Sunday, 22 December 2013

على هامش الجنون.. أنت مع مين؟


هناك بعض النقاط التي يجب ذكرها قبل الإجابة على السؤال الذي بات توجيهه لي متكرراً: أنت مع مين؟ معانا ولا معاهم؟

أولاً: أنا لست شخصية عامة أو لدي أوهام الشخصية العامة كي يكون تحديد موقفي من ما يجري مهماً. لكن ما حدث بفضل طوفان شبكات التواصل الاجتماعي أن رأي المهتمين بالشأن العام (من منازلهم) أصبح سريع الوصول لعدد كبير من الناس. وأن من بين هذا العدد الكبير من الناس من هو مهتم بتصنيفك.

ثانياً: هذا السؤال يعكس وجهاً من ضمن أوجه كثيرة، لحالة الاستقطاب الحاد التي يمر بها المجتمع المصري. وهذا منطقي ومتوقع بعد تغيير أربع رؤساء خلال أقل من ثلاث سنوات. رقم قياسي بالنسبة لأي دولة تعصف بها كل هذا القدر من الاضطرابات السياسية والشعبية.

ثالثاً: ما سأقوله ليس دفاعاً عن نفسي وإنما يمكن التعامل معه باعتباره إقراراً مني بالأفكار التي آمنت بها خلال السنوات الثلاث الماضية، والتي قد تكون محل خلاف بين الناس حالياً. كما أن السطور القادمة، ينطبق عليها كما ينطبق على غيرها، قول الإمام الشافعي: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب.

أنا مع مين؟

في الحقيقة أنا لست مع أحد ولن أكون مع أحد بعينه. لأنني قد أقف اليوم مع أناس أعتقد أنهم على صواب، ثم تتغير الظروف فاضطر أن أقف ضدهم. لهذا فقد حسمت أمري مبكراً وقررت أن أقف مع مجموعة بسيطة من المبادئ والأفكار. ووفق هذه المبادئ والأفكار يمكن معرفة موقفي مما يجري.

أولاً: لا أستطيع بحكم جذوري العائلية التي تنتمي الى الطبقة الوسطى والتي ربما (وهذا ما لا أعلمه حالياً) كانت في أزمنة مضت تنتمي الى طبقاتٍ أفقر، أن أقف الى جانب الأثرياء أو النبلاء أو أترحم على العصر الملكي. لم يكن أحداً من عائلتي الكبيرة وزيراً للحقانية أو حاملاً للقب باشا أو نديماً لمولانا الملك أو أميراً من الأسرة العلوية أو نبيلاً من أصول تركية أو شركسية، أو كل هذه الأشياء التي يفتخر بها البعض للتأكيد على عدم انتمائهم لهذا الشعب "من الرعاع". أنا إذن من هؤلاء "الرعاع".

وبالتالي فإن تموضعي الطبيعي سيكون التعاطف دائماً مع الفقراء وغير القادرين على الوصول الى خدمات الصحة والتعليم الجيد بسبب ظروفهم الاقتصادية. وهذا التعاطف الذي ستجده موجوداً في تدويناتي، ليس حباً في الفقر أو تغزلاً في الفقراء، ولا إيماناً بفكر اشتراكي أو يساري، وإنما لأنني كنت سأكون، لولا مقادير الله، أحد هؤلاء الذين حصلوا على تعليم رديء وفشلوا في الحصول على خدمات صحية جيدة، وضاع عمرهم في البحث عن عملٍ كريم، ووصل بهم الحال الى نفس النقطة التي وصل إليها حال الكثيرين من أبناء مصر في أحيائها العشوائية وقراها النائية.

ثانياً: لا أستطيع أن أوافق على القتل أو أهلل له أو أمتدحه، بصرف النظر عن اختلافي أو اتفاقي السياسي مع المقتول.

كنت قد حذرت من وصول الإخوان المسلمين الى الحكم. وكتبت تدوينة شهيرة حملت عنوان "جمهوري إسلامي مصر" قبل الجولة الثانية من الانتخابات، أتخيل فيها حال مصر بعد عشر سنوات، في حال وصول محمد مرسي للحكم. ومن العجيب أنه هلل لهذه التدوينة ونشرها من اتهموني لاحقاً بأنني "إخوان مستتر"..!

وخلال السنة التي حكم فيها الاخوان مصر من خلال دميتهم مرسي، كتبت مجموعة من التدوينات التي حملت انتقاداً قاسياً لهم. بل وفي أكثر من تدوينة تنبأت بتدخل الجيش على النحو الذي حدث بعدها بأشهر. ولم أكن أبشر بهذا التدخل وإنما كنت أعتقد حينها، ولا أزال أحمل نفس الاعتقاد، أن تدخل الجيش لعزل مرسي لن يكون أمراً مثالياً أو جيداً على المسار الديمقراطي، ولكنه ضروري بسبب سياسات الاخوان في معاداة الجميع وما أظهروه من خطر على فكرة الدولة نفسها. كما أن هذا التدخل استدعاه مرسي نفسه عندما تخلى عن دوره كرئيس لكل المصريين وفضل أن يكون رئيساً لفصيلٍ منهم.

لكن عندما حدثت مذبحة فض رابعة، لم أستطع أن أعبر عن فرحتي وسروري في مقتل ستمائة شخص، على الرغم من اختلافي السياسي مع الحشد في رابعة واختلافي مع من دعوا للحشد واختلافي مع أهداف هذا الحشد. وفي تدوينة بعنوان "على هامش الجنون.. الإنكار لا يفيد!" كتبت أن ما حدث مذبحة وأنه لا يمكن الموافقة على قتل الناس.

على الجانب الآخر لم أستطع أن أتخيل أن هناك من يشمت في مقتل ضباط أو جنود في سيناء أو في أي بقعة من أرض مصر، أو القبول بالشماتة في اغتيال ضابط الأمن الوطني محمد مبروك. ولا أزال أشعر بالضيق الشديد من هؤلاء الذين يعتقدون أن القتل سيحقق أهدافهم السياسية أو سيدخلهم الجنة. أو أن الشماتة في الموت ستجعلهم أكثر ثورية من الآخرين!


فمع من أقف؟

بالتأكيد لن أقف مع القاتل ولن أعتبر أن فعل القتل أمرٌ يستحق الاحتفاء به!




ثالثاً: اختر طرفاً من الأطراف التالية، يمكن أن تحسب عليه: النشطاء، من يدعون أنهم يمثلون ثورة يناير، من يدعون أنهم "الفلول اللي مصلحتها على البلد"، الإخوان ومن يناصرون "الشرعية والرئيس المدني المنتخب ونضال رابعة"؟

لست ناشطاً ولم أكن يوماً ناشطاً ثورياً أو سياسياً أو رياضياً. تركت مصر وأنا ابن ثلاث سنوات، ولم أقم بها إقامة دائمة أو مؤقتة منذ عام ١٩٨٣. كنت أزورها على فترات متباعدة. لم أكن من الداعين أو المشاركين في ثورة يناير ٢٠١١ ولم أكن موجوداً حينها في مصر. كما لم أكن من الداعين أو المشاركين في احتجاج ٣٠ يونيو ولم أكن موجوداً حينها في مصر. المرة الأخيرة التي زرت فيها مصر كانت بعيد انتخاب مرسي رئيساً بأيام.

لا تربطني أي علاقات شخصية مع أي رمز ثوري أو ناشط معروف. لم أظهر في أجهزة الإعلام كمتحدث باسم ائتلاف أو حركة أو جبهة، ولم أكن عضواً في ٦ أبريل أو تمرد. كما أنني لم أوقع على استمارة تمرد. لكنني صوتت بـ"لا" على دستور الإخوان وقاطعت الجولة الأولى والثانية من الانتخابات الرئاسية.

أعتقد أنه من الظلم للنشطاء ومن يدعون أنهم يمثلون ثورة يناير ٢٠١١ أن يتم تصنيفي كواحد منهم! فأنا أكسل من أكون ناشطاً في أي شيء سوى في كتابة ما أعتقد أنه صواب!

أما بالنسبة "للفلول اللي مصلحتهم على البلد وبيحترموا اللواء البطل عمر سليمان الله يرحمه والفريق أحمد شفيق"، فموقفي من نظام الرئيس مبارك ورموزه بات معروفاً لدى الجميع. والحمد لله أنني تلقيت ولا أزال نصيبي من "جواهر وتحف" هذا الفريق الوطني المخلص.

وما ينطبق على الفريق السابق ذكره، ينطبق على فريق "الشرعية ومانديلا العرب مرسي". وقد تلقيت منهم أيضاً ما يشي بأن هناك فجوة كبيرة بين سماحة الدين الإسلامي العظيم وبين من يدعون أنهم يمثلونه!

وفي النهاية أعتقد أنه إذا كان لابد من تصنيفي، فإن السطور التي كتبتها سابقاً وأعيدها الآن هي أفضل ما يمكن أن يتم تصنيفي وفقها:

"بالرغم من كل التعقيدات المحيطة بالحالة المصرية لكن الحل يكمن في الاستجابة لثلاث كلمات، هي: الحرية، الكرامة، العدالة. فالناس بصرف النظر عن توجهاتها السياسية أو دعمها لمرسي أو مبارك أو السيسي أو أي شخص، تريد أن تشعر أنها قادرة على التعبير عن آرائها بحرية وأنه لا توجد وصاية عليهم من نظام ديني أو نظام عسكري. الناس أيضاً بصرف النظر عن توجهاتها السياسية تريد أن تشعر بكرامتها الإنسانية سواء في أقسام الشرطة أو المواصلات العامة أو العمل. الناس أيضاً بصرف النظر عن توجهاتها السياسية تريد أن تشعر أن هناك عدالة في المجتمع الذي تعيش فيها فيما يتعلق بقدرتهم على الوصول للخدمات والتعليم والصحة. الناس أيضاً بصرف النظر عن توجهاتها السياسية تريد أن تشعر أن هناك أملاً في مستقبل البلد الذي يعيشون فيه وأنه لا ينبغي عليهم التفكير الدائم في الهجرة من أجل تأمين مستقبل أبنائهم."

Friday, 20 December 2013

على هامش الجنون: احذر.. فقد تكون أنت التالي




بعد عزل الرئيس السابق محمد مرسي أصبح من الصعب تحديد تعريف واضح للجريمة الجماعية أو الجريمة الفردية.

مثلا وقعت بعض الجرائم من أفراد ينتمون الى جماعة الاخوان خلال احتجاجاتهم على عزل مرسي. وأدت هذه الجرائم الى وجود موجة غضب شعبي تدعو الى الانتقام من جميع أفراد الجماعة، بصرف النظر عن كونهم قد شاركوا في ارتكاب هذه الجرائم أم لا. وأصبح من الشائع قراءة مانشيتات في الصحف تقول: الاخوان يذبحون سائق تاكسي في المنصور.. أو الاخوان يحطمون واجهات المحال في الاسكندرية.. 

وما يقوله لنا العقل والمنطق في هذه المسألة أن مرتكب الجريمة هو الذي يحاسب بصرف النظر عن انتمائه لجماعة دينية أو عرقية ما. بمعنى أنه لا يجوز محاسبة جميع أفراد الجماعة بسبب تصرف فردي. 

لكن هناك بعض الاعتقادات الشعبية الشائعة (التي يغذيها الاعلام) تؤدي الى نتائج غير منطقية!

١. يعتقد بعض المصريين أن المنتمين لجماعة الاخوان لا ينتمون بالضرورة للشعب المصري. اعتقاد خاطئ ولكنه موجود.

٢. يعتقد المذكورون في النقطة الأولى أن رد الفعل الشعبي الجماعي الغاضب أو قمع الدولة المبالغ فيه لجميع أفراد الجماعة هو نتيجة طبيعية ومنطقية لسلوك بعض أفراد الجماعة. اعتقاد خاطئ أيضا لكنه موجود.

٣. من يعتقد بصحة ما هو موجود في النقطة الأولى والثانية يعتقد بأن جميع أفراد الاخوان ينتمون الى طائفة غريبة عن باقي الشعب المصري. اعتقاد خاطئ أيضا لكنه موجود.

٤. لكن من المدهش أن كل المؤمنين بالاعتقادات الواردة في النقاط الثلاث السابقة يعتبرون أن عملا ارهابيا في أوروبا أو أمريكا من قبل مسلم لا يبرر الاساءة الجماعية لجميع المسلمين في الغرب! مع أن التدقيق في المسألة يعني ببساطة أننا نتعامل مع نفس الحالة! فالبعض في المجتمعات الغربية يعتقد أيضا أن المسلمين طائفة غريبة على مجتمعاتهم وتريد هلاكها. 

قبل أن تتورط في معاداة المختلفين معك، تذكر أنه سيأتي يوم وتصبح أنت هو هذا الآخر الذي يطالب الآخرون بقمعه والتنكيل به!

الحل هو تطبيق القانون دون الانجرار الى الانتقام.

Sunday, 15 December 2013

على هامش الجنون: مرسي الديمقراطي والغرب


أحمد: طالب دراسات عليا في لندن. بروفيسور تيموثي ماكفرين (يعرف اختصاراً باسم تيم): أستاذ علوم سياسية أميركي ومستشار لوزارة الدفاع الأمريكية لشؤون الشرق الأوسط.


تيم: الذي حدث في مصر هو استهداف للديمقراطية في العالم العربي والعالم الثالث.

أحمد: كيف؟ لا أفهم؟

تيم: الجيش أثبت أنه لا يريد أن يفقد السلطة في مصر.

أحمد: أعتقد أن الوضع في مصر أعقد كثيراً مما تعتقد ومما أنت تقوم بتبسيطه عندما تقول إنه ضرب لما تسميه "الديمقراطية" في مصر والعالم العربي.

تيم: كيف؟

أحمد: أولاً لابد من الاعتراف أن العالم العربي منذ أن تحرر من فترة الاستعمار في أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وهو منشغل بصراعاته الداخلية أو بالصراع مع إسرائيل وهو الأمر الذي جعل من الصعب أن تنمو بذور أي نظام ديمقراطي في العالم العربي. ولكن لابد أيضاً من الإشارة هنا الى أن الولايات المتحدة لعبت الدور الأكبر في منع أي تطور ديمقراطي في العالم العربي.

تيم: الآن ستبدأ في إلقاء اللوم على الولايات المتحدة.. نحن بالمناسبة في واشنطن كان لدينا موقفاً داعماً للرئيس المنتخب مرسي.

أحمد: قبل التطرق الى موضوع الدعم الأمريكي لمرسي أو الديمقراطية في أعقاب ما يسمى بالربيع العربي، أعتقد أنه لابد للولايات المتحدة أن تعترف بأدوارها التاريخية التي باتت معروفة الآن في دعم كل الأنظمة الديكتاتورية في العالم العربي، بل وعقد الصفقات معها.
الولايات المتحدة لم تكن مهتمة لفترة طويلة بأي تطور ديمقراطي في مصر وذلك لأن أساس العلاقة مع القاهرة كانت تتلخص في حفظ السلام مع إسرائيل، وفي وجود القاهرة كطرف في المخططات الأمريكية الإقليمية مثل شحن المجاهدين والسلاح الى أفغانستان في الثمانينات من أجل محاربة السوفييت. أما العلاقة في سورية الأسد فكانت أيضاً مجموعة من الصفقات لعل من أبرزها المشاركة السورية في حرب الخليج 1991 مقابل ترك لبنان لنظام الأسد. الصفقات مع بن علي في تونس كانت معروفة للجميع وكان الأوروبيون طرفاً رئيسياً فيها. كانت تونس هي نموذج التنمية المفضل بالنسبة للغرب بالرغم من سجل بن علي المروع في حقوق الانسان. ولو اتجهنا شرقاً وتحديداً الى منطقة الخليج، فالكل يعلم ما هو شكل العلاقة بين الغرب وهذه الدول وكيف لم تطالب واشنطن حتى الآن بأي ديمقراطية في دول الخليج! وبالتالي  لم يكن الغرب حريصاً على إقامة أي نظام ديمقراطي في العالم العربي.

تيم: لكن مرسي كان بدايةًَ جيدة لصنع مسار ديمقراطي في مصر بعد الانتفاضة الشعبية في يناير 2011.

أحمد: كلامك كان سيكون صحيحاً لو لم يكن مرسي أول المنقلبين على الديمقراطية في مصر عندما أصدر إعلانه الدستوري أو عندما سمح لميليشيا بتعذيب الناس على أسوار قصره الرئاسي فيما عرف بأحداث الاتحادية. لا بد أن نتذكر أن أحد الأسباب الرئيسية لقيام ثورة يناير أو ما تسميها أنت انتفاضة يناير 2011، هو قمع وزارة الداخلية المنهجي الذي كانت تمارسه بحق المواطنين سواء في القضايا السياسية أو الجنائية، وأن هذه الوزارة التي تحولت الى الذراع المكلف بالبطش لنظام مبارك، كانت هي التي تم الانتقام منها خلال أيام الثورة على مبارك. حاول أن تشرح لي كيف لم يكن من ضمن أولويات أول رئيس منتخب بعد الثورة أن يعمل على إصلاح وزارة الداخلية وإعادة هيكلتها من أجل أن تقوم بحفظ الأمن وفي نفس الوقت ألا تتورط في انتهاكات لحقوق الانسان. ما حدث أن مرسي وخلال خطابات مسجلة ومذاعة حاول أن تكون الداخلية هي ذراعه الأمني بل وقال عنها إنها "في القلب من ثورة يناير". لم يكن هدف مرسي، وكي نكون منصفين جماعة الاخوان التي كانت تحركه، إصلاح وزارة الداخلية. بل كان هدفهم الرئيسي كيف أن تعمل هذه الوزارة لخدمتهم كما كانت تفعل مع نظام مبارك.
وبالتالي قبل أن تحدثني عن مرسي "الديمقراطي" لابد أولاً أن تحدثني عن إرثه "الديمقراطي".

تيم: لكن هل تعتقد أن الجيش هو من سيقوم بصنع الديمقراطية في مصر؟!

أحمد: لا أحد من الذين يؤمنون بأن إصلاح مصر يكمن في صنع نظام ديمقراطي قوي وفعال وقادر على تطبيق مبادئ المساواة بين المواطنين وتوفير الفرص المتساوية لهم في الحياة والعمل والتعليم والمشاركة السياسية، لديه أي أوهام حول دور الجيش في الحياة السياسية أو أن الجيش يمكن أن يكون صانعاً للديمقراطية في مصر. ولكن لابد أيضاً من فهم طبيعة الحالة المصرية. هذه دولة يعتبر فيها الجيش الشبكة المركزية الوحيدة التي تربط أوصالها، وبالتالي فإن أي تفكك لهذا الجيش يعني وقوع البلاد في أتون حرب أهلية، ستجعل ما يحدث في سورية الآن يبدو كنكتة. من المهم أن يكون الجيش أحد الأطراف الموجودة على الطاولة بالإضافة الى قوى المجتمع الأخرى عند الحديث عن مستقبل الدولة أو شكلها، ولكن من غير المقبول أن يكون الجيش بعيداً عن المحاسبة أو المراقبة لأن ذلك سيعيد سيناريو ما حدث في ستينيات القرن الماضي عندما كان قائد الجيش هو المشير عبد الحكيم عامر.
ولكني بالطبع أتفهم الغضب الأمريكي من الجيش المصري بسبب كسره لقواعد العلاقة مع الولايات المتحدة عندما أطاح بحليف واشنطن في المنطقة، الرئيس مرسي، والذي لعب دوراً مهماً في التهدئة الأخيرة بين حماس وإسرائيل، وكان مستعداً لفعل المزيد من أجل ضمان المصالح الأمريكية في المنطقة. وعلى أي حال فإن وفوداً من جماعة الإخوان جاءوا الى لندن والتقوا بنواب في لجان العلاقات الخارجية في مجلس العموم وقدموا وعوداً بأنهم سيكونون أوفياء للمصالح الغربية إذا ما ساعدهم الغرب على العودة الى الحكم في مصر. وهكذا فعلوا عندما ذهبوا الى واشنطن مؤخراً.

تيم: إذن كيف تنظر الى المستقبل الآن وقد بدا أنه لا الإخوان، وفق ما تقول، أو الجيش يريدون أو يرغبون في ديمقراطية في مصر؟

أحمد: بالرغم من كل التعقيدات المحيطة بالحالة المصرية لكن الحل يكمن في الاستجابة لثلاث كلمات، هي: الحرية، الكرامة، العدالة. فالناس بصرف النظر عن توجهاتها السياسية أو دعمها لمرسي أو مبارك أو السيسي أو أي شخص، تريد أن تشعر أنها قادرة على التعبير عن آرائها بحرية وأنه لا توجد وصاية عليهم من نظام ديني أو نظام عسكري. الناس أيضاً بصرف النظر عن توجهاتها السياسية تريد أن تشعر بكرامتها الإنسانية سواء في أقسام الشرطة أو المواصلات العامة أو العمل. الناس أيضاً بصرف النظر عن توجهاتها السياسية تريد أن تشعر أن هناك عدالة في المجتمع الذي تعيش فيها فيما يتعلق بقدرتهم على الوصول للخدمات والتعليم والصحة. الناس أيضاً بصرف النظر عن توجهاتها السياسية تريد أن تشعر أن هناك أملاً في مستقبل البلد الذي يعيشون فيه وأنه لا ينبغي عليهم التفكير الدائم في الهجرة من أجل تأمين مستقبل أبنائهم.

تيم: لكن هذا سيأخذ وقتاً طويلاً..

أحمد: إذن لابد من البدء الآن!


Monday, 18 November 2013

مصر وعشرون درساً مستفاداً من أزمتها

التقطت هذه الصورة من سطح مبنى في العجوزة - فبراير ٢٠١١
بالتأكيد الفترة اللي المصريين عايشينها دلوقتي من أصعب الفترات اللي مرت عليهم في الخمسين سنة الأخيرة، بس بالرغم من دة لا تخلو من فوائد ودروس:

أول درس: مهما كان عندك فلوس وعايش في كمبوند مغلق فإن المصائب حتصلك. التمترس ورا فلوسك مش حيحميك من اضطراب الأوضاع الأمنية والاقتصادية للبلد.
تاني درس: لو أنت عايش في مجتمع، الفقير بيلاقي احتياجاته، فإن نسبة الجريمة بتقل. لو عايش في مجتمع الناس فيه مش لاقية تاكل، فاحتمال إنك تتاكل!
تالت درس: إن الديمقراطية مش هي مشكلة مصر. المشكلة الحقيقية هي انعدام أي عدالة اجتماعية وفشل نظام التعليم والصحة وانتشار الجهل بين المتعلمين!
رابع درس: البلاد اللي مفهاش تداول سلطة منتظم أو ديمقراطية على النمط الغربي، لكن فيها قدر من احترام حقوق الانسان وكرامته، الاضطرابات فيها بتقل.
خامس درس: تحدي مصر الحقيقي هو في صنع مدن صناعية عملاقة ومراكز أعمال حرة تقدر تشيل باقي الاقتصاد. حاجة زي تجربة الهند في حيدر أباد أو مومباي.
سادس درس: مينفعش تنتقل من الديكتاتورية الى ديمقراطية كاملة وتعددية دون المرور بمرحلة انتقالية طويلة، يكون التركيز فيها على الاصلاح الاقتصادي.

سابع درس: الفترة الحالية أثبتت فشل تجربة الحكم الديني وتجربة الحكم العسكري والحل لازم يكون الخروج برة الثنائية اللي جابت جاز ومعندهاش حلول.
ثامن درس: الأزمة الحالية أثبتت إن مفيش دولة ولكن فيه نظام حاكم ممكن يستحمل شتاء نووي ويفضل عايش! وبالتالي مفيش تعليم أو خدمات ولكن فيه قمع!
تاسع درس: لو عايز حل دائم لأزماتك السياسية، اكتب دستور يعبر عن حقوق الناس وتطلعاتها. دستور مش متفصل لخدمة فئة بعينها، أو مشغول بلبس المرأة!
عاشر درس: مينفعش الناس اللي أوصلتنا للأزمة اللي إحنا فيها، تبقى هي نفس الناس اللي حتطلعنا منها. لازم تغيير كل الوجوه القديمة من كل التيارات.
الدرس الحداشر: رجوع مرسي للحكم أو وصول السيسي للحكم مش الحل لمشاكل مصر. الحل هو تغيير طريقة نظر السلطة لحقوق الناس وصنع رؤية واضحة للمستقبل.
الدرس الاتناشر: مفيش احتجاج ثوري دائم لأن الناس بتزهق. الطريق لأي تيار ثوري هو دخول البرلمان عبر العمل على الأرض من خلال نشر الوعي والخدمات.
الدرس الثالث عشر: لا يمكن القضاء على مشروع، مهما كان سيء أو فاشل، بالقمع. كي تقضي على مشروع فكري ينبغي تقديم مشروع بديل يعبر عن مشاكل الناس.
الدرس الرابع عشر: أحسن وصف لمصر كان من مستشرق روسي قال عنها "رأس كبيرة وجسد نحيل". لو عايزين مستقبل ينبغي العمل على تنمية الصعيد بشكل عاجل.
الدرس الخامس عشر: مصر تحتاج إعادة التفكير في وضعها في المنطقة والتحالفات طويلة الأمد اللي ممكن تخدم مصالحها. سياسة كيد العزال فشلت بامتياز!
الدرس السادس عشر: أي حاكم بدون مشروع اقتصادي واجتماعي حيفشل والناس حتنزل الشوارع. مفيش حصانة لحد أو قدرة لأي مؤسسة على الوقوف قدام الطوفان.
الدرس السابع عشر: ينبغي التخلي عن أوهام "الريادة" و"الحضارة العظيمة" و"أم الدنيا أد الدنيا" لأن كل دة لا ينفي حقيقة وضعنا كأمة فشلت في كل شيء!
الدرس الثامن عشر: لما يكون عندك كل قطاعات الدولة فاشلة وفاسدة، فلا تعتقد إن فيه قطاع بعينه متفوق ونظيف وزي الفل ولديه حصانة من الفشل والفساد.
الدرس التاسع عشر: مصر عاملة زي اليابان بعد ضربها بالقنابل الذرية. محتاجين نغير طريقة التفكير في أولوياتنا كأمة والتركيز على التعليم والصناعة والتكنولوجيا.
الدرس العشرين: "مصر محمية من ربنا" فكرة خاطئة. فيه سنن لله في الأرض وهي تنطبق علينا زي ما بتنطبق على أي أمة أخرى. ما اشتغلتش مش حتلاقي تاكل. ما احترمتش كرامة المواطن، مش حتلاقي أمن. ما طورتش وأصلحت التعليم، مش حيكون عندك مستقبل.

Saturday, 16 November 2013

على هامش الجنون: حوار عابر


على متن طائرة من طراز أيرباص ٣٣٠ متجهة الى القاهرة، دار الحوار التالي بين الراكب في المقعد رقم 27A و الراكب في المقعد رقم 27B.

المقعد 27B: بقالك كتير ما نزلتش القاهرة؟
المقعد 27A: بقالي حوالي سنة ونص.
المقعد 27B: ليه؟
المقعد 27A: ليه أيه؟
المقعد 27B: ليه ما نزلتش كل المدة دي؟
المقعد 27A: سفر لمدن تانية حول العالم بسبب ظروف العمل.
المقعد 27B: أنا بقى بانزل كل أسبوعين مرة وأقعد أسبوع.
المقعد 27A: ازاي؟
المقعد 27B: ازاي أيه؟
(ضحك مشترك)
المقعد 27B: أنا شغال مهندس بترول على منصة بحرية وبسبب طبيعة العمل اللي ممكن تؤدي الى الاكتئاب والانتحار في عرض البحر فالشغل بيدينا تذاكر سفر كل أسبوعين وأجازة لمدة أسبوع.
المقعد 27A: على كدة أنت كأنك عايش في مصر.
المقعد 27B: تقدر تقول كدة.
المقعد 27A: طيب فيه حاجة مش عارف هي أيه وبلاقي أحيانا صحابي بيتكلموا عنها واسمها كايرو زووم.. أيه كايرو زووم دي؟
المقعد 27B: دة موقع على النت متخصص في صور الحفلات في القاهرة.
المقعد 27A: حفلات من أي نوع؟
المقعد 27B: كل الحفلات اللي فيها أجانب مقيمين في القاهرة أو عيال كل مؤهلاتها إن أبوها عنده على الأقل ١٥٠ مليون جنيه وأمه سيدة مجتمع تافهة بتشغل منصب غير مهم في جمعية خيرية متخصصة في تظبيط حفلات عشاء فاخرة لرجال الأعمال تحت عنوان التبرع لإقامة مدرسة في حي شعبي! طبعا العيال دي ما بتتكلمش غير كلمة عربي كل سبع كلمات انجليزي وبتدرس إدارة أعمال في جامعة خاصة ملهاش تصنيف أكاديمي، واستحالة العيال دي تقدر على العيشة في أوروبا أو أمريكا اللي كلها شقا ومفهاش وسايط، ولكن تقدر تعيش في القاهرة حيث كل شيء مسخر لخدمتها، من أول كسر إشارة المرور وإهانة أتخن ضابط مرور أو مواطن عادي كسر على سيادته في الشارع، لحد الطلوع من قضية مخدرات أو سكر بنفس سهولة ورقة كلينكس من علبة جديدة. والسبب طبعا السيد والده.. رجل الأعمال اللي عنده مجموعة شركات أنابيب مجاري ومكاتب هندسية متخصصة في تصميم أرصفة الشوارع.. وكلها شركات لو دققت في حجم أعمالها حتلاقيها ما بتعملش حجم الفلوس المهولة اللي عند أبوه، واللي لو دققت في علاقات أبوه حتلاقي إنها بسبب عمله كواجهة لسياسي مهم في البلد، أو غسالة أموال لنشاطات مشبوهة. وطبعا أبوه ممكن جداً يكون شريك في قناة تلفزيونية أو جرنال ثوري بيتكلم عن الحرية والعدالة الاجتماعية وحقوق الشهدا.. ولو اقتربت من شخصية السيد والده ممكن تكتشف إنه كان في شبابه طالب ثوري في الجامعة ومعارض للسلطة ودخل المعتقل ولكن لما طلع اكتشف إن قدامه طريقين: إما يفضل معارض وياخد على دماغ اللي خلفوه، أو يبقى خدام مطيع لمن في السلطة.. ولأنه أصلا مهندس، فقدر بشوية فهلوة وإكراميات ياخد عقود حكومية في بداية حياته ويراضي الموظفين المشرفين على المشروع.. ومشروع ورا مشروع وكام حفلة عشا، عرف يكون نديم ظريف لسياسي مهم، عنده فلوس مش لازم تكون محل جدل، ومن هنا بدأ مشروعه كغسالة أو فاترينة! ... هي دي كايرو زووم!
المقعد 27A: قصدك هي دي مصر..
المقعد 27B: ما فرقتش كتير!
(بعد فترة صمت)
المقعد 27B: حتقعد كتير في مصر؟
المقعد 27A: لا.. إن شاء الله حارجع على أول طيارة!


Thursday, 14 November 2013

التعليم: أين الخلل؟

الصورة من داخل المركز الدولي للمؤتمرات في الدوحة حيث عقدت قمة الابتكار في التعليم
خلال سنوات الدراسة في المرحلة الابتدائية، والتي قضيتها في دولة الإمارات، لم أكن من الثلاثة الأوائل في أي صف دراسي انضممت إليه. لكن كانت المدرسة (وهي كاثوليكية لبنانية) لديها تقليد بتكريم العشرة الأوائل في كل صف، وكنت أجد نفسي إما في المركز التاسع أو العاشر!

خلال السنوات الثلاث من المرحلة الإعدادية والتي قضيتها بين الإمارات وقطر، قفزت الى احتلال المركز الأول على مستوى المدارس التي انضممت إليها. واستمر التفوق خلال السنة الأولى والثانية من المرحلة الثانوية والتي انتهت بكارثة مروعة في السنة الثالثة والأخيرة من الثانوية العامة! من ٩٩٪ و٩٤٪ الى ٧٤٪.. درجة لا تسمح بدخول أي كلية من تلك التي يطلقون عليها كليات القمة!

لكن الكارثة الأكبر أن النظام التعليمي الذي سمح لي بالتفوق في مراحله المختلفة لم يسمح لي بمعرفة ما أريد أن أدرسه في الجامعة وما أريد أن أمارسه في حياتي العملية. لذا دخلت الى الجامعة دون معرفة ما الذي يستهويني. تصورت لعام كامل أن برمجة الكمبيوتر هي الحل، لكن وجدت أنني لست مغرماً بالرياضيات. نجحت في الانضمام الى كلية الاقتصاد واستطعت أن انهيها بتفوق خلال ثلاث سنوات فقط (الجامعة التي درست بها في قطر تعمل وفق نظام الساعات الأمريكي)، لأتخرج منها وأعمل في الصحافة..! كلها حلقات ليست لها نهايات منطقية.

مر شريط ذكرياتي مع التعليم في عقلي وأنا لا أزال على مدرج الإقلاع في مطار هيثرو، متوجهاً الى الدوحة لحضور القمة الخامسة للابتكار في التعليم. حضرت قبل ذلك قمماً سياسية واقتصادية بل وسياحية، ولكن هذه كانت المرة الأولى التي سأحضر فيها قمةً دولية عن التعليم، والذي يعد أحد المواضيع المفضلة لأي مرشح سياسي، دون أن يقدم خطة واضحة لإصلاح التعليم. وإذا وصل هذا السياسي الى الحكم يظل التعليم كما هو دون أي تغيير أو إصلاح. حلقة مفرغة من الفشل الذي توارثته الأجيال جيلاً بعد جيل!

وصلت الى الدوحة وبدأت في حضور جلسات القمة التي روعي فيها أن تكون مصممة مثل الجلسات النقاشية. مجموعة من الضيوف الذين يتحاورون مع جمهور محدود. هنا بدأت في معرفة تجارب دول لم أكن أتخيل أنها قطعت شوطاً كبيراً في عملية تطوير التعليم. دول مثل فنلندا وكوريا الجنوبية. تجارب بها قدر من الابتكار والتميز من الأرجنتين وتشيلي وماليزيا. كان واضحاً أن الدول التي تمتلك مشروعاً صناعياً واقتصادياً كبيراً تسعى لتطوير أنظمة تعليمها من أجل مواكبة هذه المشاريع.

لكن بالطبع كانت دول المنطقة العربية في المؤخرة في هذا المجال. فمعظم دول المنطقة العربية فشلت في التنمية الاقتصادية أو الصناعية بسبب فشلها في التنمية البشرية. ولم يكن غريباً اكتشاف أنه لا توجد أي رؤية واضحة لإصلاح التعليم في العالم العربي.

حتى تجارب التعليم الجيدة في العالم العربي ظلت مقترنة بالجامعات والمدارس الخاصة، والتي لا يستطيع التعلم فيها سوى أبناء الطبقة المقتدرة مالياً. وهو ما يعني إبقاء فرص الصعود الاجتماعي والاقتصادي محصورة بين أبناء الطبقة المقتدرة مالياً وحرمان الفقراء من أي فرص للصعود الاجتماعي. وحتى بعد أن يحصل أبناء الطبقة المقتدرة مالياً على فرص جيدة في التعليم، فإنهم يسارعون للخروج من العالم العربي بسبب الاضطرابات السياسية.

الحوارات التي جرت على هامش القمة مع خبراء أتوا من كل مكان في العالم للحديث عن التعليم وكيفية تطويره، كشفت بشكل مفزع عن حجم الفجوة بين العالم العربي وبين بقية أنحاء العالم في مجال التعليم، وأجابت لي عن سؤال ظل يراودني لفترة طويلة: لماذا فشل النظام التعليمي في أكثر من دولة في اكتشاف ما الذي كنت أريد دراسته!
  

Monday, 7 October 2013

أتعلمين ما هو النظام يا صفية؟

الصورة تم التقاطها في قرية شوڤيني الفرنسية في الأول من يوليو ٢٠١٣

بينما كان يستمتع بقراءة رواية تاريخية على جهاز أيباد يحمله بيده اليسرى، كانت يده اليمنى على وشك أن تحمل فنجانه الورقي المليء بالقهوة السوداء، وذلك قبل أن تباغته "منى" بالسؤال الأكثر غباءً في غرب أوروبا: أستاذ هاني.. بتعمل أيه هنا؟
ـ باتشمس..!
فوجئت بالإجابة، ولكنها لم تمنع نفسها من أن تقول له: ممكن انضم لحضرتك؟
ـ طبعاً.
ثم اتبعت ذلك بالجملة التقليدية: أتمنى ما أكونش مضايقة حضرتك.
ـ خالص!
بكل براءة سألته: أستاذ هاني، تفتكر فيه أمل؟
أجابها بنصف ابتسامة: لا طبعاً مفيش أمل.. بصرف النظر إني مش عارف بالضبط قصدك أيه بالأمل في هذا السياق.
منى: قصدي أمل في إن اللي بيحصل يتغير، في إننا نغير النظام ونبني نظام جديد..
هاني: امممم... النظام. لا اطمني يا عزيزتي النظام دة أكبر مننا كلنا.. أكبر من أي حد بمن فيهم من يدعون أنهم رؤوس النظام. النظام هو ذلك الشيء الذي لا نراه ولكننا نشعر بوجوده دائماًَ..!
منى: مش فاهمة؟ ليه ما نقدرش نحطم السلطة القائمة ونبني نظام جديد مبني على العدل..
هاني: طيب يبدو إننا محتاجين نفكك الجملة العظيمة اللي قولتيها.. أولا العدل دة ممكن تقرأي عنه في الروايات أو تحلمي بأنه يحصل يوماً ما.. وهو على أي حال بيحصل أحياناً على مستوى الأفراد. ولكن مفيش حاجة اسمها نظام مبني على العدل. النظام مالهوش علاقة بالقيم، وإنما هو كل العلاقات اللي بتنظم عمل السلطة.. وبالتالي فهناك فرق كبير بين السلطة والنظام. السلطة دي متغيرة إنما النظام دة مستمر. لا بيتهد ولا بيتغير..
منى: مش فاهمة؟ يعني أيه النظام ما بيتهدش.. التاريخ أثبت إن دة مش مضبوط..
هاني: بالعكس، التاريخ أثبت إن دة صحيح.. الدولة في بلدنا ضعيفة.. دائماً تبحث عن هيبتها علشان تدافع عنها. إنما النظام في بلدنا عامل زي طواحين الهواء في رواية "الدون كيخوته"، وكل محاولات هدم النظام هي محاولات عبثية تشبه محاولات صديقنا الفارس النبيل الدون كيخوته اللي كان متخيل إن طواحين الهوا وحوش عملاقة ممكن يقضي عليها.
منى: ممكن مثال محدد؟
هاني: مثلا حصل انقلاب عسكري في يوليو ٥٢. بعد كدة تحول الى ثورة علشان المشروع الاجتماعي والاقتصادي.. بصرف النظر هو انقلاب أم ثورة، لكن الضباط اللي ألغوا النظام الملكي لم يلغوا النظام. النظام في مصر بدأ لما محمد علي باشا عمل مذبحة القلعة وقضى على سلطة المماليك. كان عنده رؤية إنه عايز مصر مملكة لنفسه ولولاده من بعده. هو مجرد تاجر دخان وبلطجي معروف في بلدة "قولة"، قبل ما يدخل الجيش العثمانلي. علشان تاجر الدخان يبقى عنده مملكة لنفسه ولولاده من بعده، راح بنى جيش قوي. وربط كل الصناعات والخدمات بالجيش دة، بهدف إنه يبتز القوى الإقليمية وأولها الباب العالي في الآستانة من أجل إنهم يمنحوه مملكة في هذه الولاية العثمانلية.. وقد كان له ما أراد. من الوقت دة، يعني قبل مئتين سنة ولحد هذه اللحظة والجيش في مصر هو أحد أوجه فكرة النظام. النظام هنا مش المقصود به التعبير الانجليزي The Regime وإنما هو أقرب روحاً لفكرة The Establishment أو "المؤسسة". هذا الكيان الوهمي الموجود داخل عقلية كل موظف عمومي وداخل كل سياسي ينتمي للحزب الحاكم وداخل كل فرد في الداخلية.. واللي كلهم بيعبروا عنه بشكل خاطئ ويسموه: "الدولة"..!
منى: طب والإخوان؟
هاني: مالهم الإخوان؟
منى: فاهمين دة؟
هاني: أكتر مما تتصوري. فاهمين طبعا إن النظام أقوى منهم ومن الكل وإنهم اتهزموا في معركة السيطرة عليه أو إعادة تفصيله على مقاسهم. بالرغم من كل اللي بيعملوه، لكن بيصعبوا عليا. هما دلوقتي عاملين زي مريض بالسرطان، عارف إنه حيموت ولكن بيحاول يثبت إنه لسة فيه نفس. لكن في الآخر حيموت. مسألة وقت لا أكثر. طبعاً ممكن جيل جديد يطلع في الاخوان ويعيد إحياء فكرة الاخوان، ولكن دة حيبقى ابن الجماعة اللي بتحتضر دلوقتي. كل رهانتهم فشلت والنظام أثبت أنه قادر على تحمل هجوم نووي من سبع جهات مختلفة! حتى أمريكا نفسها فشلت في إنها تجبره على أي نوع من التنازل.. مش لأن النظام عايز استقلال وطني، ولكن لأن دي معركة بيخوضها من أجل إثبات قدرته على البقاء.
منى: أيوة، يعني أيه النظام في الآخر؟
هاني: عامل زي الفيل اللي في أوضة ضلمة وفيه خمس أشخاص حوله. واحد بيقول فيه في الأوضة خرطوم. والتاني بيقول فيه في الأوضة ودن كبيرة، والتالت بيقول فيه رجل ضخمة، وهكذا.. مفيش حد فيهم غلطان وإنما كل واحد فيهم بيصف الشيء اللي هو ماسكه. فيه ناس بتقول إن النظام هو مبارك. مبارك اتخلع بشكل يمكن الناس نفسها مكنتش متخيلة إنه يحصل بعد تمنتاشر يوم. بعدين جاء طنطاوي، واتخلع في عصر يوم عابر. ثم مرسي افتكر نفسه الفرعون الإله، لكنه أيضاً رحل بنفس سهولة اختراق سكينة سخنة في قالب زبدة. ودلوقتي الحاكم الفعلي هو الفريق السيسي.. وبرضه ممكن نلاقيه خلع البدلة وقعد في البيت ولبس البيجامة زي ما حصل مثلا مع أبو غزالة أو عبد الحكيم عامر قبل ما ينتحر أو أي حد قبل ما يختفي بطلوع السر الإلهي أو أي شيء آخر.. المقصود إن النظام في بلدنا لا يتوقف عند شخص ما، وإنما هو شيء أقوى من اللي بيتحدثوا باسمه أو يتصدروا الواجهة وكأنهم محصنين ضد الوفاة أو الاختفاء.
منى: طب مفيش فايدة؟
هاني: فيه نوعين من البشر: النوع الأول هو اللي متفائل دائماً وأنا أتمنى إنه يحتفظ بجزء من اتزانه عندما يصطدم بحقيقة الحياة. والنوع الثاني هو اللي مقتنع بإن هناك أشياء أكبر من قدرتنا على إصلاحها، وإنه من الحكمة التعامل معاها كما هي... أنا عارف إن دي رؤية سوداوية جداً، وأنا أتمنى إنك لا تتبنيها. من الجميل أن يكون فيه أمل. لكن بعد أكتر من سنتين ونصف من الأمل والإحباط والصدمة واليأس ثم تجدد الأمل ثم المزيد من الإحباط، يبقى من السذاجة إني أكون من النوع الأول.
منى: أستاذ هاني.. أنا بجد آسفة إني عطلتك.. لو كنت أعرف اللي حاتقوله مكنتش طلبت أقعد معاك!
هاني: صدقيني مش بقدر حزني على القهوة اللي بردت!