Thursday, 30 August 2018

ثورة يناير: واشنطن وثمانية عشر يوماً من الغضب


عندما بدأت تظاهرات الآلاف من المحتجين في السير في شوارع القاهرة والاسكندرية والسويس والاسماعيلية خلال صباح يوم الخامس والعشرين من يناير عام ٢٠١١، كانت لاتزال الساعة تشير إلى الثالثة صباحاً في واشنطن. لم تكن إدارة الرئيس الأمريكي باراك أوباما تدرك أنها بعد ساعات سوف تبدأ في مناقشة الأوضاع في القاهرة وقدرة حليفها الرئيس المصري حسني مبارك على التعامل مع تلك التظاهرات التي تزامنت مع احتفال عيد الشرطة المصرية.
الوضع تحت السيطرة
طالب المحتجون باستقالة وزير الداخلية المصري حبيب العادلي احتجاجاً على ممارسات الشرطة القمعية. وبالرغم من سيطرة القوات الأمنية على الموقف في المدن المصرية إلا أن استجابة المحتجين لدعوات حركة السادس من أبريل وصفحة "كلنا خالد سعيد" على موقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" كانت مؤشراً على أن الأيام اللاحقة سوف تكون التحدي الأكبر لمبارك خلال حكمه الممتد لثلاثة عقود، كما أنها ستكون التحدي الأكبر لعلاقة التحالف التي ربطت بين واشنطن والقاهرة منذ عام ١٩٧٩.
بسبب تقدم القاهرة على واشنطن بسبع ساعات، كانت الصورة أمام أوباما وأعضاء فريقه للأمن القومي أن نظام الرئيس المصري يسيطر على الأوضاع في القاهرة وأنه لا يوجد ما يستدعي القلق. يمكن ملاحظة ذلك من خلال تصريحات وزيرة الخارجية الأمريكية هيلاري كلينتون التي قالت للصحفيين "إن تقديرنا هو أن الحكومة المصرية مستقرة وأنها تنظر في الوسائل التي ستستجيب من خلالها للمطالب الشرعية (للمحتجين) وتخدم مصالح شعبها." أما البيت الأبيض فأصدر بياناً دعا فيه "جميع الأطراف للامتناع عن اللجوء للعنف"، كما دعا الحكومة المصرية "للاستجابة لطموحات الشعب المصري والبدء بإجراء إصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية".
جمعة الغضب
استمرت الإدارة الأمريكية في مراقبة الأوضاع في القاهرة خلال اليومين التاليين، لكن نقطة التحول الرئيسية الأولى كانت في استجابة عشرات الآلاف من المصريين في المدن المصرية للخروج والاحتجاج على الأوضاع السياسية والاقتصادية بعد صلاة الجمعة يوم ٢٨ يناير عام ٢٠١١ فيما عرف باسم "تظاهرات جمعة الغضب". الشعارات التي بدأت يوم الخامس والعشرين بالمطالبة بـ"عيش، حرية، عدالة اجتماعية" تحولت عصر ذلك اليوم إلى "الشعب يريد إسقاط النظام". في المساء كانت قوات الشرطة المصرية قد اختفت من شوارع القاهرة بعد أن فشلت في صد آلاف المحتجين الغاضبين من الوصول لميدان التحرير في قلب العاصمة المصرية، وبعد أن أحرقت المئات من مقار الشرطة في أنحاء البلاد. نزلت قوات الجيش إلى شوارع المدن المصرية وبدا أن الوضع في القاهرة قد خرج عن سيطرة وزارة الداخلية.
ألقى مبارك خطابه الأول خلال الأزمة وأعلن فيه عن استقالة الحكومة واعارف بشرعية مطالب المحتجين الذين يريدون المزيد من الديمقراطية والإصلاحات السياسية. بعد الخطاب تحدث أوباما مع مبارك وطالبه "بالقيام بالخطوات اللازمة والضرورية من أجل الوفاء بتعهداته" . لكن مسؤولاً رفيعاً في إدارة أوباما قال للإعلام في اليوم التالي إن خطاب مبارك "كان مخيباً للآمال بشدة، وأن مبارك يعتقد أنه سيستطيع الخروج من هذه الأزمة، لكن هذه المرة فإننا لا نعتقد أن تقديره سليم."
يروي وزير الخارجية المصري آنذاك أحمد أبو الغيط أنه تلقى يوم التاسع والعشرين من يناير اتصالين من هيلاري كلينتون، شددت فيهما على أن القيادة المصرية مطالبة بالسماح بالتظاهرات السلمية والقيام بإصلاحات (لم تحددها) بشكلٍ عاجل لإنهاء الأزمة. ويحكي أبو الغيط أنه نقل تفاصيل الاتصالين إلى رئيس جهاز الاستخبارات العامة المصرية اللواء عمر سليمان والذي كان يرافقه في زيارة إلى أديس أبابا، وأن سليمان أخبره بأن "الأمريكيين يقومون بالاتصال بجميع دوائر الحكم في مصر ... وأنهم يتحدثون بصوتين مختلفتين. الصوت الأول هو صوت البيت الأبيض، والذي يبدو أنه يتخذ موقفاً متشدداً من النظام في مصر. أما الصوت الثاني فهو صوت وزارة الخارجية الأمريكية والذي أظهر قدراً من المرونة خلال اتصالاته مع دوائر الحكم في القاهرة". وينقل أبو الغيط عن سليمان تعليقه على هذا الاختلاف بالقول إنها "طريقتهم التقليدية في توزيع الأدوار".
 لم يكن تحليل عمر سليمان لاختلاف طريقة واشنطن في التحدث مع القاهرة دقيقاً. فوفقاً لمذكرات هيلاري كلينتون فإن البيت الأبيض كان "يواجه معضلة في كيفية التعامل مع الأحداث في القاهرة"، فبالرغم من أن "مبارك كان حليفاً استراتيجياً لعقود، إلا أن مطالب المحتجين بالخبز والحرية والكرامة كانت متوافقة مع القيم الأمريكية". أما وزير الدفاع الأمريكي آنذاك روبرت غيتس فكتب في مذكراته أن البيت الأبيض كان منقسماً حول طريقة التعامل مع الأحداث في مصر. فنائب الرئيس جو بايدن وكلينتون وغيتس ومستشار الأمن القومي توماس دونيلون كانوا "قلقين للغاية من أن الرئيس والبيت الأبيض وأعضاء فريق الأمن القومي يميلون بشدة لضرورة تغيير النظام في مصر." ووفق غيتس فإن "أعضاء فريق الأمن القومي دعوا الرئيس للوقوف بقوة مع المتظاهرين في مصر لأنهم أرادوا أن يكون أوباما على الجانب الصحيح من التاريخ"، بينما دعا بايدن وكلينتون وغيتس ودونيلون للتحرك بحذر، محذرين من "تبعات التخلي عن حليفهم لثلاثين عاماً".
"الآن تعني أمس"
خوفاً من أن الانتفاضة الشعبية في شوارع المدن المصرية قد تؤدي إلى نتائج شبيهة بما حدث مع الثورة الإيرانية عام ١٩٧٩، اجتمع غيتس مع دونيلون وعبر له عن "قلقه العميق من أن الرئيس أوباما لن يستطيع من خلال بضع بيانات وتصريحات أن يمسح من ذاكرة المصريين تحالف واشنطن لعقود مع مبارك"، وأن على واشنطن أن تدعو "لانتقال منظم للسلطة" لتفادي أي فراغ في الحكم. أما هيلاري كلينتون فاستخدمت عبارة "الانتقال المنظم للسلطة" خلال مقابلة أجرتها يوم الثلاثين من يناير. لاحقاً، كتبت هيلاري كلينتون في مذكراتها أن استخدامها لعبارة "انتقال منظم للسلطة" بدلاً من "عبارة انتقال فوري للسلطة" كان مقصوداً، لأنها كانت تعتقد أن هذا النوع من الخطاب قد يساعد مصر على تحقيق الإصلاحات الضرورية بسلاسة.
في هذه الأثناء كان السفير الأمريكي الأسبق في مصر خلال الثمانينات، فرانك ويزنر، في القاهرة للتحدث مع مبارك كمبعوث لأوباما. كانت مهمة ويزنر إقناع مبارك بإنهاء قانون الطوارئ والتعهد بعدم الترشح في الانتخابات الرئاسية في سبتمبر وإعلان أن نجله جمال لن يترشح أيضاً أو يخلفه في السلطة. وتقول هيلاري كلينتون في مذكراتها إن مهمة ويزنر استندت لتوصياتها، والتي عكست رغبتها منذ البداية في "انتقالٍ منظم للسلطة".
في الأول من فبراير ألقى مبارك خطابه الثاني والذي تعهد فيه بما كانت إدارة أوباما قد طلبته منه. في أعقاب الخطاب حاول غيتس ومعه وزيرة الخارجية كلينتون إقناع أوباما بإن قطع العلاقة مع مبارك سوف يكون له تبعات سلبية على علاقة واشنطن بأصدقائها العرب في المنطقة. كان وزير الدفاع غيتس مشغولاً بمعرفة من سيتولى حكم مصر بعد مبارك، في حال أرغمته واشنطن على الاستقالة. وخلال اجتماع حضره دونيلون وبايدن وكلينتون ورئيس هيئة الأركان المشتركة الأدميرال مايك مولن وفريق الامن القومي، عرض غيتس على أوباما وجهة نظره التي ترى أن على الولايات المتحدة "أن تدع مبارك يرحل عن السلطة وهو يحتفظ بكرامته، ما سيمهد الطريق لانتقال السلطة إلى المدنيين بطريقة منظمة. وهو الأمر الذي سيرسل الى حلفاء واشنطن في المنطقة رسالة مفادها أنها لن تلقي بهم للذئاب."
لكن أعضاء فريق الأمن القومي من الشباب كانوا يدفعون باتجاه إرسال رسالةٍ أقوى وهي أن على مبارك أن يترك الحكم خلال أيام. حاول أركان الإدارة الأكبر سناً إقناع الرئيس باختيار كلماته بحذر خلال التحدث مع مبارك، وجادل غيتس بأن استخدام كلمة "الآن" للإشارة الى انتقال السلطة، لن يكون أمراً مناسباً. واتفق الأعضاء الرئيسيون في الإدارة الأمريكية على أنه لا يجب إعلان مضمون مكالمة أوباما مع مبارك. لكن أوباما اختار، وفق غيتس وكلينتون، أن يصغي للأعضاء الشباب في فريق الأمن القومي، وأن يقول لمبارك أن "انتقال السلطة المنظم يجب أن يبدأ الآن"، وأن يتم الإعلان عن مضمون المكالمة. في صباح اليوم التالي، سئل المتحدث باسم البيت الأبيض عن معنى كلمة "الآن"، فأجاب: "الآن تعني أمس".
شبح الثورة الإيرانية
لم يكن الخوف من تحول الانتفاضة الشعبية المصرية إلى ثورة شعبية تؤدي إلى وصول الإسلاميين للحكم كما حدث في حالة الثورة الإيرانية أمراً يخشاه المسؤولون الأمريكيون فقط. فوفقاً لغيتس فإنه تلقى مكالمةً غاضبة من ولي عهد أبوظبي الشيخ محمد بن زايد، والذي عبر فيها عن دهشته عن أن ما يسمعه من غيتس ونائب الرئيس بايدن مختلف عن الذي يسمعه من البيت الأبيض عبر وسائل الإعلام، وأن على واشنطن أن تدرك أن "النتيجة الوحيدة المتوقعة لسقوط مبارك هي أن تصبح مصر نسخة سنية من إيران"، وأن موقف أوباما من مبارك شبيه بموقف الرئيس الأمريكي الأسبق جيمي كارتر من شاه إيران خلال الثورة الإيرانية.
في الثاني من فبراير، اشتبك مناصرون لنظام مبارك يركبون الجمال والأحصنة مع المتظاهرين في ميدان التحرير فيما عرف باسم "موقعة الجمل"، بينما لم تتحرك قوات الجيش التي كانت تحاصر الميدان لفض الاشتباك. في الليل قتل خمسة برصاص قناصة وجرح أكثر من ثمانمئة. بعد الاشتباكات العنيفة والتي نقلت وقائعها شبكات التلفزيون الإخبارية حول العالم، قررت إدارة أوباما أن تكثف من اتصالاتها مع وزير الدفاع المصري المشير محمد حسين طنطاوي ورئيس الأركان الفريق سامي عنان ونائب الرئيس اللواء عمر سليمان والذي كان قد تم تعيينه خلال الأزمة.
من خلال الاطلاع على بيان وزارة الخارجية الأمريكية الصادر يوم الثاني من فبراير، يمكن ملاحظة أن واشنطن قررت بعد "موقعة الجمل" عزل مبارك عبر الاتصال بالجنرالات الثلاثة: طنطاوي، عنان، سليمان. فوفقاً للبيان فإن كلينتون اتصلت هاتفياً بسليمان و"شددت على أهمية الدور الذي لعبه الجيش المصري في عدم التحرك ضد المظاهرات السلمية". أما غيتس فتحدث مع طنطاوي وشدد على الحاجة "لأن يكون انتقال السلطة حقيقي، سلمي، وأن يبدأ الآن." كما عبر له عن قلقه من أن انتقال السلطة إذا لم يبدأ الآن فإن الأوضاع في مصر قد تخرج عن نطاق السيطرة. أما رئيس هيئة الأركان المشتركة الأدميرال مولن فتحدث مع عنان وعبر عن رغبته في حدوث "انتقال سلمي للسلطة"، فيما أكد عنان لمولن أن الجيش المصري لن يطلق الرصاص على الناس.
كانت تلك هي اللحظة التي قررت فيها واشنطن عزل مبارك والاعتماد على الجيش لضمان ألا تتحول الانتفاضة الشعبية في القاهرة إلى ثورة إيرانية أخرى.
الرهان على سليمان
في الأيام التالية كثفت واشنطن من اتصالاتها مع سليمان، ما أوحى بأنه ربما يكون الرجل الذي تثق في قدرته على تحقيق "الانتقال المنظم والسلمي للسلطة". في الثامن من فبراير تحدث بايدن مع سليمان وجدد له "دعم الولايات المتحدة لانتقال حقيقي، سلمي، منظم، فوري، وشرعي للسلطة". لكن سليمان شكا لبايدن من "أن مهمة التفاوض مع المتظاهرين في التحرير ليست مهمة سهلة لأنهم لا يملكون قيادة يمكن التحدث معها." (البيت الأبيض، مكتب نائب الرئيس ٨ فبراير ٢٠١١)
في العاشر من فبراير أعلن التلفزيون المصري أن مبارك سوف يلقي خطاباً هذا المساء. رئيس وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية ليون بانيتا قال لأعضاء في الكونجرس يومها "أن هناك احتمالية كبيرة أن يتنحى مبارك عن الحكم هذا المساء".
لكن خطاب مبارك الثالث أتى مخيباً لآمال المتظاهرين في التحرير وإدارة أوباما، وحتى لأركان نظام مبارك نفسه. فقد رفض التخلي عن السلطة وأعلن أنه سينقل سلطاته لنائبه سليمان. بعد الخطاب قرر الآلاف من المتظاهرين في التحرير التوجه للقصر الرئاسي. بدا لواشنطن أن الأمور في القاهرة تخرج عن السيطرة وأن مصر سوف تصبح "نسخة سنية من إيران". تحدث غيتس مع طنطاوي لمعرفة ما الذي يحدث. أخبره طنطاوي بأن جميع سلطات الرئيس باتت في يد سليمان وأن مبارك سيغادر لمنتجع شرم الشيخ، وأن الجيش المصري سوف يحمي الشعب. ومن اللافت أن غيتس لم يطلب من طنطاوي إزاحة مبارك عن السلطة، لكنه شدد على أن واشنطن تريد أن تفي الحكومة المصرية بوعودها في الإصلاح. كان انتقال السلطة بشكل "آمن ومنظم" في القاهرة لطرف تثق فيه الولايات المتحدة أمراً أهم من مصير مبارك.
في الحادي عشر من فبراير أعلن سليمان تنحي مبارك عن السلطة وتولي المجلس الأعلى للقوات المسلحة حكم البلاد، وهو ما أعتبرته واشنطن بدايةً لعملية "انتقال منظم للسلطة". في بيانه الأول تعهد المجلس العسكري بنقل السلطة لحكومة مدنية منتخبة وبالالتزام بجميع المعاهدات الدولية. في مذكراتها اعتبرت كلينتون أن هذه العبارة كانت "من أجل أن تطمئن إسرائيل أن الحكم الجديد سيلتزم بمعاهدة السلام التي يعد الحفاظ عليها واحداً من أهم المصالح الأمريكية في المنطقة."
الاستقرار يأتي أولاً
كان من الواضح خلال الأيام الثمانية عشر للثورة المصرية في يناير ٢٠١١ أن الولايات المتحدة لا يعنيها مصير مبارك بقدر ما يعنيها الحفاظ على الاستقرار في مصر، لأن ذلك سوف يحفظ لواشنطن مصالحها الحيوية في المنطقة.
منذ عام ١٩٧٩ كانت المطالب الأمريكية من النظام المصري تتمثل في خمسة أمور:
١. الحفاظ على معاهدة السلام مع إسرائيل.
٢. تقديم غطاء سياسي للتحركات الأمريكية في المنطقة كما حدث في حرب تحرير الكويت عام ١٩٩١.
٣. تقديم تسهيلات عسكرية للقوات الأمريكية في المنطقة بما فيها حق استخدام المجال الجوي والبحري المصري واستخدام القواعد العسكرية.
٤. تبادل المعلومات الاستخباراتية حول الجماعات الاسلامية المتشددة.
٥. تحرير الاقتصاد المصري وربطه بالاقتصاد العالمي، لأن ذلك سيعني ربط النظام أكثر بواشنطن.
ومن اللافت أن مبارك أخبر وزير خارجيته أبو الغيط في عام ٢٠٠٥ بأنه "يدرك أن الأمريكيين يريدون إنهاء حكمه ... وأن المتغطي بالأمريكان عريان". (مذكرات أبو الغيط، الجزء الأول)
حينها لم يكن الأمريكيون يشكون في وفاء مبارك بالمطالب الاستراتيجية الأمريكية الخمسة، ولكن كانت لديهم مخاوف من أنه لم يضع مساراً واضحاً لانتقال السلطة في حال وفاته. كانت سيناريوهات "اليوم التالي لمبارك" هي أكثر ما تخشاه واشنطن على الاستقرار في مصر.
خلال أيام الثورة المصرية بدا واضحاً لأوباما أن دعم مبارك سوف يتحول لعبء على مصالح الولايات المتحدة في المنطقة. كما بدا لأركان إدارته مثل غيتس وكلينتون أن التخلي عن مبارك سيعني عدم ثقة الأصدقاء العرب في واشنطن وتذكيرهم بما حدث لشاه إيران عام ١٩٧٩. لكن أوباما كان يعتقد أن الاستمرار في دعم مبارك هو ما سيؤدي إلى أن تتحول مصر "لإيران سنية"، وأن الحفاظ على الاستقرار لن يكون سوى بدعم الجيش كي يتولى السلطة لفترة انتقالية باعتباره العمود الفقري للدولة المصرية. رغم الخلاف بين أوباما وأركان إدارته حول مصير مبارك، كانوا متفقين على أن العلاقات العسكرية الأمريكية المصرية الممتدة خلال ثلاثة عقود سوف تكون ضماناً لواشنطن في الحفاظ على المطالب الاستراتيجية الخمسة من القاهرة.

Tuesday, 27 January 2015

ملكٌ جديد في مملكة ابن سعود


ينظر البعض للمملكة الصحراوية باعتبارها خزاناً كبيراً للنفط. ولكنها خلال أعوامها الثمانين استطاعت أن تجد لها أهمية أكبر من فكرة ارتباطها بالنفط. فالسعودية اليوم هي أحد المفاتيح الرئيسية لإقليم الشرق الأوسط، وهي أحد الخطوط الأمامية لأي مواجهة للغرب مع إيران.
كما أن لديها تأثيراً ضخماً في محيطها. يكفي أن السعودية التي يبلغ تعداد سكانها حوالي ٢٨ مليوناً، قادرة على التأثير في بلد بحجم مصر والتي يبلغ تعداد سكانها نحو تسعين مليوناً، بسبب العمالة المصرية. وهو ما انعكس في تغيرات اجتماعية وثقافية حدثت لقطاعات واسعة من المجتمع المصري عندما بدأت هذه العمالة في العودة إلى بلدها محملة بمفاهيم، تأثرت بثقافة أهل المملكة.
كما لابد من الالتفات إلى الثقل الديني للمملكة السعودية، والإنفاق المالي الضخم على الترويج لهذا الثقل في بلاد العالم الإسلامي من خلال المراكز الإسلامية التي تمولها السعودية والتي تتبنى تفسير الإمام محمد بن عبد الوهاب للإسلام.
لكن أهمية المملكة في هذا التوقيت بالذات تأتي من أنها على شفا مرحلة من التغيرات العميقة التي قد يكون لها تأثيرات هائلة على محيطها الإقليمي، وخصوصاً دول الخليج.
معضلة انتقال الحكم
بعد رحيل الملك فهد بن عبد العزيز في عام 2005، كان المهتمون بالشأن السعودي يعلمون أن ولي العهد عبد الله بن عبد العزيز سيخلف أخاه، وأن الأمير سلطان سيكون ولياً للعهد، والأمير نايف، وزير الداخلية، ولياً لولي العهد، وأن الأمير سلمان سيكون على خط وراثة الحكم في المملكة التي تأسست قبل أكثر من ثمانية عقود.
لكن ما حدث بعد ذلك جعل خط الحكم الأول في السعودية ينتقل الى جيل أحفاد الملك المؤسس عبد العزيز آل سعود. فولي العهد سلطان رحل عن الحياة عام 2011، وبعده بعام واحد رحل ولي العهد الأمير نايف بن عبد العزيز، ليصبح الأمير سلمان ولياً للعهد والأمير مقرن بن عبد العزيز ولياً لولي العهد. وبهذه التركيبة لبيت الحكم السعودي كان الجدل في الدوائر الأكاديمية المهتمة بالشأن السعودي في الغرب منصباً على من سيكون ولياً للعهد في حال وفاة عبد الله وسلمان. فالنظام الوراثي للحكم في السعودية فريد من نوعه. فالحكم لا ينتقل لأبناء الملك ثم لحفيده، ولكن ينتقل بين أبناء الملك عبد العزيز، ثم أبنائهم من بعدهم، وهو ما يعني أن ابن الملك لن يكون ولياً للعهد كما هو الحال في الملكيات الأخرى حول العالم.
هذا النظام الفريد في وراثة الحكم جعل الجميع ينظر باهتمام بالغ الى قرار الملك سلمان بتعيين محمد بن نايف، وزير الداخلية ونجل ولي العهد الراحل، ولياً لولي العهد الأمير مقرن بن عبد العزيز، والى قراره الآخر بتعيين نجله الأمير محمد بن سلمان وزيراً للدفاع ورئيساً للديوان الملكي خلفاً لخالد التويجري الذي كان يشار إليه من قبل المهتمين بالشأن السعودي في السنوات الأخيرة من حكم عبد الله بن عبد العزيز باعتباره شخصاً يلعب أدواراً مهمة في صياغة السياسات الداخلية في المملكة.
التحديات الداخلية
تصدر أحفاد عبد العزيز المشهد السعودي ووصولهم الى الخط الأول للحكم يعتبر أحد التحديات الداخلية الرئيسية بالنسبة للملك الجديد سلمان بن عبد العزيز، خصوصا وأن هنا طبقة واسعة من أبناء الملوك الراحلين الذين يرغبون في أن يدخلوا على خط الحكم. ولعل علامة الاستفهام الأبرز هي حول الوضع القادم للأمير متعب بن عبد الله بن عبد العزيز والذي يرأس الحرس الوطني.
التحدي الداخلي الثاني هو ما يجري في المنطقة الشرقية من المملكة النفطية من توترات بين سلطات الأمن وبين المواطنين الشيعة والذين يشعرون بأنهم مهمشون في التنمية، كما أن لديهم مطالب بحرية أكبر في ممارسة شعائرهم الدينية.
أما التحدي الثالث فهو انخفاض أسعار النفط وهو ما سيؤدي الى إجراء إصلاحات اقتصادية قد تعني خفض الإنفاق الداخلي على مشاريع التنمية، وربنا تؤثر أيضا على قدرة المملكة في دعم حلفائها في الإقليم.
التحديات الخارجية
بعيداً عن التحديات الداخلية هناك مجموعة من التحديات الخارجية التي سيكون على الملك الجديد سلمان بن عبد العزيز التعامل معها وعلى رأسها ملف إيران، والذي يحمل بداخله أوراقاً إقليمية شديدة الحساسية بالنسبة للسعودية ومنها الوضع في اليمن ودعم حزب الله في لبنان والوضع في سورية والمفاوضات بين الغرب وطهران حول برنامجها النووي.
التحدي الخارجي الثاني هو استمرار الاضطرابات في الإقليم. فثورات الربيع العربي لم تطح بأنظمة الحكم في دول المنطقة فحسب، وإنما بدأت في إعادة بناء المنطقة جيوسياسياً. وهو ما سيشكل تحدياً أمام مملكة لم تكن مرحبة بها كما حدث مع الحالة المصرية واليمنية والبحرينية، فيما دعمتها كما حدث في الحالة الليبية ويحدث حالياً في الحالة السورية.
وكانت السعودية قد خسرت أهم حليفٍ إقليمي لها عندما تم الإطاحة بالرئيس المصري السابق حسني مبارك. ووفق تعبير أحد رجال الأعمال السعوديين المقربين من بيت آل سعود فإن "مبارك كان من الخطوط الرئيسية للدفاع عن المملكة في إقليم الشرق الأوسط"، كما أنه كان شريكاً رئيسياً في الحرب الباردة مع إيران. لكن المملكة استطاعت أن تعوض ذلك عبر الاستثمار بكثافة في بناء حلف جديد مع الرئيس الحالي عبد الفتاح السيسي.
على الصعيد الخليجي، فإن الملك الجديد يتمتع بعلاقات دافئة مع جميع حكام الخليج. لكن هذه العلاقات الدافئة قد لا تمنع قطر وسلطنة عمان من التحليق خارج السرب الخليجي الذي تقوده الرياض. فالدوحة دعمت جماعة الإخوان في مصر حتى بعد رحيلهم عن الحكم، وهو ما لم يكن موضع ترحيب من الرياض. أما مسقط فلعبت دور وساطة هام بين إيران والولايات المتحدة من أجل التمهيد لمحادثات حول برنامج طهران النووي. لكن الدوحة عادت وأقفلت قناة الجزيرة مباشر مصر، بعد ضغوط سعودية، من أجل تطبيع العلاقات مع النظام الجديد في القاهرة.
التحدي الأهم أمام الوجوه الجديدة في قصر الحكم برياض سيكون مواجهة رياح عودة التطرف الى المملكة. فمنذ نهاية حرب الخليج الثانية عام 1991، ومملكة ابن سعود تدفع ثمن دعمها لجماعات المجاهدين العرب الذين نقلتهم الى افغانستان في ثمانينات القرن الماضي من أجل محاربة الاحتلال السوفيتي.
فأبرز قادة هذه الجماعات، وهو أسامة بن لادن، كان أحد الذين اصطدموا مع بيت آل سعود حول الوجود العسكري الأمريكي في المملكة. وقد أدى ذلك الى سلسلة من عمليات التفجير التي استهدفت القوات الأمريكية، والتي أدت لاحقاً الى قيام البنتاجون بنقل الجزء الأكبر والأهم من قواته ومعداته الى قطر.

خلال السنوات العشر الأولى كان وزير الداخلية الراحل الأمير نايف بن عبد العزيز وابنه محمد يقودان المواجهة مع التطرف في المملكة. ورغم النجاحات الكثيرة التي حققتها أجهزة الأمن السعودية في ملاحقة المتطرفين داخل وخارج حدود السعودية، إلا أن الثمن الذي دفعته البلاد كان باهظاً.
الآن محمد بن نايف أصبح ولياً لولي العهد ونائباً ثانياً لرئيس مجلس الوزراء، وهو الممسك بالملف الأهم في تركيبة الحكم السعودية وهو الملف الأمني الذي سيتولى التعامل مع ملفات عديدة ومنها ضرب أذرع تنظيم القاعدة المحتملة بالإضافة الى منع تنظيم الدولة الإسلامية من الوصول الى الداخل السعودي عبر أي عمليات عنف قد يقوم بها متعاطفون معه.

ما هو مستقبل مملكة ابن سعود؟ وهل يستمر بيت آل سعود في المحافظة على الانتقال السلس للحكم؟ وكيف سيكون شكل التغيير في مملكة بلغت من العمر عتياً؟ تبدو هذه الأسئلة معلقة بدون إجابة بسبب تركيبة المجتمع في هذه المملكة، والتي تشبه في حركتها واضطرابها تشكيلات الرمال المتحركة في الربع الخالي.

Wednesday, 7 January 2015

الهجوم على تشارلي إبدو: المسلمون الضحية الأكبر

الصورة لمحطة "جار دو نور" في باريس - تصوير أحمد زكي ٢٠١٤
الهجوم اللي حصل على مقر مجلة تشارلي إبدو في باريس حدث غير عادي، ويمكن اعتباره نقطة فاصلة في علاقة المجتمعات الغربية بالمسلمين، زي النقاط الفاصلة الكبيرة ومنها الهجوم على نيويورك وواشنطن في ١١ سبتمبر ٢٠٠١. ودة لأكتر من سبب:

١. خلية مكونة من ٣ أشخاص معاهم بنادق آلية وبيضربوا نار في عز النهار في وسط عاصمة غربية ويقتلوا ١٢ شخص، منهم شرطي مصاب بيترجاهم ما يقتلهوش، فيضربوه بالنار في دماغه في عملية إعدام علنية مصورة. الصور والعملية يشوفها ملايين حول العالم.
٢. الهدف مش قسم بوليس أو قاعدة عسكرية ولكن مقر مجلة. الضحايا رسامي كاريكاتير. دة بيحسس أفراد المجتمعات الغربية بالخطر زي ما حسوا لما حصل تفجيرات لندن في ٢٠٠٥ أو تفجيرات مدريد.
٣. الهجوم تم باسم الدفاع عن الاسلام. المجلة مثيرة للجدل ولكن العقلية الغربية بتتوقع إن الرد على الرسم يكون بالرسم والكلام يكون بالكلام. المهاجمين ما قالوش إنهم بيهاجموا المجلة لأن أفرادها مثلا كانوا جنود في دول إسلامية (وطبعا دة مش مبرر) ولكن هما أعلنوا إنهم بيقتلوا من أجل الدفاع عن النبي عليه الصلاة والسلام، ودة اللي عاوزه اليمين المتطرف في أوروبا وهي إثبات إن الاسلام غير قابل للوجود بسلام في الغرب، أو إن المسلمين ممكن يكونوا مواطنين كاملي المواطنة في أوروبا دون أن يشكلوا خطر على المجتمعات اللي عايشين فيها.
٤. الهجوم استهدف القطاع الأكثر تأثيرا في تشكيل وصياغة الرأي العام في الغرب وهو قطاع الصحافة، وبالتالي بقت مهمة المسلمين في أوروبا لتحسين صورتهم أو الدفاع عن نفسهم أو إعلان إنهم مواطنين كاملي المواطنة في مجتمعاتهم الغربية، بقت مهمتهم أصعب مما كانت عليه قبل الهجوم. يكفي إن كل التقارير التلفزيونية والصحفية في وسائل الاعلام الكبرى والرئيسية في الغرب ركزت على إن المهاجمين رددوا صيحات : الله أكبر ، باللغة العربية خلال إطلاق النار، في تأكيد على هوياتهم الدينية.

من جهة تانية النقاش في دوائر السوشيال ميديا العربية بعد الهجوم كان بينقسم الى مجموعات جديرة بالتوقف عندها.
١. مجموعة من اللي عاشوا في الغرب أو يقيمون في الغرب اعتبروا الحادث عمل إجرامي ووحشي وله تبعات مخيفة على المسلمين في أوروبا.
٢. مجموعة تقيم في دول عربية واعتبرت إن مش مهم الدفاع عن صورة الاسلام في الغرب أو الاهتمام برأي الغرب في المسلمين لأن فيه سياق أوسع وهو الحرب الحتمية أو المستمرة بين الدول المسلمة والغرب الاستعماري (البعض كمان وصفه بالصليبي) وبالتالي فإن الهوس بصورة المسلمين في الغرب هو "انهزامية" وانسحاق للمستعمر! طبعا منطق المجموعة دي جاي من فكرة بسيطة: يا عمي ما يولعوا ، يعني أنت شايفني قاعد في روما!
٣. مجموعة اعتبرت إن العمل دة مش إرهابي وإن له تأصيل إسلامي وإن الاسلام لازم يدافع عن نفسه عبر القتال. ودي مجموعة منتشرة وليها تواجد فعال في السوشيال ميديا. ومن الغريب إن عدد كبير من المجموعة دي عايشين في دول خليجية نفطية عندها علاقات تحالف استراتيجي مع الغرب وقواعد لدول غربية على أراضيها. والمجموعة دي لا تعلن الحرب على الدول اللي هي عايشة فيها ولكن شايفة إن تأييد العنف باسم الخلافة أو الاسلام في العراق أو سوريا أو الغرب عمل جليل!
٤. مجموعة تعتقد إن العمل الارهابي دة هو مؤامرة مخابراتية من الغرب لتشويه صورة المسلمين. دول ناس ما يتردش عليهم.
أعتقد أهم رد فعل كان من مراسل قناة الجزيرة في فرنسا اللي أجهش بالبكاء (ولكن تماسك ولم يبكي) وقال إنه يعتقد كمواطن مسلم يعيش في فرنسا وليس كمراسل إن أيام المسلمين القادمة في فرنسا ستكون شديدة الصعوبة.
بالمناسبة الماليزي المسلم في الغرب لا يواجه مشاكل زي اللي بيواجهها المسلم العربي أو المسلم الباكستاني أو المسلم الأفغاني. ودة يخلينا نتأمل أكتر في ازاي المجتمع الماليزي أدار علاقته بالغرب خلال الثلاثين عاما الأخيرة.

أهم حاجة ممكن الواحد يطلع بيها من الهجوم دة هي إن فيه مشكلة عميقة حتواجه المسلمين في الغرب والمشكلة دي حيكون ليها انعكاسات وآثار عنيفة على علاقة الغرب بالمجتمعات المسلمة في الشرق وتحديدا المجتمعات العربية. ودة كله حيزيد المسلمين في الغرب انعزالا وحيزيد المجتمعات العربية انعزالا أكبر بما إنها تعتمد بشكل كلي على الغرب في نقل التكنولوجيا والحداثة إليها.

ربنا يستر على المسلمين في أوروبا . القادم أيام سودا..! كحل.

Thursday, 28 August 2014

السبع وصايا: تفاحة سيد المحرمة



١

بالرغم من مرور أكثر من خمسة عشر عاماً، لا أزال أذكر حلقة مدبلجة مدتها عشرون دقيقة من مسلسل أمريكي للرسوم المتحركة. الحلقة تدور حول مجموعة من الصبية الذين يلعبون الكرة بالقرب من سور بيت قديم.

خلال اللعب يخطئون في قذف الكرة وتهبط خلف سور البيت القديم. يتطوع أحدهم للذهاب لاسترداد الكرة. لكن أقرانه يحذرونه من أنه سوف يختفي كما اختفى صاحبهم القديم "سامح" عندما ذهب لاسترداد الكرة التي سقطت خلف سور البيت القديم ولم يعد. يشعر الصبي بالخوف. يتراجع عن الفكرة. في اليوم التالي يتكرر الأمر، ويتكرر التحذير. في اليوم الذي يليه يقرر الصبي الذي لم يقابل سامح ولم يكن حاضراً واقعة اختفائه، أن يسترد الكرة. يذهب الى بوابة السور المخيفة. يتخطاها. يصل الى باب البيت. يبدأ بالطرق. يظن أن البيت مهجور. يفتح باب البيت ويقابله ظلامٌ دامس. تظهر من بين الظلام سيدةٌ عجوز معها شمعة.

تسأله السيدة: أنت جيت ليه؟ يجيب وهو يرتعد: علشان أجيب الكرة. تخبره: أنا عندي كور كتير جوة. ادخل خد اللي أنت عايزه. بعد تردد يذهب لأخذ كرة، ويهم بالخروج من البيت. لكن السيدة تسأله بطيبة: أنت مش عايز تشرب عصير؟ ثم تقوم وتحضر له عصيراً ويبدو من حديثها أنها سيدة طيبة، حيث تطلب منه أن يذهب ويحضر أصدقائه ليلعبوا بالكرات الكثيرة الموجودة في منزلها.

ينجح الصبي في إقناع أصدقائه بالدخول. يفاجأون بكرم وطيبة السيدة العجوز.

خلال لعبهم، تنتقل الكاميرا الى وجه السيدة العجوز وهي تقول بصوت خافت: فكروني بالواد سامح!

وتنتهي الحلقة.

لا أحد يعلم ما الذي حدث لسامح. هذا متروك لخيال المشاهد. المهم أن صناع هذه الحلقة استطاعوا بناء حدث في خيال المشاهدين، وتركوا المشاهدين يتخبطون بين الإحساس بالخوف من السيدة العجوز، ثم الإحساس بأنهم ظلموها، ثم العودة الى هذه النهاية المفتوحة.

البطل هنا هو خيال المشاهد نفسه!

٢

في الحلقة الأولى من مسلسل السبع وصايا، نتعرف على سبع إخوة. بوسي، الأخت الكبرى. محمود، صبري، منصف، إم إم، مرمر وهند.

سبع شخصيات متباينة في مدى التزامها الأخلاقي والديني. منهم من يعمل خادما لمسجد. ورعٌ وتقي. ومنهم من يحترف الجريمة. بلطجي للإيجار!

في الحلقة الأولى تقنعهم بوسي بأن أبيهم لديه في البنك ثمانية وعشرين مليوناً من الجنيهات. ليس من المهم معرفة كيف جمع المال. لكن من المهم أن تعلم الأشياء التالية: هذا الأب قاسٍ وبخيل. لم يكن أباً حنوناً أو رحيماً. هو في غيبوبة لم يفق منها منذ ست سنوات.

الحل الذي تطرحه بوسي هو قتله كي ينعم كل ابن وابنة بنصيبه من الميراث. يستيقظ "سيد نفيسة" من غيبوبته فجأة ويشتم أبناءه ويطلب من بوسي محاميه. يبدو أن يخطط لمنع أبنائه من التمتع بثروته. يعود الى الغيبوبة مرة أخرى. تدخل بوسي الى غرفته وتنزع عنه المحلول الذي يبقيه حياً. يموت سيد نفيسة في فراشه الذي لم يغادره منذ ست سنوات.

أثناء مظاهر الحزن المفتعل، تنتقل الكاميرا الى باب غرفة سيد نفيسة المفتوح لنشاهد سريره وقد خلا من جثة سيد نفيسة!

تنتهي الحلقة الأولى.

من سيشاهد الحلقة الثانية فإنه سيكون مثل من شاهد حلقة "فكروني بالواد سامح".. سيكون قد وقع عقداً مع صناع العمل بأن العقلانية والمنطق هما فعلٌ جانبي لحدوتة أكثر غموضاً ورمزية مما تبدو عليه!

منذ تلك اللحظة وحتى المشهد الأخير في الحلقة الثلاثين والسؤال هو: كيف اختفت جثة سيد نفيسة؟

لكن المشاهد يكتشف أن اختفاء جثة سيد نفيسة وعودتها المرهونة بتنفيذ الوصايا، ليست هي الهدف من الرحلات المرهقة للإخوة السبعة. لكن الهدف هو فك شيفرات الرموز التي تتجسد في الأب الغائب جسداً والحاضر في أحلام أبنائه. تتجسد في الوصايا التي لا يقبل تنفيذها الجدل، لكن تقبل التأويل!

تبلغ الرمزية ذروتها في مشهد محاكاة لوحة "العشاء الأخير" في الحلقة التاسعة والعشرين، وفي سؤال الأخوة وهم يحتضرون لبوسي، الابنة الوحيدة التي يشعر معها الأب أنها من صلبه، "قتلتينا ليه يا بوسي؟"، فتأتي إجابتها بكل ما تحمله من يقين: "وصية أبويا ولازم أنفذها." لكن صبري هو يهوذا الحدوتة! خان بوسي ولم ينفذ وصيته.

هناك طريقتان إذن للتعامل مع "السبع وصايا" كعمل فني. الطريقة الأولى والتي وقع في أسرها المشاهدون حتى الثلث الأخير من المسلسل، هي تناول التفاصيل والأحداث بشكلها الظاهري والانشغال بما هو منطقي منها أو البحث عن إجابة عقلانية لظواهر ميتافيزيقية.

أما الطريقة الثانية فهي عدم مشاهدة الحلقة الأخيرة، والتوقف عند الحلقة التاسعة والعشرين، ثم الرجوع بالذاكرة الى بعض مشاهد العمل للتأكد من أن المسلسل لم يكن مجرد حدوتة عن ميت يبتز الأحياء برجوع جثته، وإنما عن تصور أدبي للقدر وأزمة الإنسان بين ما هو مخيرٌ فيه وما هو مسيرٌ إليه، وعن أشياء أخرى أعمق..

٣

بعد سنوات من الآن سينضم مسلسل "السبع وصايا" الى كلاسيكيات الدراما. ستعود إليه أجيالٌ قادمة من المشاهدين لإعادة اكتشافه. سيتوقفون عند موسيقى هشام نزيه، والحضرات الصوفية. سيبحثون عن الرموز المرئية التي وظفها ببراعة خالد مرعي. سيقرأون السيناريو والحوار مطبوعاً ويحللون مشاهد بعينها.

ربما سيتجادلون في شبكات التواصل الاجتماعي حول من هو ممثلهم أو ممثلتهم المفضلة في هذا العمل. وسيجمعون على أن بوسي (رانيا يوسف) أتقنت أداء دور شديد الصعوبة، وأن مرمر (ناهد السباعي) أدت دوراً مركباً ومدهشاً. ثم سيشيدون بأداء إم إم (هنا شيحة) وزوجها أحمد عرنوس (وليد فواز)، وسيحزنون على قصة حبهما الأليمة. وبالتأكيد لن يكفوا عن الإعجاب بالأداء المذهل لأوسة (سوسن بدر) في هذا العمل، أو الانبهار بصوت وأداء سيد نفيسة (أحمد فؤاد سليم). صبري (شاهين) ومحمود (صبري فواز) ومنصف (هيثم زكي) ودلال (نسرين أمين) وماجدة (شيرين الطحان) وشحاتة (ابتهال الصريطي) وإسعاد (ألفت إمام)، سيكون لهم نصيبٌ من الإعجاب والإشادة.

لكن انبهار الأجيال القادمة من المشاهدين بالعمل سيظل طازجاً كما هو اليوم. فالمسلسل لم ينشغل بالأحداث السياسية الجارية. وإنما جعلها مجرد إطار زمني لأحداث العمل. فنحن نعلم من خلال بعض الجمل الحوارية أن الأحداث تجري بعد ثورة يناير ٢٠١١، وأنها تمتد لما بعد عزل مرسي من الحكم. لكن لا ينشغل المسلسل بإظهار الانتماءات السياسية لأبطال العمل ولا مواقفهم مما يجري في المجتمع. هذا ليس موضوعه. فالمجتمع في المسلسل هو الأخوة السبعة. وهذه هي القراءة وفق الطريقة الأولى. أما لو كنت ممن يفضلون قراءة العمل وفق الطريقة الثانية، فإن المسلسل سيأخذك الى تلك المنطقة التي ربما ستفضل اجتنابها!

٤

حيرجع.. حيرجع.. هو راجع! ... فكروني بالشيخ سيد!