هاني: بالعكس، التاريخ أثبت إن دة صحيح.. الدولة في بلدنا ضعيفة.. دائماً تبحث عن هيبتها علشان تدافع عنها. إنما النظام في بلدنا عامل زي طواحين الهواء في رواية "الدون كيخوته"، وكل محاولات هدم النظام هي محاولات عبثية تشبه محاولات صديقنا الفارس النبيل الدون كيخوته اللي كان متخيل إن طواحين الهوا وحوش عملاقة ممكن يقضي عليها.
منى: ممكن مثال محدد؟
هاني: مثلا حصل انقلاب عسكري في يوليو ٥٢. بعد كدة تحول الى ثورة علشان المشروع الاجتماعي والاقتصادي.. بصرف النظر هو انقلاب أم ثورة، لكن الضباط اللي ألغوا النظام الملكي لم يلغوا النظام. النظام في مصر بدأ لما محمد علي باشا عمل مذبحة القلعة وقضى على سلطة المماليك. كان عنده رؤية إنه عايز مصر مملكة لنفسه ولولاده من بعده. هو مجرد تاجر دخان وبلطجي معروف في بلدة "قولة"، قبل ما يدخل الجيش العثمانلي. علشان تاجر الدخان يبقى عنده مملكة لنفسه ولولاده من بعده، راح بنى جيش قوي. وربط كل الصناعات والخدمات بالجيش دة، بهدف إنه يبتز القوى الإقليمية وأولها الباب العالي في الآستانة من أجل إنهم يمنحوه مملكة في هذه الولاية العثمانلية.. وقد كان له ما أراد. من الوقت دة، يعني قبل مئتين سنة ولحد هذه اللحظة والجيش في مصر هو أحد أوجه فكرة النظام. النظام هنا مش المقصود به التعبير الانجليزي The Regime وإنما هو أقرب روحاً لفكرة The Establishment أو "المؤسسة". هذا الكيان الوهمي الموجود داخل عقلية كل موظف عمومي وداخل كل سياسي ينتمي للحزب الحاكم وداخل كل فرد في الداخلية.. واللي كلهم بيعبروا عنه بشكل خاطئ ويسموه: "الدولة"..!
منى: طب والإخوان؟
هاني: مالهم الإخوان؟
منى: فاهمين دة؟
هاني: أكتر مما تتصوري. فاهمين طبعا إن النظام أقوى منهم ومن الكل وإنهم اتهزموا في معركة السيطرة عليه أو إعادة تفصيله على مقاسهم. بالرغم من كل اللي بيعملوه، لكن بيصعبوا عليا. هما دلوقتي عاملين زي مريض بالسرطان، عارف إنه حيموت ولكن بيحاول يثبت إنه لسة فيه نفس. لكن في الآخر حيموت. مسألة وقت لا أكثر. طبعاً ممكن جيل جديد يطلع في الاخوان ويعيد إحياء فكرة الاخوان، ولكن دة حيبقى ابن الجماعة اللي بتحتضر دلوقتي. كل رهانتهم فشلت والنظام أثبت أنه قادر على تحمل هجوم نووي من سبع جهات مختلفة! حتى أمريكا نفسها فشلت في إنها تجبره على أي نوع من التنازل.. مش لأن النظام عايز استقلال وطني، ولكن لأن دي معركة بيخوضها من أجل إثبات قدرته على البقاء.
منى: أيوة، يعني أيه النظام في الآخر؟
هاني: عامل زي الفيل اللي في أوضة ضلمة وفيه خمس أشخاص حوله. واحد بيقول فيه في الأوضة خرطوم. والتاني بيقول فيه في الأوضة ودن كبيرة، والتالت بيقول فيه رجل ضخمة، وهكذا.. مفيش حد فيهم غلطان وإنما كل واحد فيهم بيصف الشيء اللي هو ماسكه. فيه ناس بتقول إن النظام هو مبارك. مبارك اتخلع بشكل يمكن الناس نفسها مكنتش متخيلة إنه يحصل بعد تمنتاشر يوم. بعدين جاء طنطاوي، واتخلع في عصر يوم عابر. ثم مرسي افتكر نفسه الفرعون الإله، لكنه أيضاً رحل بنفس سهولة اختراق سكينة سخنة في قالب زبدة. ودلوقتي الحاكم الفعلي هو الفريق السيسي.. وبرضه ممكن نلاقيه خلع البدلة وقعد في البيت ولبس البيجامة زي ما حصل مثلا مع أبو غزالة أو عبد الحكيم عامر قبل ما ينتحر أو أي حد قبل ما يختفي بطلوع السر الإلهي أو أي شيء آخر.. المقصود إن النظام في بلدنا لا يتوقف عند شخص ما، وإنما هو شيء أقوى من اللي بيتحدثوا باسمه أو يتصدروا الواجهة وكأنهم محصنين ضد الوفاة أو الاختفاء.
منى: طب مفيش فايدة؟
هاني: فيه نوعين من البشر: النوع الأول هو اللي متفائل دائماً وأنا أتمنى إنه يحتفظ بجزء من اتزانه عندما يصطدم بحقيقة الحياة. والنوع الثاني هو اللي مقتنع بإن هناك أشياء أكبر من قدرتنا على إصلاحها، وإنه من الحكمة التعامل معاها كما هي... أنا عارف إن دي رؤية سوداوية جداً، وأنا أتمنى إنك لا تتبنيها. من الجميل أن يكون فيه أمل. لكن بعد أكتر من سنتين ونصف من الأمل والإحباط والصدمة واليأس ثم تجدد الأمل ثم المزيد من الإحباط، يبقى من السذاجة إني أكون من النوع الأول.
منى: أستاذ هاني.. أنا بجد آسفة إني عطلتك.. لو كنت أعرف اللي حاتقوله مكنتش طلبت أقعد معاك!
هاني: صدقيني مش بقدر حزني على القهوة اللي بردت!