Tuesday, 27 January 2015

ملكٌ جديد في مملكة ابن سعود


ينظر البعض للمملكة الصحراوية باعتبارها خزاناً كبيراً للنفط. ولكنها خلال أعوامها الثمانين استطاعت أن تجد لها أهمية أكبر من فكرة ارتباطها بالنفط. فالسعودية اليوم هي أحد المفاتيح الرئيسية لإقليم الشرق الأوسط، وهي أحد الخطوط الأمامية لأي مواجهة للغرب مع إيران.
كما أن لديها تأثيراً ضخماً في محيطها. يكفي أن السعودية التي يبلغ تعداد سكانها حوالي ٢٨ مليوناً، قادرة على التأثير في بلد بحجم مصر والتي يبلغ تعداد سكانها نحو تسعين مليوناً، بسبب العمالة المصرية. وهو ما انعكس في تغيرات اجتماعية وثقافية حدثت لقطاعات واسعة من المجتمع المصري عندما بدأت هذه العمالة في العودة إلى بلدها محملة بمفاهيم، تأثرت بثقافة أهل المملكة.
كما لابد من الالتفات إلى الثقل الديني للمملكة السعودية، والإنفاق المالي الضخم على الترويج لهذا الثقل في بلاد العالم الإسلامي من خلال المراكز الإسلامية التي تمولها السعودية والتي تتبنى تفسير الإمام محمد بن عبد الوهاب للإسلام.
لكن أهمية المملكة في هذا التوقيت بالذات تأتي من أنها على شفا مرحلة من التغيرات العميقة التي قد يكون لها تأثيرات هائلة على محيطها الإقليمي، وخصوصاً دول الخليج.
معضلة انتقال الحكم
بعد رحيل الملك فهد بن عبد العزيز في عام 2005، كان المهتمون بالشأن السعودي يعلمون أن ولي العهد عبد الله بن عبد العزيز سيخلف أخاه، وأن الأمير سلطان سيكون ولياً للعهد، والأمير نايف، وزير الداخلية، ولياً لولي العهد، وأن الأمير سلمان سيكون على خط وراثة الحكم في المملكة التي تأسست قبل أكثر من ثمانية عقود.
لكن ما حدث بعد ذلك جعل خط الحكم الأول في السعودية ينتقل الى جيل أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود. فولي العهد سلطان رحل عن الحياة عام 2011، وبعده بعام واحد رحل ولي العهد الأمير نايف بن عبد العزيز، ليصبح الأمير سلمان ولياً للعهد والأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً لولي العهد. وبهذه التركيبة لبيت الحكم السعودي كان الجدل في الدوائر الأكاديمية المهتمة بالشأن السعودي في الغرب منصباً على من سيكون ولياً للعهد في حال وفاة عبد الله وسلمان. فالنظام الوراثي للحكم في السعودية فريد من نوعه. فالحكم لا ينتقل لأبناء الملك ثم لحفيده، ولكن ينتقل بين أبناء الملك عبد العزيز، ثم أبنائهم من بعدهم، وهو ما يعني أن ابن الملك لن يكون ولياً للعهد كما هو الحال في الملكيات الأخرى حول العالم.
هذا النظام الفريد في وراثة الحكم جعل الجميع ينظر باهتمام بالغ الى قرار الملك سلمان بتعيين محمد بن نايف، وزير الداخلية ونجل ولي العهد الراحل، ولياً لولي العهد الأمير مقرن بن عبد العزيز، والى قراره الآخر بتعيين نجله الأمير محمد بن سلمان وزيراً للدفاع ورئيساً للديوان الملكي خلفاً لخالد التويجري الذي كان يشار إليه من قبل المهتمين بالشأن السعودي في السنوات الأخيرة من حكم عبد الله بن عبد العزيز باعتباره شخصاً يلعب أدواراً مهمة في صياغة السياسات الداخلية في المملكة.
التحديات الداخلية
تصدر أحفاد عبد العزيز المشهد السعودي ووصولهم الى الخط الأول للحكم يعتبر أحد التحديات الداخلية الرئيسية بالنسبة للملك الجديد سلمان بن عبد العزيز، خصوصا وأن هنا طبقة واسعة من أبناء الملوك الراحلين الذين يرغبون في أن يدخلوا على خط الحكم. ولعل علامة الاستفهام الأبرز هي حول الوضع القادم للأمير متعب بن عبد الله بن عبد العزيز والذي يرأس الحرس الوطني.
التحدي الداخلي الثاني هو ما يجري في المنطقة الشرقية من المملكة النفطية من توترات بين سلطات الأمن وبين المواطنين الشيعة والذين يشعرون بأنهم مهمشون في التنمية، كما أن لديهم مطالب بحرية أكبر في ممارسة شعائرهم الدينية.
أما التحدي الثالث فهو انخفاض أسعار النفط وهو ما سيؤدي الى إجراء إصلاحات اقتصادية قد تعني خفض الإنفاق الداخلي على مشاريع التنمية، وربنا تؤثر أيضا على قدرة المملكة في دعم حلفائها في الإقليم.
التحديات الخارجية
بعيداً عن التحديات الداخلية هناك مجموعة من التحديات الخارجية التي سيكون على الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز التعامل معها وعلى رأسها ملف إيران، والذي يحمل بداخله أوراقاً إقليمية شديدة الحساسية بالنسبة للسعودية ومنها الوضع في اليمن ودعم حزب الله في لبنان والوضع في سورية والمفاوضات بين الغرب وطهران حول برنامجها النووي.
التحدي الخارجي الثاني هو استمرار الاضطرابات في الإقليم. فثورات الربيع العربي لم تطح بأنظمة الحكم في دول المنطقة فحسب، وإنما بدأت في إعادة بناء المنطقة جيوسياسياً. وهو ما سيشكل تحدياً أمام مملكة لم تكن مرحبة بها كما حدث مع الحالة المصرية واليمنية والبحرينية، فيما دعمتها كما حدث في الحالة الليبية ويحدث حالياً في الحالة السورية.
وكانت السعودية قد خسرت أهم حليفٍ إقليمي لها عندما تم الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك. ووفق تعبير أحد رجال الأعمال السعوديين المقربين من بيت آل سعود فإن "مبارك كان من الخطوط الرئيسية للدفاع عن المملكة في إقليم الشرق الأوسط"، كما أنه كان شريكاً رئيسياً في الحرب الباردة مع إيران. لكن المملكة استطاعت أن تعوض ذلك عبر الاستثمار بكثافة في بناء حلف جديد مع الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.
على الصعيد الخليجي، فإن الملك الجديد يتمتع بعلاقات دافئة مع جميع حكام الخليج. لكن هذه العلاقات الدافئة قد لا تمنع قطر وسلطنة عمان من التحليق خارج السرب الخليجي الذي تقوده الرياض. فالدوحة دعمت جماعة الإخوان في مصر حتى بعد رحيلهم عن الحكم، وهو ما لم يكن موضع ترحيب من الرياض. أما مسقط فلعبت دور وساطة هام بين إيران والولايات المتحدة من أجل التمهيد لمحادثات حول برنامج طهران النووي. لكن الدوحة عادت وأقفلت قناة الجزيرة مباشر مصر، بعد ضغوط سعودية، من أجل تطبيع العلاقات مع النظام الجديد في القاهرة.
التحدي الأهم أمام الوجوه الجديدة في قصر الحكم برياض سيكون مواجهة رياح عودة التطرف الى المملكة. فمنذ نهاية حرب الخليج الثانية عام 1991، ومملكة ابن سعود تدفع ثمن دعمها لجماعات المجاهدين العرب الذين نقلتهم الى افغانستان في ثمانينات القرن الماضي من أجل محاربة الاحتلال السوفيتي.
فأبرز قادة هذه الجماعات، وهو أسامة بن لادن، كان أحد الذين اصطدموا مع بيت آل سعود حول الوجود العسكري الأمريكي في المملكة. وقد أدى ذلك الى سلسلة من عمليات التفجير التي استهدفت القوات الأمريكية، والتي أدت لاحقاً الى قيام البنتاجون بنقل الجزء الأكبر والأهم من قواته ومعداته الى قطر.

خلال السنوات العشر الأولى كان وزير الداخلية الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز وابنه محمد يقودان المواجهة مع التطرف في المملكة. ورغم النجاحات الكثيرة التي حققتها أجهزة الأمن السعودية في ملاحقة المتطرفين داخل وخارج حدود السعودية، إلا أن الثمن الذي دفعته البلاد كان باهظاً.
الآن محمد بن نايف أصبح ولياً لولي العهد ونائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، وهو الممسك بالملف الأهم في تركيبة الحكم السعودية وهو الملف الأمني الذي سيتولى التعامل مع ملفات عديدة ومنها ضرب أذرع تنظيم القاعدة المحتملة بالإضافة الى منع تنظيم الدولة الإسلامية من الوصول الى الداخل السعودي عبر أي عمليات عنف قد يقوم بها متعاطفون معه.

ما هو مستقبل مملكة ابن سعود؟ وهل يستمر بيت آل سعود في المحافظة على الانتقال السلس للحكم؟ وكيف سيكون شكل التغيير في مملكة بلغت من العمر عتياً؟ تبدو هذه الأسئلة معلقة بدون إجابة بسبب تركيبة المجتمع في هذه المملكة، والتي تشبه في حركتها واضطرابها تشكيلات الرمال المتحركة في الربع الخالي.

Wednesday, 7 January 2015

الهجوم على تشارلي إبدو: المسلمون الضحية الأكبر

الصورة لمحطة "جار دو نور" في باريس - تصوير أحمد زكي ٢٠١٤
الهجوم اللي حصل على مقر مجلة تشارلي إبدو في باريس حدث غير عادي، ويمكن اعتباره نقطة فاصلة في علاقة المجتمعات الغربية بالمسلمين، زي النقاط الفاصلة الكبيرة ومنها الهجوم على نيويورك وواشنطن في ١١ سبتمبر ٢٠٠١. ودة لأكتر من سبب:

١. خلية مكونة من ٣ أشخاص معاهم بنادق آلية وبيضربوا نار في عز النهار في وسط عاصمة غربية ويقتلوا ١٢ شخص، منهم شرطي مصاب بيترجاهم ما يقتلهوش، فيضربوه بالنار في دماغه في عملية إعدام علنية مصورة. الصور والعملية يشوفها ملايين حول العالم.
٢. الهدف مش قسم بوليس أو قاعدة عسكرية ولكن مقر مجلة. الضحايا رسامي كاريكاتير. دة بيحسس أفراد المجتمعات الغربية بالخطر زي ما حسوا لما حصل تفجيرات لندن في ٢٠٠٥ أو تفجيرات مدريد.
٣. الهجوم تم باسم الدفاع عن الاسلام. المجلة مثيرة للجدل ولكن العقلية الغربية بتتوقع إن الرد على الرسم يكون بالرسم والكلام يكون بالكلام. المهاجمين ما قالوش إنهم بيهاجموا المجلة لأن أفرادها مثلا كانوا جنود في دول إسلامية (وطبعا دة مش مبرر) ولكن هما أعلنوا إنهم بيقتلوا من أجل الدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام، ودة اللي عاوزه اليمين المتطرف في أوروبا وهي إثبات إن الاسلام غير قابل للوجود بسلام في الغرب، أو إن المسلمين ممكن يكونوا مواطنين كاملي المواطنة في أوروبا دون أن يشكلوا خطر على المجتمعات اللي عايشين فيها.
٤. الهجوم استهدف القطاع الأكثر تأثيرا في تشكيل وصياغة الرأي العام في الغرب وهو قطاع الصحافة، وبالتالي بقت مهمة المسلمين في أوروبا لتحسين صورتهم أو الدفاع عن نفسهم أو إعلان إنهم مواطنين كاملي المواطنة في مجتمعاتهم الغربية، بقت مهمتهم أصعب مما كانت عليه قبل الهجوم. يكفي إن كل التقارير التلفزيونية والصحفية في وسائل الاعلام الكبرى والرئيسية في الغرب ركزت على إن المهاجمين رددوا صيحات : الله أكبر ، باللغة العربية خلال إطلاق النار، في تأكيد على هوياتهم الدينية.

من جهة تانية النقاش في دوائر السوشيال ميديا العربية بعد الهجوم كان بينقسم الى مجموعات جديرة بالتوقف عندها.
١. مجموعة من اللي عاشوا في الغرب أو يقيمون في الغرب اعتبروا الحادث عمل إجرامي ووحشي وله تبعات مخيفة على المسلمين في أوروبا.
٢. مجموعة تقيم في دول عربية واعتبرت إن مش مهم الدفاع عن صورة الاسلام في الغرب أو الاهتمام برأي الغرب في المسلمين لأن فيه سياق أوسع وهو الحرب الحتمية أو المستمرة بين الدول المسلمة والغرب الاستعماري (البعض كمان وصفه بالصليبي) وبالتالي فإن الهوس بصورة المسلمين في الغرب هو "انهزامية" وانسحاق للمستعمر! طبعا منطق المجموعة دي جاي من فكرة بسيطة: يا عمي ما يولعوا ، يعني أنت شايفني قاعد في روما!
٣. مجموعة اعتبرت إن العمل دة مش إرهابي وإن له تأصيل إسلامي وإن الاسلام لازم يدافع عن نفسه عبر القتال. ودي مجموعة منتشرة وليها تواجد فعال في السوشيال ميديا. ومن الغريب إن عدد كبير من المجموعة دي عايشين في دول خليجية نفطية عندها علاقات تحالف استراتيجي مع الغرب وقواعد لدول غربية على أراضيها. والمجموعة دي لا تعلن الحرب على الدول اللي هي عايشة فيها ولكن شايفة إن تأييد العنف باسم الخلافة أو الاسلام في العراق أو سوريا أو الغرب عمل جليل!
٤. مجموعة تعتقد إن العمل الارهابي دة هو مؤامرة مخابراتية من الغرب لتشويه صورة المسلمين. دول ناس ما يتردش عليهم.
أعتقد أهم رد فعل كان من مراسل قناة الجزيرة في فرنسا اللي أجهش بالبكاء (ولكن تماسك ولم يبكي) وقال إنه يعتقد كمواطن مسلم يعيش في فرنسا وليس كمراسل إن أيام المسلمين القادمة في فرنسا ستكون شديدة الصعوبة.
بالمناسبة الماليزي المسلم في الغرب لا يواجه مشاكل زي اللي بيواجهها المسلم العربي أو المسلم الباكستاني أو المسلم الأفغاني. ودة يخلينا نتأمل أكتر في ازاي المجتمع الماليزي أدار علاقته بالغرب خلال الثلاثين عاما الأخيرة.

أهم حاجة ممكن الواحد يطلع بيها من الهجوم دة هي إن فيه مشكلة عميقة حتواجه المسلمين في الغرب والمشكلة دي حيكون ليها انعكاسات وآثار عنيفة على علاقة الغرب بالمجتمعات المسلمة في الشرق وتحديدا المجتمعات العربية. ودة كله حيزيد المسلمين في الغرب انعزالا وحيزيد المجتمعات العربية انعزالا أكبر بما إنها تعتمد بشكل كلي على الغرب في نقل التكنولوجيا والحداثة إليها.

ربنا يستر على المسلمين في أوروبا . القادم أيام سودا..! كحل.

Thursday, 28 August 2014

السبع وصايا: تفاحة سيد المحرمة



١

بالرغم من مرور أكثر من خمسة عشر عاماً، لا أزال أذكر حلقة مدبلجة مدتها عشرون دقيقة من مسلسل أمريكي للرسوم المتحركة. الحلقة تدور حول مجموعة من الصبية الذين يلعبون الكرة بالقرب من سور بيت قديم.

خلال اللعب يخطئون في قذف الكرة وتهبط خلف سور البيت القديم. يتطوع أحدهم للذهاب لاسترداد الكرة. لكن أقرانه يحذرونه من أنه سوف يختفي كما اختفى صاحبهم القديم "سامح" عندما ذهب لاسترداد الكرة التي سقطت خلف سور البيت القديم ولم يعد. يشعر الصبي بالخوف. يتراجع عن الفكرة. في اليوم التالي يتكرر الأمر، ويتكرر التحذير. في اليوم الذي يليه يقرر الصبي الذي لم يقابل سامح ولم يكن حاضراً واقعة اختفائه، أن يسترد الكرة. يذهب الى بوابة السور المخيفة. يتخطاها. يصل الى باب البيت. يبدأ بالطرق. يظن أن البيت مهجور. يفتح باب البيت ويقابله ظلامٌ دامس. تظهر من بين الظلام سيدةٌ عجوز معها شمعة.

تسأله السيدة: أنت جيت ليه؟ يجيب وهو يرتعد: علشان أجيب الكرة. تخبره: أنا عندي كور كتير جوة. ادخل خد اللي أنت عايزه. بعد تردد يذهب لأخذ كرة، ويهم بالخروج من البيت. لكن السيدة تسأله بطيبة: أنت مش عايز تشرب عصير؟ ثم تقوم وتحضر له عصيراً ويبدو من حديثها أنها سيدة طيبة، حيث تطلب منه أن يذهب ويحضر أصدقائه ليلعبوا بالكرات الكثيرة الموجودة في منزلها.

ينجح الصبي في إقناع أصدقائه بالدخول. يفاجأون بكرم وطيبة السيدة العجوز.

خلال لعبهم، تنتقل الكاميرا الى وجه السيدة العجوز وهي تقول بصوت خافت: فكروني بالواد سامح!

وتنتهي الحلقة.

لا أحد يعلم ما الذي حدث لسامح. هذا متروك لخيال المشاهد. المهم أن صناع هذه الحلقة استطاعوا بناء حدث في خيال المشاهدين، وتركوا المشاهدين يتخبطون بين الإحساس بالخوف من السيدة العجوز، ثم الإحساس بأنهم ظلموها، ثم العودة الى هذه النهاية المفتوحة.

البطل هنا هو خيال المشاهد نفسه!

٢

في الحلقة الأولى من مسلسل السبع وصايا، نتعرف على سبع إخوة. بوسي، الأخت الكبرى. محمود، صبري، منصف، إم إم، مرمر وهند.

سبع شخصيات متباينة في مدى التزامها الأخلاقي والديني. منهم من يعمل خادما لمسجد. ورعٌ وتقي. ومنهم من يحترف الجريمة. بلطجي للإيجار!

في الحلقة الأولى تقنعهم بوسي بأن أبيهم لديه في البنك ثمانية وعشرين مليوناً من الجنيهات. ليس من المهم معرفة كيف جمع المال. لكن من المهم أن تعلم الأشياء التالية: هذا الأب قاسٍ وبخيل. لم يكن أباً حنوناً أو رحيماً. هو في غيبوبة لم يفق منها منذ ست سنوات.

الحل الذي تطرحه بوسي هو قتله كي ينعم كل ابن وابنة بنصيبه من الميراث. يستيقظ "سيد نفيسة" من غيبوبته فجأة ويشتم أبناءه ويطلب من بوسي محاميه. يبدو أن يخطط لمنع أبنائه من التمتع بثروته. يعود الى الغيبوبة مرة أخرى. تدخل بوسي الى غرفته وتنزع عنه المحلول الذي يبقيه حياً. يموت سيد نفيسة في فراشه الذي لم يغادره منذ ست سنوات.

أثناء مظاهر الحزن المفتعل، تنتقل الكاميرا الى باب غرفة سيد نفيسة المفتوح لنشاهد سريره وقد خلا من جثة سيد نفيسة!

تنتهي الحلقة الأولى.

من سيشاهد الحلقة الثانية فإنه سيكون مثل من شاهد حلقة "فكروني بالواد سامح".. سيكون قد وقع عقداً مع صناع العمل بأن العقلانية والمنطق هما فعلٌ جانبي لحدوتة أكثر غموضاً ورمزية مما تبدو عليه!

منذ تلك اللحظة وحتى المشهد الأخير في الحلقة الثلاثين والسؤال هو: كيف اختفت جثة سيد نفيسة؟

لكن المشاهد يكتشف أن اختفاء جثة سيد نفيسة وعودتها المرهونة بتنفيذ الوصايا، ليست هي الهدف من الرحلات المرهقة للإخوة السبعة. لكن الهدف هو فك شيفرات الرموز التي تتجسد في الأب الغائب جسداً والحاضر في أحلام أبنائه. تتجسد في الوصايا التي لا يقبل تنفيذها الجدل، لكن تقبل التأويل!

تبلغ الرمزية ذروتها في مشهد محاكاة لوحة "العشاء الأخير" في الحلقة التاسعة والعشرين، وفي سؤال الأخوة وهم يحتضرون لبوسي، الابنة الوحيدة التي يشعر معها الأب أنها من صلبه، "قتلتينا ليه يا بوسي؟"، فتأتي إجابتها بكل ما تحمله من يقين: "وصية أبويا ولازم أنفذها." لكن صبري هو يهوذا الحدوتة! خان بوسي ولم ينفذ وصيته.

هناك طريقتان إذن للتعامل مع "السبع وصايا" كعمل فني. الطريقة الأولى والتي وقع في أسرها المشاهدون حتى الثلث الأخير من المسلسل، هي تناول التفاصيل والأحداث بشكلها الظاهري والانشغال بما هو منطقي منها أو البحث عن إجابة عقلانية لظواهر ميتافيزيقية.

أما الطريقة الثانية فهي عدم مشاهدة الحلقة الأخيرة، والتوقف عند الحلقة التاسعة والعشرين، ثم الرجوع بالذاكرة الى بعض مشاهد العمل للتأكد من أن المسلسل لم يكن مجرد حدوتة عن ميت يبتز الأحياء برجوع جثته، وإنما عن تصور أدبي للقدر وأزمة الإنسان بين ما هو مخيرٌ فيه وما هو مسيرٌ إليه، وعن أشياء أخرى أعمق..

٣

بعد سنوات من الآن سينضم مسلسل "السبع وصايا" الى كلاسيكيات الدراما. ستعود إليه أجيالٌ قادمة من المشاهدين لإعادة اكتشافه. سيتوقفون عند موسيقى هشام نزيه، والحضرات الصوفية. سيبحثون عن الرموز المرئية التي وظفها ببراعة خالد مرعي. سيقرأون السيناريو والحوار مطبوعاً ويحللون مشاهد بعينها.

ربما سيتجادلون في شبكات التواصل الاجتماعي حول من هو ممثلهم أو ممثلتهم المفضلة في هذا العمل. وسيجمعون على أن بوسي (رانيا يوسف) أتقنت أداء دور شديد الصعوبة، وأن مرمر (ناهد السباعي) أدت دوراً مركباً ومدهشاً. ثم سيشيدون بأداء إم إم (هنا شيحة) وزوجها أحمد عرنوس (وليد فواز)، وسيحزنون على قصة حبهما الأليمة. وبالتأكيد لن يكفوا عن الإعجاب بالأداء المذهل لأوسة (سوسن بدر) في هذا العمل، أو الانبهار بصوت وأداء سيد نفيسة (أحمد فؤاد سليم). صبري (شاهين) ومحمود (صبري فواز) ومنصف (هيثم زكي) ودلال (نسرين أمين) وماجدة (شيرين الطحان) وشحاتة (ابتهال الصريطي) وإسعاد (ألفت إمام)، سيكون لهم نصيبٌ من الإعجاب والإشادة.

لكن انبهار الأجيال القادمة من المشاهدين بالعمل سيظل طازجاً كما هو اليوم. فالمسلسل لم ينشغل بالأحداث السياسية الجارية. وإنما جعلها مجرد إطار زمني لأحداث العمل. فنحن نعلم من خلال بعض الجمل الحوارية أن الأحداث تجري بعد ثورة يناير ٢٠١١، وأنها تمتد لما بعد عزل مرسي من الحكم. لكن لا ينشغل المسلسل بإظهار الانتماءات السياسية لأبطال العمل ولا مواقفهم مما يجري في المجتمع. هذا ليس موضوعه. فالمجتمع في المسلسل هو الأخوة السبعة. وهذه هي القراءة وفق الطريقة الأولى. أما لو كنت ممن يفضلون قراءة العمل وفق الطريقة الثانية، فإن المسلسل سيأخذك الى تلك المنطقة التي ربما ستفضل اجتنابها!

٤

حيرجع.. حيرجع.. هو راجع! ... فكروني بالشيخ سيد!

Friday, 18 July 2014

غزة: معضلة كرة النار


غزة: "كرة النار". تعبيرٌ قد يلخص جانباً رئيسياً من معضلة قطاع غزة. والتعبير يستند الى فكرة عبر عنها الإسرائيليين كثيراً وبصيغٍ مختلفة وهي: نريد التخلص من غزة للأبد. لا نريد أي مسؤولية تجاه القطاع أو سكانه. لا نريد أن نتعامل مع القطاع. لا نريد أن يكون لنا وجود عسكري أو استيطاني في القطاع!

رئيس الوزراء الاسرائيلي الراحل إسحاق رابين في الثمانينات وفي ذروة الانتفاضة الفلسطينية كان يردد عبارة: أريد أن أستيقظ في الصباح فأجد غزة قد أبتلعها البحر! لذا لم يكن قرار اسرائيل بالانسحاب من غزة عام ٢٠٠٥ وتفكيك المستوطنات فيها، مفاجئاً لمن تابع تصريحات السياسيين الإسرائيليين.

في أعقاب الانسحاب الاسرائيلي من غزة فاتح مسؤولون أمريكيون وإسرائيليون الرئيس المصري السابق حسني مبارك في مسألة أن "قطاع غزة مكتظ سكانياً ومستوى المعيشة فيه يدفع سكان القطاع الى العنف وأن الحل هو توسيع القطاع مقابل استثمارات دولية في شمال سيناء"، ما يعني عملياً نقل إدارة القطاع أمنياً الى مصر والعودة الى أوضاع ما قبل حرب ١٩٦٧. 

رفض مبارك الاقتراح الاسرائيلي الامريكي المشترك، ورفضته الفصائل الفلسطينية في غزة وأهمها حماس والجهاد الاسلامي، ورفضته منظمة التحرير الفلسطينية. وذلك لأن الاقتراح يهدف الى نقل مسؤولية غزة الأمنية والمعيشية لمصر وهو ما يعني تصفية القضية الفلسطينية الى الأبد، ويعني أيضاً أن جهاز الأمن المصري الذي بالكاد يستطيع تأمين أرواح جنوده في سيناء سيكون مسؤولاً عن أمن قطاع غزة وعن أمن حدود القطاع مع إسرائيل! لكن المعضلة المصرية كانت تتمثل في السؤال التالي: كيف تبقي غزة مشكلةً لإسرائيل دون أن تساهم في قتل الناس؟ كانت الإجابة هي أن غضت مصر الطرف عن حفر الأنفاق بين غزة وسيناء وفي نفس الوقت أبقت معبر رفح مغلقاً.

دفع الفلسطينيون المقيمون في غزة ثمناً إنسانياً باهظاً حتى مع وجود الأنفاق. وكانت إسرائيل تتعمد استغلال أي ذريعة لضرب غزة بشكل وحشي وهمجي من البحر والجو وعبر التوغلات البرية. في المقابل كانت إسرائيل تدفع ثمناً باهظاً من سمعتها الدولية ومن أرواح جنودها في كل عملية توغل بري. 

تم خلع مبارك وجاء المجلس العسكري للحكم. لكن مسؤولية ملف غزة ظلت مع المخابرات العامة والتي ساعدت في التوصل لاتفاق مصالحة بين فتح وحماس. وكعادة المرات السابقة، تم الاختلاف لاحقاً ولم يمض الطرفان الفلسطينيان قدماً في خطوات المصالحة.

إسرائيل تريد التخلص من عبء غزة. لا تريد بمن يذكرها أنها دولة محتلة. ومصر لا تريد أن تكون مسؤولة أمنياً واقتصادياً وإدارياً عن قطاع به أعلى كثافة سكانية في العالم. وحماس تشكك في نوايا فتح. وفتح لا تصدق تعهدات حماس. وفيما حماس تحظى بدعم قطر وتركيا وإيران، تحظى فتح بدعم مصر والسعودية والإمارات والأردن. وبين الرعاة الإقليميين لحماس والرعاة الإقليميين لفتح معارك لم تنتِه، وجبهات مفتوحة، وحسابات لم تغلق!

وبينما تبدو غزة ككرة نار ملتهبة يتقاذفها الجميع، يدفع سكانها الثمن الأكبر من خلال الحصار الذي جعل قطاعهم السجن الأكبر في العالم!

لكن ماذا عن المقاومة؟

تعقيد الحالة الفلسطينية لا يترك للمقاومة الكثير كي تفعله. فالحركتان الأكبر على الساحة الفلسطينية منشغلتان بصراع على السيطرة والحكم. ويزداد الأمر تعقيداً عندما يتم توظيف المقاومة لخدمة مصالح إقليمية سواء في ملف الصراع السياسي المصري/الإقليمي مع الإخوان، أو الملف النووي الإيراني، أو خدمة طموحات إقليمية!

لا توجد جيوش عربية نظامية مستعدة للقتال أو للمساعدة في إمداد فصائل المقاومة بالسلاح. جميع الجيوش العربية إما منشغلة بصراعات داخلية أو متورطة في صراعات بين أجنحة السلطة على ترتيبات داخلية تتعلق بمستقبل الحكم في دولها.

أما على مستوى الداخل الفلسطيني فإمكانيات المقاومة الفلسطينية لا تسمح لها بتغيير ميزان القوى مع إسرائيل ولا تسمح لها بأكثر من إطلاق صواريخ بدائية الصنع، لا تلحق ضرراً مؤثراً يجبر إسرائيل على تقديم تنازلات جوهرية فيما يتعلق بحق العودة أو إقامة دولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس.

لا تملك المقاومة الفلسطينية في غزة ما يمتلكه حزب الله من دعم مالي غير محدود من إيران وترسانة مؤثرة من الصواريخ والأسلحة التقليدية، ومساحة للتحرك بحجم لبنان. لذلك كان قادة حماس في كل مرة يوافقون على مبادرات لوقف إطلاق النار مع إسرائيل تتضمن هدنة لمدد تصل الى خمس سنوات (كما في مبادرة مرسي عام ٢٠١٢) في مقابل فتح المعابر بين غزة وإسرائيل.

ومع معرفة قادة حماس والفصائل الفلسطينية في غزة بمحدودية إمكانيات المقاومة، ومعرفة حلفائهم الإقليميين بذلك، يتم التعامل مع المقاومة كورقة ضغط إقليمية. وفي كل مرة يتم التوصل لهدنة، تتعهد حماس بضمان هذه الهدنة وتمنع بقية الفصائل من إطلاق أي صواريخ على إسرائيل، وذلك ليتحقق هدف إسرائيل الأهم من اتفاق أوسلو وهو تأرجح الفلسطينيين بين حالة اللاسلم واللامقاومة واللادولة. فقط الحصار والمزيد من ضربات العقاب الجماعي وقتل المدنيين!

ماذا عن مصر؟

لا أحد يحسد مصر على وضعها الآن! فمصر الرسمية تحت حكم الرئيس الجديد عبد الفتاح السيسي تبدو في تعاملها مع ملف غزة فاقدةً للنضج الذي تمتعت به مصر تحت حكم مبارك! مفارقة مزعجة وصادمة لكنها منطقية. فمصر الرسمية التي تخوض حرباً مفتوحة مع جماعة الاخوان، تنظر لحماس باعتبارها جناح الاخوان في غزة، والحركة التي "تآمرت على مصر وقتلت جنوداً مصريين في سيناء". لكن مصر الرسمية لا تقدم الوثائق أو الأدلة التي تثبت ذلك، بل تكتفي بترديد هذه القائمة من الاتهامات عبر موظفيها في أجهزة الاعلام المحلية.

كما يتجلى عدم نضج مصر الرسمية في فشلها على الإجابة عن المعضلة التي واجهت مصر تحت حكم مبارك وهي: كيف نبقي غزة مشكلةً لإسرائيل وفي نفس الوقت لا يموت الفلسطينيون جوعاً، ونحافظ على احتكارنا لملف غزة أمام المجتمع الدولي؟

أما مصر الشعبية فتتأرجح بين خطاب معادٍ للفلسطينيين موروث من الحقبة الساداتية وشعارها الأشهر "مصر أولاً"، وبين خطاب يعتبر أن ما يجري في غزة شأنٌ داخلي بين حماس وإسرائيل لا دخل لمصر فيه. ويبني هذا الخطاب موقفه على أن مصر ليست مستعدة للدخول في أي مغامرات عسكرية وأنها منشغلة بأوضاع داخلية شديدة الصعوبة. لكن هذا الخطاب يفشل في إدراك أن أمن مصر مرتبط بما يجري في غزة بنفس قدر ارتباطه بما يجري في ليبيا وفي السودان.

وفي ظل ارتباك مصر، وانشغال العالم العربي بحروبه الأهلية، لا يبدو أمام المقيمين تحت سماء غزة الكثير من الخيارات أمام آلة عسكرية لا تتردد لثانية عن قتل أطفال أو مدنيين أو قصف مستشفيات، طالما أن الفاعلين في المجتمع الدولي لن يتدخلوا قبل أن تتخطى حصيلة القتلى الحصيلة الماضية!

Thursday, 27 March 2014

الجيش والسياسة، شرعية الرئيس القادم.. علامات استفهام



في أعقاب حرب ١٩٥٦ أدرك الرئيس جمال عبد الناصر أن وزير الدفاع عبد الحكيم عامر قائد عسكري فاشل ولا يستطيع التصرف في ميادين القتال. أشرف عبد الناصر بنفسه على خطة انسحاب منظمة لقوات الجيش المصري من سيناء وإعادة تمركزها في بورسعيد للتنسيق مع المقاومة الشعبية في المدينة من أجل مواجهة فرق المظليين البريطانية.

لكن غلطة عبد الناصر كانت في أنه ترك عبد الحكيم قائداً عاماً للقوات المسلحة وذلك خوفاً من أن يأتي قائد عام آخر لا يتمتع بنفس الثقة. كانت تلك من أخطاء عبد الناصر الكبرى والتي دفعت مصر ثمناً باهظاً للغاية بسببها. كانت فكرة عبد الناصر أن أي قائد آخر للجيش لا يحظى بثقة تماثل ثقته في عبد الحكيم، قد يكون باستطاعته القيام بانقلاب عسكري على غرار ما حدث في الثالث والعشرين من يوليو عام ١٩٥٢. فما جرى في تلك الليلة كشف للضباط الشباب الذين قاموا بما سموه حينها "حركة الجيش المباركة" أن السيطرة على الحكم في مصر أمر شديد السهولة بالنسبة لمن يسيطر على الجيش، وهي القاعدة التي لاتزال سائدة حتى اليوم والتي حاول رؤساء الجمهورية منذ عبد الناصر وحتى مرسي مقاومتها عبر التأكيد على مفهوم إخضاع الجيش لـ"شرعية الرئيس".

في كتاب حازم قنديل الذي نشر بالانجليزية وعنوانه "جنود، جواسيس، ورجال دولة" هناك فقرة حول كيف قام عبد الناصر عام ١٩٥٣ باستبعاد العناصر التي يمكن أن تشكل تحدياً له داخل القوات المسلحة. كانت فكرة ترتيب الأوضاع في الجيش عملاً ضرورياً من أجل استمرار الحكم الجديد.

انتقلت مصر من سنة ١٩٥٦، والتي كشفت ضعف عبد الحكيم في الأمور العسكرية، الى سنة ١٩٦١ حيث وقع الانفصال عن سورية، وتبين لعبد الناصر أن الخلية المسؤولة عن الانفصال كانت مرتبطة بمكتب عبد الحكيم عامر. وبالرغم من ذلك ظل عبد الحكيم عامر، برغم مسؤوليته المباشرة عن فشل الوحدة، في منصب القائد العام.

جاءت حرب ١٩٦٧ وكانت الهزيمة المروعة للقوات المصرية خلال أيام نتيجة منطقية لجيش يقوده قائد مهتز وضعيف مثل عبد الحكيم عامر. وقد وصف بعض المؤرخين الطريق الى ١٩٦٧ بأنه كان نتيجة "صراع بين دولتين داخل وطن واحد"! هنا قرر عبد الناصر إزاحة عبد الحكيم عامر عن منصبه ووضعه تحت الإقامة الجبرية. بالرغم من ذلك استطاع عبد الحكيم عامر بما له من شعبية في الجيش أن يجمع عدداً من ضباط الجيش في منزله، وذلك من أجل التخطيط لانقلاب عسكري والإطاحة بعبد الناصر. وقائع هذا المخطط وكيف فشل، رواها فيما بعد أمين هويدي رئيس المخابرات العامة ووزير الحربية في كتابه الهام "الفرص الضائعة".

في أعقاب "انتحار" عبد الحكيم عامر، بدأ عبد الناصر في التنبه لخطورة دخول الجيش في الحياة السياسية أو المدنية. لذلك أصدر عدداً من القرارات لجعل وزارة الدفاع تابعة لمؤسسة الرئاسة وليست نداً لها، وأن لا تقوم بأي دور مدني أو سياسي أو حتى أي دور في حفظ السلم والأمن العام إلا بطلب من رئيس الجمهورية ولفترة محدودة على نحو ما حدث في أحداث ١٨ و١٩ يناير ١٩٧٧ أو أحداث الأمن المركزي في ١٩٨٦ أو مساء يوم ٢٨ يناير ٢٠١١.

ومنذ رحيل عبد الحكيم عامر وحتى إقالة المشير طنطاوي من منصبه كوزير للدفاع، كان كل قادة الجيش المصري يدركون خطورة أن يقوم الجيش بلعب أي دور سياسي من أي نوع. وكان لدى رؤساء الجمهورية المتعاقبين إدراك بحساسية وخطورة إقحام الجيش في أي معارك سياسية. قد يتم أخذ رأي وزير الدفاع في بعض المسائل المتعلقة بالأمن القومي ولكن لا يتم أخذ رأيه في تقسيم دوائر مجلس الشعب مثلاً أو في السياسة النقدية للبنك المركزي أو حتى في السياسة الخارجية طالما لن يؤثر ذلك على الأمن القومي.

ما حدث في الثامن والعشرين من يناير عام ٢٠١١ كان زلزالاً عنيفاً لأركان الدولة المصرية. ضرب الزلزال بعنف قلب هذه الدولة كما لم يحدث من قبل منذ إنشاءها قبل قرنين وفق رؤية محمد علي باشا. أدرك الجيش للمرة الأولى أن الجناح السياسي للنظام كان أضعف من أن يتم الاعتماد عليه في الحفاظ على الدولة. اختفى الحزب الوطني الديمقراطي كما اختفى الجيش العراقي فور دخول القوات الأمريكية الى بغداد. انهار حزب النظام خلال ساعات وتم حرق مقراته، وذلك في إجابة شعبية على عبارة مهندس الحزب أحمد عز حول "مستوى رضا المصريين المرتفع"!

تولى الجيش الحكم خلال فترة انتقالية صعبة، أثبت فيها قادته أن علاقتهم بالسياسة وإدارة شؤون الدولة منعدمة! لم يكونوا مؤهلين أصلاً للحكم ولم يكن أداؤهم سوى فشل تم تجسيده في كل الأزمات والصدامات الدموية العنيفة التي شهدتها مصر منذ تنحية مبارك عن الحكم وتولي مرسي للرئاسة.

خلال حكم محمد مرسي كانت هناك بعض الإشارات المثيرة للاهتمام في علاقة مؤسسة الرئاسة بالجيش. الأولى هي السهولة التي تمت بها إزاحة طنطاوي وعنان من الجيش ومجيء عبد الفتاح السيسي. الثانية هي أدوار الوساطة التي حاول السيسي أن يلعبها بين الرئيس وبين خصومه السياسيين. الثالثة كانت في استدعاء القوى السياسية للجيش من أجل عزل مرسي.

يروي البعض ممن كانوا على صلة بتلك الفترة أن الجيش كان يميل نحو إجبار مرسي على انتخابات مبكرة، لكن محمد البرادعي رفض هذه الفكرة بدعوى أنه قد تجاوزها الوقت وأنه لابد من عزل مرسي أولاً، لأنه بات يشكل خطراً على وحدة البلاد الداخلية وأن مرسي قد يكون سبباً في إشعال حرب أهلية. استجاب الجيش لنصيحة البرادعي وتم إعلان خريطة الطريق والتي تضمنت تعديل الدستور وانتخاب رئيس وبرلمان. قال البرادعي حينها أن السيسي أكد له عدم رغبته في الترشح لرئاسة الجمهورية. ثم أعلن السيسي في أكثر من خطاب أنه لا يريد حكم مصر حتى لا يقال أن الجيش تحرك من أجل السيطرة على الحكم. كان السيسي خلال تلك الخطابات مدركاً لخطورة إقحام الجيش في السياسة.

من قالوا أن عزل مرسي كان انقلاباً، كان يتم الرد عليهم بأن رئيس الجمهورية المؤقت هو رئيس المحكمة العليا. وأن وزير الدفاع لايزال وزيراً في حكومة لا يرأسها. كان الحفاظ على شكل وشرعية ما جرى مهماً للغاية، داخلياً وخارجياً. فوصف ما جرى في مصر "بالانقلاب" له تبعات إقليمية ودولية لا تستطيع مصر أن تتحملها. هذه ليست معركة استقلال وطني مثل ما جرى في ١٩٥٦ أو عدوان خارجي مثل ما حدث في ١٩٦٧ أو معركة تحرير أرض كحرب ١٩٧٣ ولكنها معركة لتأكيد "شرعية عزل رئيس استجابةً لطلب شعبي".

لكن تطورات الأمور فيما بعد أثبتت أن لا أحد يتعلم من الدرس الفادح الذي تعلمه عبد الناصر ووعاه السادات ومبارك! وسأتوقف هنا عند مشهدين كان لا ينبغي أن يتم التورط فيهما.

المشهد الأول: أصدر المجلس الأعلى للقوات المسلحة في يناير الماضي بياناً تحدث فيه حول تركه لوزير الدفاع حرية التقدم بالترشح للرئاسة بالرغم من أن ذلك يعد إقحاماً للجيش في أمر لا يخصه. فطموح وزير الدفاع السياسي بعد تركه للخدمة في القوات المسلحة أمر يخص شخص وزير الدفاع والجهات المدنية التي تشرف على تنظيم عملية الانتخابات.

المشهد الثاني: خرج وزير الدفاع ببدلته العسكرية المموهة وألقى كلمة للشعب المصري عبر التلفزيون الرسمي للدولة، استمرت لربع ساعة، وأعلن فيه تقدمه بالاستقالة من منصبه والتقدم لخوض الانتخابات على المنصب التنفيذي الأعلى في البلاد. كما أعلن رغبته في بناء دولة ديمقراطية حديثة، وطلب أن يتم التوقف عن تشويه أو مهاجمة من يجد في نفسه القدرة على تحمل المسؤولية وخوض الانتخابات الرئاسية، وأنه سيظل حريصاً على أمن مصر "بل والمنطقة"! وتحدث حول الأعباء التي يواجهها المواطن المصري وحول التحديات التي تنتظر الدولة والشعب.

ملاحظات على المشهد الثاني والذي لم يكن من المفترض أن يحدث:

أولاً: كان من المفترض، ومن الضروري، أن يقوم وزير الدفاع بالتقدم باستقالته لرئيس الجمهورية. ثم يتقدم بأوراق ترشيحه للجنة العليا للانتخابات مثل أي مرشح مدني، سواء بخلفية عسكرية أو طبية أو هندسية أو غير ذلك. وكان من المفترض أن يقوم وزير الدفاع السابق بإعلان برنامجه السياسي الذي سيخوض به الانتخابات وهو يرتدي زياً مدنياً. أما وقد ارتدى بدلته العسكرية وأعلن عن طموحه السياسي من داخل مقر تابع للمؤسسة العسكرية، فقد أقحم الجيش فيما لم يكن من المفترض أن يكون طرفاً فيه. وهو ما سيؤثر على شكل العلاقات المدنية العسكرية في مصر خلال الأعوام القادمة.

ثانياً: جميع شهادات القادة العسكريين الذين عينهم عبد الناصر بعد هزيمة ١٩٦٧ أشارت الى أن أحد الأسباب الرئيسية للهزيمة هي التساهل في أن يلعب الجيش أدواراً في الحياة المدنية، وهو ما أدى الى عدم قدرته على الوفاء بالتزاماته العسكرية. وعندما أصبح الجيش طرفاً في الحياة المدنية والسياسية، أصبح قادراً على التفكير في الانقلاب على قائده الأعلى، مثلما خطط عبد الحكيم عامر مع عبد الناصر، أو مثلما كان يحدث بشكل دوري في سورية قبل وصول حافظ الأسد للحكم، أو في العراق قبل وصول أحمد حسن البكر ونائبه صدام للسلطة.

ثالثاً: عندما بدأت وحدات الجيش في الانتشار في القاهرة والمدن الكبرى مساء ٢٨ يناير ٢٠١١، استقبل الناس جنود الجيش بالهتاف: الجيش والشعب إيد واحدة. كان المقصود من هذا الهتاف هو أن يتم التفريق بين الجيش كمؤسسة ولائها للشعب وبين الرئاسة كمؤسسة تتعرض لغضب الشعب. لم يتعامل الناس مع الجيش في تلك اللحظة على أنه ذراع مبارك القمعية مثلما كانوا يتعاملون مع قوات الشرطة. لكن هذا الفصل أصبح صعباً. فقائد الجيش انتقل من مكتبه في وزارة الدفاع الى الترشح للرئاسة دون أي فترة انتقالية، يتولى فيها عملاً مدنياً مثلما حدث مع مبارك عندما عينه السادات نائباً لرئيس الجمهورية. أو السادات الذي كان رئيساً لمجلس الأمة ثم نائباً لرئيس الجمهورية.

رابعاً: خلال السنوات الثلاث الماضية كانت المؤسسة العسكرية تخضع لإرادة الشعب. لما زاد الغضب الشعبي على مبارك، لم تجد المؤسسة التي كان يرسم طياروها بمقاتلاتهم في السماء كلمتي "مصر مبارك"، لم تجد تلك المؤسسة أي مشكلة في إزاحة قائدها الأعلى عن السلطة. تكرر السيناريو مع محمد مرسي. ماذا لو تزايد الغضب الشعبي على الرئيس القادم؟

خامساً: لا توجد مشكلة في أن يتقدم وزير الدفاع للمنصب التنفيذي والسياسي الأعلى في الدولة إذا وجد في نفسه القدرة على تحمل المسؤولية. لكن يجب أن يتم ذلك وفق قواعد الحياة المدنية والسياسية التي تحفظ لمصر خصوصيتها كدولة ليست قبلية أو عشائرية. لذلك فإن ما جرى من دخول وزير الدفاع السابق الى الحياة السياسية تم ضمن أجواء "المبايعة الشعبية والتأييد"، لا ضمن أجواء التنافس الانتخابي. فقد أصبح الجميع يعلم الآن اسم الرئيس القادم. فما هو الهدف إذن من المنافسة مع مرشحين لن يشكلوا تهديداً حقيقاً لفرص وزير الدفاع السابق في الفوز. 

هذا كله يمثل شروخاً عميقة في شرعية الرئيس القادم.