Wednesday, 28 March 2012

الإخوان والتجربة السوفيتية: انهيار جدار برلين ووقائع اليوم الأخير


أنشئت جماعة الاخوان المسلمين عام 1928. أي أنها تبلغ من العمر 84 عاماً. بينما أنشئ اتحاد الجمهوريات السوفيتية المعروف اختصاراً بالاتحاد السوفيتي عام 1922 ومات في 1991.

وفق المقارنة الواردة في التدوينة التالية، فإننا لو طبقنا المقاييس السوفيتية على جماعة الاخوان فنحن الآن في عام 1982. وهو العام الذي شهد وفاة الزعيم السوفيتي القوي (أو هكذا بدا للغرب) بريجنيف وتولى أندربوف السكرتارية العامة للحزب الشيوعي، ليرحل ويتولى تشيرنينكو، ليرحل هو الآخر ويتولى جورباتشوف المنصب الأول في الدولة السوفيتية عام 1985.

أسباب انهيار الاتحاد السوفيتي: رؤية ذاتية

هناك ثلاثة أسباب رئيسية وراء انهيار الامبراطورية السوفيتية التي كانت الأكبر في العالم من حيث المساحة وربما من حيث الموارد ولكنها لم تستطع أن تقاوم السباق الذي فرض عليها من المعسكر الغربي وانهارت بعد سبعة عقود.

السبب الأول: لم تحترم التجربة السوفيتية التنوع العرقي لجمهوريات الاتحاد، وحاولت التجربة فرض نموذج موحد على جمهوريات لها خصوصيات ثقافية وعرقية. في المقابل كانت الولايات الأمريكية التي تجمعها الكثير من القواسم، تتمتع بحكم فيدرالي يسمح لشعوبها باختيار ما يلائمهم من أنظمة وقوانين بعيداً عن سيطرة العاصمة الفيدرالية، ولكن ضمن إطار المبادئ الموجودة في الدستور الأمريكي.

السبب الثاني: انفراد موسكو بالقرار جعل من الصعب أن تطور التجربة نفسها، خصوصا مع المساحة الشاسعة للاتحاد السوفيتي. كما لم تستطع التجربة أن تفرز جيلا جديدا من السياسيين الذين يتمتعون بمرونة ورؤية للمستقبل بعيدا عن الإطار الأيدولوجي الصارم. في المقابل كانت الرأسمالية في الغرب تطور من نفسها وتسمح بتبني العديد من الطروحات الاشتراكية فيما يتعلق بالعدالة الاجتماعية من أجل تفادي الانزلاق نحو اضطرابات واسعة في المجتمعات الغربية قد تؤدي لاحقاً الى انهيار التجربة الغربية.

السبب الثالث: أدى انهيار جدار برلين الى انهيار الستار الحديدي الذي كان يفصل بين شرق أوروبا وغربها مما ترجم فورياً لدى شعوب الاتحاد السوفيتي بأن الخوف من الغزو الغربي تلاشى، ولم يعد الخوف من الحرب مع الغرب مبرراً للبقاء تحت مظلة الاتحاد السوفيتي، الذي استنزف الكثير من موارده في فكرة تصدير الشيوعية فيما عرف بسياسات الأممية.

السبب الرابع: نتيجة تراكم أخطاء التجربة السوفيتية، ومع أول محاولة إصلاح "متأخرة" والتي جاءت مع جورباتشوف وحزمة سياسات الجلاسنوست/البيرسترويكا، بدأت تظهر كل الشروخ التي كانت غير ظاهرة خلال الحقب السابقة. كما أدركت الجمهوريات السوفيتية أن قبضة موسكو قد وهنت كثيرا وأن هذه الحزمة من الإصلاحات المتأخرة قد تسمح بالاستقلال والقضاء على التجربة السوفيتية.



كل ما سبق ينطبق بنسبة كبيرة على تجربة الإخوان وهذه هي الأطروحة التي أتخيل أنها ستتسبب في اقتراب اليوم الأخير في حياة جماعة الإخوان:

السبب الأول: في التجربة السوفيتية كان لاستبداد فئة محدودة من صناع القرار في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي تأثيرا سلبيا على التجربة بأكملها. في التجربة الاخوانية فإن استبداد فئة محدودة من الحرس القديم في مكتب الإرشاد سيؤدي الى نفس التأثير على مسار الجماعة وعلى وحدتها الداخلية.

السبب الثاني: من الواضح أن هناك انفصالا بين الحرس القديم وبين جيل الشباب في الجماعة والذي يبدو أكثر تطورا ومرونة من الحرس القديم. هذا الانفصال شهدته أيضا التجربة السوفيتية وأدى الى تسارع انهيار التجربة. يكفي أن قطاعاً مؤثراً من جيل الشباب في الإخوان تأثر بشكل كبير بروح التمرد التي ولدت في الخامس والعشرين من يناير ولم يعد يستطيع أن يقبل تحكم رجال، من نفس سن مبارك ورجاله، في مصائرهم وتوجيههم وفق قاعدتي "السمع والطاعة" و"لا تجادل، فالجدال من صفات بني إسرائيل".

السبب الثالث: وفق ما قاله لي أحد أعضاء الإخوان الذين تم تجميد عضويتهم (وهو بالمناسبة نجل أحد كبار رجال الأعمال المؤثرين في الجماعة وقد ورث عضويته عن والده والذي بدوره ورثها عن والده!) فإن الجماعة تتعرض لما يعرف بحركة "ترييف الإخوان" والمعني بها سيطرة القادمين من الريف على مفاصل الجماعة ورفضهم لسيطرة "الأفندية". وعندما نقلت هذه الشكوى من صديقي "الأفندي" لأحد القيادات الوسطى في التنظيم الدولي (وهو من الريف) كانت إجابته الاستنكارية: وما المشكلة؟ نحن الأغلبية في الجماعة ومن حقنا السيطرة عليها! هذا الصراع سيؤدي الى تسارع ظهور الشروخ في التجربة الاخوانية.

السبب الرابع: جماعة الاخوان بكل ما تدعيه من خصوصية، هي ابنة المجتمع المصري بكل عيوبه ومثالبه. وبالتالي كل مشاكل المجتمع مثل الطبقية، والتوريث وسيطرة العائلات، ورثتها الجماعة. يكفي أن نعرف أن محمود غزلان (القيادي البارز والذي أثبت فشلاً ذريعاً في المعركة التي افتعلها مع الإمارات) هو زوج شقيقة خيرت الشاطر (الحاكم الفعلي للإخوان والذي يحاول بسط قبضته الحديدية على الجماعة من خلال قدراته المالية الواسعة). بينما وفق مصادر داخل الإخوان، فإن أحد أسباب عدم تصعيد عصام العريان بشكل بارز أنه "أقل طبقياً" من باقي القيادات، التي ترتبط بعلاقات مصاهرة ونسب.



السبب الخامس: كل الشروخ الناتجة عن الأسباب الأربعة السابقة كانت غير ظاهرة لمن هم خارج الجماعة وغير مطروحة للنقاش، بسبب القمع الأمني الذي تعرضت له الجماعة على مدى عقود والذي أدى الى المحافظة على وحدة الجماعة وتماسكها، باعتبارها تواجه خطراً خارجياً يهدد جميع أعضائها. ولكن سقوط جدار برلين المصري المتمثل في خلع مبارك أدى الى زوال هذا الخطر الخارجي وبالتالي ضعفت كثيرا رابطة الخوف من الأخطار الخارجية. وما يحاول فعله خيرت الشاطر حاليا من خلال التصعيد الأخير مع المجلس العسكري هو إعادة إنتاج هذا الخطر من أجل الحفاظ على وحدة الجماعة وعدم حدوث انشقاقات كبيرة أو انقلاب داخلي يطيح به وبالحرس القديم.

السبب السادس: حاولت جماعة الاخوان على مدى عقود أن تكون الوكيل الحصري للمشروع الاسلامي في مصر والمنطقة. وعندما بدأت جماعات الجهاد الحركي مثل الجهاد والجماعة الاسلامية في تقديم مشروع إسلامي خاص بها، كانت الإخوان تقدم نفسها باعتبارها الوكيل الحصري لمشروع إسلامي معتدل، غير متطرف وقادر على الوصول لصفقات مع الغرب. لكن انشقاق أبو الفتوح وترشحه في انتخابات الرئاسة، مثل بالنسبة لبعض المتحمسين للمشروع الاسلامي فرصة كي يعاد طرحه بعيداً عن جماعة الإخوان التي أظهرت انتهازية سياسية مدهشة منذ خلع مبارك.

وقائع اليوم الأخير

بالرغم من المحاولات الدائمة من قبل أعضاء مكتب الإرشاد لإظهار أن المجلس العسكري يناصبهم العداء وأنهم يتفادون الصدام، فإن جماعة الإخوان تدرك أنها مقبلة على تحدي كبير في حال فوز أبو الفتوح بالرئاسة. فالرجل سيسحب البساط من تحت أقدامهم في جزئية احتكار المشروع الاسلامي، كما أن الصدام معه وارد بسبب الخلافات بينه وبين خيرت الشاطر، وما يقال عن الأخير من أنه يأخد مسألة إسقاط أبو الفتوح في الانتخابات على محمل شخصي!

كل هذه العوامل ستؤدي الى الإدراك المتأخر لدى المخلصين للتجربة الاخوانية بأن الجماعة تحتاج الى وجه إصلاحي شاب لتولي القيادة. يمكن أن يكون وفق مفهوم التجربة السوفيتية "جورباتشوف الإخوان". وستبدو حينها السياسات الإصلاحية فرصة لانشقاق جماعات أكبر من الإخوان والإنضواء تحت تجارب تخدم مصالحها، خصوصا بعد أن دخلت الجماعة على خط السلطة وأصبحت نسخة معدلة من الحزب الوطني!



ولمن يستبعدون انهيار الجماعة ويعتقدون أن الاتحاد السوفيتي الملحد قد ينهار بينما جماعة تعمل وفق القرآن الكريم لا يمكن أن تنهار، فإني أود أن أذكرهم بانهيار الامبراطوريات الأموية والعباسية والعثمانية وهي كلها تجارب قالت أن القرآن دستورها. أما على الصعيد السياسي المصري فأود أن أذكر بتجربة اضمحلال الوفد من حزب للأمة المصرية بمفهوما الواسع في عهد النحاس، ووصول وفد سعد زغلول الى حقبة السيد البدوي وخدمة النظام على مستوى القضاء على جريدة معارضة!

على الجانب الآخر، يبدو الصدام بين العسكر والإخوان مستبعداً لأن الطرفين غير مؤهلين لذلك من ناحية السن أو حتى من ناحية الإدراك المشترك بأن قواعد السلطة الأبوية في مصر قد انهارت في الثامن والعشرين من يناير، وبالتالي لم يعد لدى الطرفين الكثير من أوراق اللعب.

"إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ" - سورة آل عمران الآية 140




Thursday, 22 March 2012

أياً يكن رئيسك، فهو رئيس خالي من الدسم.. والصلاحيات أيضاً


أبو اسماعيل أبعد من أن يكون مرشحاً رئاسياً فقط! هو تعبير عن عقلية تحب السباحة الحرة في الخيال ومصطلحات مثل "البغددة" و"العز" و"المحمرو"المشمر".

المرشح الرئاسي حازم أبو اسماعيل، ومن خلاله أحاديثه حول دعم إسرائيل من خلال بيبسي، والتريليونات الموجودة في خزائن مصر، وتحويل الرمال الى ذهب من خلال مصنع نظارات ألماني (لم يقل ما هو عنوانه لكنه موجود طالما قال ذلك) هو تعبير عن عقلية لتيار كبير في المجتمع.

عقلية تستسهل الخيال المليء بأنهار اللبن والعسل دون أن تفكر في كيفية الوصول لهذه الأنهار أو العمل من أجل بناء قاعدة صناعية حقيقية، تحقق قيمة مضافة للاقتصاد. عقلية تريد أموال الخليج وغابات أوروبا ورخاء أمريكا دون أن تفكر في العمل مثل اليابان أو ماليزيا! ‪‏

عمرو موسى أكبر من كونه مرشح النخبة بمفهومها الطبقي. هو تعبير عن عقلية تجد أن رجل الدولة هو سيجار وكرافتة وكاس ويسكي وكلمتين تلاتة انجليزي..!

بعض الأصدقاء أضافوا لهذه المواصفات: ولغد..!

لكن بعيدا عن المواصفات الشكلية فإن عمرو موسى يمثل عقلية تعتقد أن مصر هي دولة محورية في الشرق الأوسط ومحوريتها تفرض عليها أن تستضيف العديد من المؤتمرات الإقليمية والدولية والعالمية والكونية، وأن هذه المؤتمرات تحتاج لشخصية "بتعرف" لغات أجنبية ويجيد التعامل مع الدبلوماسيين والأجانب ويدخن السيجار، رمز "العز" الغربي.

وهو رجل سيفرض على الجميع احترام مصر لأنه "إكسلنس"..! وهو تعبير عادة ما ستسمعه من سائقي سيارات الأجرة "التاكسي" عندما تحاول أن تكسر أصوات سيمفونية بديعة من "الكلاكسات" بفتح حديث معهم حول من يصلح لرئاسة مصر!

أبو الفتوح أكبر من فكرة مرشح يتفق عليه اليمين واليسار. هو تعبير عن عقلية تعتقد أن الرجل ممكن يضرب الإخوان والعسكر والسلفيين ضربة رجلٍ واحد..!

لا أحد يستطيع أن ينكر أن المرشح الرئاسي عبد المنعم أبو الفتوح هو أحد الشخصيات السياسية القليلة التي تتمتع بسجل نظيف في العمل العام.

لكن الأزمة في اختياره تكمن في أن أنصاره يعتقدون أنه الحل الخارق لمشاكل مصر الحالية وأنه قادر على الانتصار على التحالف الوثيق بين الإخوان والمجلس العسكري، نظرا لانشقاقه عن الإخوان وعدم ميله نحو المجلس العسكري.

لكن الحقيقة أن الرجل يتم تحميله من الأماني والأحلام، أكثر بكثير من قدرته على الفعل. ففي النهاية هو مرشح لا يعلم حتى الآن اختصاصات وظيفته، ويدرك أن الإخوان وتحديداً خيرت الشاطر مصممون على أن لا يصل الى كرسي الرئاسة، وإن وصل فسيعملون على عرقلته (هذا بافتراض تمتعه بصلاحيات رئاسية كاملة مثل سلفه حسني مبارك).

أما المشكلة الثانية فتتلخص في أن التركيز على قدرته على القضاء على القوى التي تصنف بإنها "حادت عن المسار الثوري"، يضعف محتوى خطابه حول التنمية وعلاج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للمصريين.



أحمد شفيق أكبر من فكرة مرشح الهوانم! هو تعبير عن عقلية تعتقد أن مصر صالة وصول في مطار كبير ومحتاجة مدير يشرف على سير الحقائب ومش مهم الركاب!

حتى أنصاره يعتقدون أن أعظم إنجاز لهذا الرجل هو تجديد مطار القاهرة!

هو بالتأكيد أنجز عملاً جليلاً وعظيماً، ولكنه في النهاية لم يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، مثل الاعتذار عن منصب رئيس الوزراء لأنه لا يستطيع أن يقبل أن يكون رئيسا لوزراء بلد يتم فيها قتل الناس بالجمال! لكنه لم يفعل وأكد على أن لجنةً للتحقيق ستحقق وتدين وتحقق العدالة!

هو رجل لا يستطيع أن يحافظ على أعصابه عند الاختلاف معه ممن هم أدنى منه منصباً، وفق تصوره، ولكنه مطيع للغاية لمن هم أعلى منه رتبة! وطبعاً "المشير أخ وصديق ولازم أستشيره في كل حاجة"!

خالد علي أكبر من فكرة أنه مرشح الثوريين. هو تعبير عن عقلية تعتقد إن العواجيز خربوها وإن الشباب لو لم يصلحوها، فلن يخربوها أكتر ما هي خربانة!

هو مرشح الرئاسة الوحيد الذي لا يمثل خياراً طبقياً، كحال بعض أنصار حازم أبو اسماعيل في الريف أو محمد البرادعي في الأحياء الراقية.

وهو محامي حقوقي من الذين قضوا حياتهم بين العمال في المصانع وبين المترافعين في المحاكم من أجل استعادة المؤسسات العامة التي أهدرها النظام في مصر، في أكبر "أوكازيون" منذ أواخر القرن التاسع عشر!

لكنه يبدو مثل فارس نبيل على وشك الدخول في معركة غير متكافئة مع مجموعة من الأشرار المتمرسين المدججين بالسلاح، بينما لا يملك في يده غير "سيف خشب"، وفي اليد الأخرى "درع صفيح". لا السيف الخشب حيقتل ولا الدرع الصفيح حيصد!

عمر سليمان أكبر من فكرة إنه مرشح الرجل فوق الخمسين. هو تعبير عن عقلية تعتقد إن مصر محتاجة دكر بشنب دوجلاس وبدلة سودا وقادر على الضرب بدم بارد.

عمر سليمان هو مرشح فئة من الناس تعتقد أن رئيس مصر يجب أن يكون رجلاً غامضاً وذا هيبة مخيفة، وقادر على أن "يلم" البلد في ثانية. يكفي أن تولي عمر سليمان الرئاسة يعني أوتوماتيكياً القضاء على البلطجة وعلى النشل في الأتوبيسات العامة! ظهوره على شاشة التلفزيون سيبث الرعب في قلوب من يريدون بمصر السوء!

المدهش أن هذا الرجل الخارق لم يستطع الحفاظ على عرش رئيسه، رغم تعرض هذا الرئيس لمؤامرة كونية اشتركت فيها قوى إقليمية ودولية وربما كائنات فضائية كانت لا تريد لنا أن نسير معه نحو الديمقراطية!

لكن عمر سليمان رجل غير ديقراطي، عكس سلفه، وذلك لأنه يؤمن أننا لم نصل بعد لمستوى يؤهلنا لتقبل هذه الفكرة المستوردة، وأننا معه سنكون مع الرصين!

محمد سليم العوا أكبر من فكرة إنه مفيش حد اختاره بس هو فارض نفسه! هو تعبير عن عقلية تآمرية تعتقد إن السلاح النووي التكتيكي متخبي في كنيسة بشبرا..!

هو المرشح المناسب لمن يعتقد أن رئيس مصر يجب أن يتحدث باللغة العربية الفصحى وبتعابير قانونية رصينة، وأن الاستماع لحديثه مع منى الشاذلي في برنامجها المخصص لرؤية الجانب الإنساني (منها وليس الضيف!)، سيبث في النفس الطمأنينة على مستقبل البلد!

رجل لم يقدم شيئا سوى التحريض والقول بأن الكنائس فيها سلاح وأن الحرب الأهلية على الأبواب، وفي النهاية يخاف المسلم من المسيحي "المسلح" ويخاف المسيحي من المسلم الذي يعتقد أنه يحمل سلاحاً وبالتالي قد يكون "مسلحاً"..!

منصور حسن هو أكبر من فكرة إنه مرشح جيل ثورة تسعتاشر وهالة سرحان! هو تعبير عن عقلية تعتقد إن مشكلة مصر إن سعد زغلول ماحكمش كرئيس ولازم تكريمه!

إعادة إحياء منصور حسن تشبه فيلماً فرنسياً يحمل عنوان "المغامرات المدهشة لآديل بلانك–سك Les aventures extraordinaires d'Adèle Blanc-Sec .

في هذا الفيلم تحاول فتاة فرنسية إعادة أختها الميتة الى الحياة عبر إعادة الحياة لمومياء فرعونية تعود الى الطبيب الخاص برمسيس! تنجح الفتاة في إعادة الحياة للطبيب ورمسيس وحاشيته ويقومون بإعادة الحياة لأختها وبعد أن تشكرهم ويشكرونها، يقومون بجولة مسائية في باريس في أوائل القرن الماضي.

فيلم ظريف وبه مغامرات أكثر تشويقاً من متابعة الأحاديث "الرئاسية" لمنصور حسن! أما العلاقة بين الفيلم ومنصور حسن فربما تكون في محاولات الفتاة إعادة الحياة لمومياء فرعونية تحمل قدراً كبيراً من الحكمة التي لا تنتمي الى الزمن الذي نعيش فيه.

حمدين صباحي أكبر من فكرة إنه مرشح الفلاح والعامل والشابة التقدمية! هو تعبير عن عقلية تعتقد إن الرئيس اللي يحبه يسري فودة يبقى رئيس كويس أوي!

قيل لي من أصدقاء أن حمدين صباحي هو مرشح المذيع محمود سعد. لا يهم إذن من يحب حمدين طالما أنه يحظى بهذه الشعبية الإعلامية، التي يستحقها دون شك.

فهو رجل دفع ثمن مواقفه وله سجل مشرف من النضال السياسي، ولكن أين البرنامج؟

سؤال تبدو إجابته ثانوية بالنسبة لأنصاره الذين يعتقدون أن مرشحهم قادر على تحقيق "كرامة" البلد من خلال سياساته.. لكن ما هي؟

الإجابة على هذا السؤال ستقودنا الى مجموعة أخرى من الأسئلة التي لن تسمح لنا بالانتقال الى نقد مرشح "غير مرشح" وهو محمد البرادعي!



البرادعي أكبر من فكرة إنه مرشح البنات والشباب من سن 14 الى سن 26. هو تعبير عن عقلية تعتقد إن مصر محتاجة خبير أجنبي زي جوزيه ويكون واجهة مشرفة!

مثل عبد المنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي، فإن محمد البرادعي يتميز بالاحترام الشديد، وبأنه اختار أن يعارض مبارك في الوقت الذي كان يمكن له فيه أن يقبل منصباً وزارياً (قيل أنه وزارة الخارجية) في مقابل أن لا يدعو لمناهضة النظام.

وقد دفع الرجل ثمن مواقفه غالياً وبشكل تجاوز حدود النقد المحترم الى التجريح المنحط. لكن فور انتصار الثورة في هدفها الأول وهو خلع مبارك، اختار الرجل أن يكون ناشطاً في تويتر أكثر من أن يكون ناشطاً في الشارع، وقيل أن سنه لا يسمح له بالنزول الدائم للشارع، وقيل أيضاً أنه ينزل ولكن الشارع لا يعرف!

ولا أحد يعرف على وجه التحديد أين يكمن الخلل؟ في البرادعي أم في الشارع؟ فقد قيل من بعض أنصاره أن الشارع "مايستاهلش واحد زي البرادعي" وقيل من منتقديه أن الرجل يصلح لقيادة السويد.. ولكن حتى في السويد فإن السياسيين يهبطون الى الشارع.

أما في مصر فإن الحال لا يختلف كثيرا عن حال البرازيل خلال تسعينيات القرن الماضي، وربما تحتاج مصر الى رئيس مثل لولا داسيلفا. رئيس قادر على أن يقدم حلولاً مركبة لمشاكل معقدة، لا رئيس لديه رؤية بها خطوط عامة أكثر من تفاصيل مرتبطة بأرقام محددة. فهذا نموذج يصلح لبلدان بها مؤسسات حقيقية تدرك وظيفتها جيدا، ونحن لا يوجد لدينا مؤسسات وإنما هياكل إدارية تعمل وفق تعليمات السيد الرئيس.

الشاطر أكبر من فكرة إنه مرشح شباب الاخوان المتحمس. هو تعبير عن عقلية تعتقد أن مصر هي مشروع أسرة إخوانية صالحة ستنتهي بخلافة إسلامية شاملة..!

فجأة خرج علينا رهط على شبكة تويتر بأخبار مفادها أن خيرت الشاطر يفكر في الترشح للرئاسة. لا يبدو الحديث مستبعدا بالنظر الى إمكانيات خيرت الشاطر الإدارية في جماعة الاخوان المسلمين.

فالرجل، وفق أعضاء في الجماعة، هو القائد الحقيقي لها، فيما محمد بديع هو رمز لها في صورة مرشد. كما أن الرجل وفق العالمين ببواطن الأمور في الجماعة، يتميز بقبضة حديدية على أعضائها تتيحها له إمكانياته المالية الواسعة والتي أستحق بفضلها لقب "خزانة الإخوان المالية".

وقيل أيضا أن الرجل أدار "مفاوضات الإخوان مع واشنطن بمهارة"، لكن من قال ذلك لم يقل (أو لعله قال ولم أقرأ) حول ماذا دارت المفاوضات ولماذا شعر الأمريكيون أن مصر ستكون في "أيدٍ أمينة" إذا وصل مرشح إخواني الى الرئاسة.

وإذا حدث وتولى خيرت الشاطر الرئاسة فسيكون الرئيس الوحيد الذي سيكسر قاعدة "الربع رئيس" وسيكون "نصف رئيس" على اعتبار أن نصف النظام يدين له بالولاء.

أحمد زويل وسكرتيره أحمد المسلماني أصغر من فكرة الترشح للرئاسة. هما تعبير عن عقلية تعتقد إن نوبل في العلوم أو برنامج على دريم ممكن تعمل رئيس!

لا تعليق. أو ربما لا يوجد ما يقال بعد الذي قيل!

المشير أكبر من فكرة إنه مرشح المتقاعدين! هو تعبير عن عقلية تعتقد إن مصر جيش كبير محتاج قائد كبير من أجل معركة كبيرة وهي إصلاح خط مترو المرج!

يقال أن كاتباً صحفياً في الأهرام اسمه جمال زايدة خرج على شاشة التلفزيون المصري ذات مساء ليقول أن المشير طنطاوي، رئيس المجلس العسكري الحاكم، يصلح أن يكون رئيساً لمصر، لأنه قام بجولة في الشارع بالبدلة المدنية ودون حراسة.

وقد قام التلفزيون مشكوراً بعرض فيلم قصير لهذه الجولة التاريخية التي قام بها المشير في لحظة مفصلية من عمر الوطن، ورأينا كيف يسير الحاكم العادل بين أبناء شعبه دون خوف من بلطجة أو "تثبيت" في الشارع من أجل ساعة أو محفظة.

وبالطبع لم يفت التلفزيون أن ينوه أن هذا الفيلم التاريخي قد أشرف على تصويره أحد المواطنين الصالحين الشرفاء بواسطة كاميرا هاتفه المحمول، وقد سلمه الى تلفزيون بلده الوطني، دون أن يفصح عن اسمه. وبهذا خسرت مصر صانعاً محتملاً للأفلام!

وربما كان العم الإنجليزي ويليام شكسبير هو أكثرنا فصاحة في التعبير عن فكرة المشير رئيساً عندما كتب مسرحيته الكوميدية التي تحمل اسم: Much Ado About Nothing .. فله منا ومن التلفزيون المصري كل التحية والتقدير والعرفان!



هياتم أكبر من فكرة إنها مرشحة الأناركيين لضرب المرشحين الملتزمين بالحفاظ على النظام! هي تعبير عن عقلية تعتقد أن علاقات مصر بالخليج مهمة جدا!

لن تكون هياتم "ربع رئيس" مثل الباقين، ولن تكون مرشحة توافقية أو محتملة، ولكن ترشيحها يعني الوفاء لمرحلة كانت فيها نوادي الفيديو تلعب دوراً تنويرياً عظيماًً خصوصاً مع سلسلة الأفلام العظيمة التي أنتجت خلال ثمانينيات القرن الماضي، وقيل عنها ظلماً أنها "أفلام مقاولات" و"مخصصة للتصدير للسعودية ودول الخليج فقط". بالرغم من أن المنصف لهذه الأفلام يدرك أن صانعيها كانوا الأكثر إتباعاً للأسلوب العلمي في تسويق منتجهم. فقد درسوا السوق الذي يستهدفونه جيداً وأنتجوا ما يحتاجه.

أما بالنسبة للأناركيين في مصر، فهم أذكى فصيل سياسي على الساحة حالياً والأكثر اختراقاً لكل التيارات السياسية، وربما هذا يدل على أن من بنى مصر كان في الأصل أناركي!

ملحوظة: من فضلك أعد النظر الى اختيارات الألوان الخاصة بكل مرشح. إذ أن لذلك حكمة.




Tuesday, 20 March 2012

البابا شنودة: أربعون عاماً بين الاصطدام والاحتواء


قبل محاولة الإبحار مع المواقف والاختيارات السياسية لرأس الكنيسة القبطية الراحل، البابا شنودة لابد من التوقف عند النقطتين التاليتين:

1. جزء من مشاكل المجتمع المصري، سببه أن هذا المجتمع لم يجد في نفسه الجرأة لمواجهتها وهي بعد في مرحلة البذور. مثال على ذلك الاحتقان الطائفي الموسمي الذي بدأ منذ 1972 مع أحداث الخانكة الطائفية.

2. منذ السبعينيات، والمجتمع يفضل أو بالأحرى يستسهل مواجهة مشاكله من خلال الخطاب الإعلامي المنزوع الدسم أو الفارغ من المحتوى الجاد. مثلا: في كل مرة حدث فيها توتر طائفي فضل المجتمع أن يشاهد أوبريتاً موسيقياً تلفزيونياً عن وحدة عنصري الأمة، وأن يستمع الى حكايات فلكلورية عن أن أماً مسيحية ربت طفلاً مسلماً وعلمته مبادئ الدين الإسلامي، وأن أماً مسلمة تبنت طفلة مسيحية يتيمة!

البابا والسادات: الاصطدام أفضل من السير عكس التيار!

قبل تولي السادات الحكم لم تكن المشكلة الطائفية مطروحة في مصر. كانت المعركة الأساسية لهذا المجتمع هي التنمية السريعة وإثبات الثقل الإقليمي. كان هذا ظاهرا في إدراك عبد الناصر بأن معركته الملحة هي في إحداث تنمية اقتصادية بوتيرة سريعة دون مشاركة سياسية، يعتقد أنها يمكن أن تعطلها. لذا فلم يكن المجتمع يبحث عن الهوية الدينية، في ظل دولة مدنية لديها مشروع جامع لكل المصريين.

بعد تولي السادات ومحاولته بناء شرعية منفصلة عن شرعية عبد الناصر، اختار اللعب بورقة الدين. المفارقة أن هذه هي الورقة التي أدت الى الاصطدام بالبابا لاحقاً ثم تسببت في مقتل السادات نفسه عندما تحولت الورقة الى لاعب لديه أوراق لعب!

عبد الناصر والبابا كيرولس
في المقابل فإن البابا شنودة كان أول بابا سياسي في تاريخ الكنيسة. بذكائه أدرك أن نظام السادات مستعد للمقايضة في مقابل الحصول على شرعية جديدة وأنه يمكن في سبيل ذلك أن يبني للكنيسة أصولا سياسية يمكن له أن يضغط بها على النظام فيما بعد، بعد أن اختارت الدولة رفع سقف المواطنة عن مواطنيها.

لكن المشكلة أن السادات كان مستعدا للإمساك بسلكين عاريين يحملان تيارا كهربائيًا عاليا، ووضعهما في جسد الوطن، فيما عرف بسياسة: الصدمات. ومن بين هذه الصدمات عزله للبابا في 1981 بعد أن وصلت العلاقة بينهما الى نقطة اللاعودة.

من يعود للتاريخ يجد أن البابا شنودة اختار الاصطدام بالسادات ورفض السير معه الى القدس لأنه خشي أن الاصطدام مع المجتمع والإقليم سيكون أكثر كلفة على الأقباط. كان البابا شنودة قارئا جيدا للتاريخ ويدرك أن مبادرة السلام التي خرج بها السادات فجأة على المجتمع، هي قفزة نحو مزيد من الاستقطاب السياسي والديني في مصر والإقليم أيضا. وأن السير مع السادات في هذه القفزة نحو المجهول ستجعل الكنيسة هدفاً سهلا لمن يريدون أن يخلطوا بين الصراع العربي الإسرائيلي وبين الأجندة الدينية.

كان البابا شنودة بعيد النظر أيضاً في رفض مبادرة القدس. فقد كان يدرك أن المسلم الذي يسير مع حاكم مسلم في طريق خاطئ لن يدفع الثمن الذي يمكن أن يدفعه قبطي يسير مع حاكم مسلم في نفس الطريق!

كان من المعروف عن السادات أنه يشخصن السياسة، وبالتالي وجد أن المعركة مع البابا شنودة مسألة كرامة شخصية ويجب أن يذهب إلى أبعد مدى وهو العزل وتحديد الإقامة. وكانت المفارقة مدهشة. فالبابا الذي اختاره الرب وفق تعاليم الكنيسة، قد عزل من حاكم دنيوي، يعتقد بأن له سلطة روحية بالإضافة الى سلطته السياسية!

من اللافت للنظر أن السادات اصطدم بالبابا شنودة بينما كان البعض في الخليج يبحث عن الرزق. وعندما عاد هذا البعض، كان سبباً إضافياً في الاحتقان! فقد عادوا ومعهم مناخ صحراوي لا يعرف التعدد الثقافي والديني الذي عرفته مصر منذ عصر الفراعنة.



اغتيل السادات وجاء مبارك وشرع في إجراء مصالحة سياسية واسعة مع كل التيارات والاتجاهات، لكن البابا ظل معزولا في الدير حتى 1985. أي بعد مرور نحو أربعة سنوات على اغتيال الرجل الذي عزله!

البابا ومبارك: مع الرئيس ذاك أفضل جداً!

خرج البابا الى مصر مختلفة عن مصر التي تركها عندما حددت إقامته في الدير. كان الإقليم قد اختار أن يلعب ورقة الدين في أفغانستان في مقابل "امبراطورية الالحاد"، وهي التسمية المفضلة لدى رونالد ريجان وحلفاؤه في المنطقة من دول الخليج وباكستان.

اصطبغت الثمانينات بحرب أفغانستان. ريجان في البيت الأبيض يواجه امبراطورية الالحاد بدعم من السعودية ومصر وباكستان، فيما المسيحية البروتستانتية الأمريكية تدخل في حلف مع الاسلام الوهابي لمحاربة الالحاد الشيوعي! مزيج ملتهب من الألوان الدينية التي لا يحبذ البابا الدخول معها في معركة أو حوار أو أي نوع من التفاهمات.

اختارالبابا بدهاء شديد أن يتجنب التورط وأن يكون في نفس مركب مبارك، وأن يعمل في هذه الأثناء على ترسيخ أصول الكنيسة السياسية والاقتصادية.

كان مبارك يخوض حربا شرسة مع الجماعات الاسلامية حينها ولم يكن قادرا على قبول أن يكون البابا على الجانب المعارض، كما لم يكن البابا مستعدا لمعارضته في الوقت الذي يرى فيه أن الجماعات الاسلامية تضع الكنيسة والدولة "الكافرة"، وفق أدبياتهم، في سلة واحدة.

وبدأ عصر المقايضة التي دفع ثمنها أقباط مصر وكان فقرائهم أكبر ضحايها. مبارك زعيما سياسيا للمسلمين والبابا وكيله لدى الأقباط، في مقابل ترسيخ سلطته السياسية على الأقباط وعدم وقوف الدولة مع التيار العلماني في المجتمع القبطي أو تسليط الأضواء عليه.

كان التيار العلماني القبطي تاريخياً قد ضرب من قبل الدولة في أعقاب ثورة يوليو 1952، وذلك عندما تصادف أن أقطابه هم من كبار رموز الإقطاع. وخلال السبعينيات، حاول السادات أن يستغل هذا التيار لضرب البابا، وهو ما جعل التيار يرفض خوفاً من الإطاحة به من قبل كافة تيارات المجتمع القبطي. وفي الثمانينات والتسعينيات وصولا الى خلع مبارك، كان الحلف السياسي بين البابا ورأس الدولة، أقوى من التيار العلماني القبطي وقادرا على تحويلهم الى مجموعة من الهراطقة والمجدفين!

من يتأمل سلوك البابا السياسي في دعمه لمبارك في جميع الاستفتاءات والانتخابات يدرك أنه كان الخيار السياسي المفضل للبابا وأنه فضله على أن تقع الدولة في يد خصم قوي مثل السادات قادر على الذهاب بعيدا جدا في خيارات الصدام أو زعيم قوي مثل عبد الناصر قادر على المساواة بين جميع خصومه في التنكيل السياسي.

على الرغم من أن ملف الكنيسة كان من اختصاصات أمن الدولة، وهو أمر مهين، لكن البابا لم يكترث لذلك واختار أن تكون العلاقة الخاصة مع مبارك هي الأساس الحاكم لعلاقة الدولة بالأقباط.

ومن ضمن أسس هذه العلاقة اللعب المزدوج لمبارك والبابا شنودة على وتر أن الخطر الذي يهدد النظام، يهدد الأقباط، وأن من الأفضل لهم أن يراهنوا على مبارك والبابا كزعماء سياسيين / روحانيين لا يمكن الخروج على سياساتهم / تعليماتهم.

علاء مبارك والبابا شنودة
لا يشكك أحد في أن البابا كان يريد تحقيق ما يخدم الأقباط، لكن تحالفه مع مبارك، حقق مصلحة للكنيسة كمؤسسة وأضر بغالبية الأقباط الذين كانوا يريدون دولة ترعى شئونهم الدنيوية لا كنيسة روحية تقدم خدمات دنيوية وبالتالي تفرض عليهم وصاية سياسية.

والمتأمل في التركيبة الطبقية للمجتمع القبطي في مصر يجد أنه مثل بقية المجتمع، أقلية غنية مؤثرة على علاقة وثيقة بالسلطة، وأغلبية فقيرة مهمشة تشعر بالحصار الدائم من قبل الدولة التي تتجاهلهم والكنيسة التي تتعامل معهم باعتبارهم رعية لا يجوز لها الاعتراض، بالاضافة الى استقطاب ديني حاد يدفع البعض المتطرف داخل المجتمع بالنظر لهم باعتبارهم أغراباً لا أبناءً حقيقيين للوطن.

وكانت النتيجة أن التيار العلماني القبطي هو أكثر من دفع ثمن التحالف بين مبارك والبابا. فقد كان الجميع معارضا لهم بما فيهم فقراء الأقباط الذين تتضرروا من هذا التحالف!

البابا والثورة: الوفاة المفاجئة لعلاقة الزواج مع السلطة!

كانت لحظة الانتفاض الشعبي الكامل والشامل على مبارك في يناير 2011، بمثابة الضربة التي أطاحت بكل السلطات الأبوية في مصر بما فيها سلطة البابا السياسية على الأقباط.

لم يكن هناك فارقا كبيرا في العمر بين البابا شنودة ومبارك، وكان لدى الرجلين نفس الفكرة تجاه الثورة، وهي أنها أزمة عابرة ستنتهي بترسيخ النظام لقواعد جديدة ستجعله أكثر بطشاً بخصومه.

ولو كانت الثورة قد فشلت كنا سنرى البابا شنودة وشيخ الأزهر وهم يزورون مبارك في القصر الجمهوري ويجددون له البيعة باعتباره نجا من محاولة اغتيال شبيهة بما حصل له في أديس أبابا عام 1995.

ولا يجب النظر الى موقف البابا من الثورة على أنه موقف ينتقص منه كشخصية عامة كانت ترى أن مصلحة الأقباط هي عدم الاصطدام العنيف بالحاكم في لحظة اضطراب كبرى!

فقد كان البابا يعتقد أن لو مبارك نجا من هذا الانتفاض الشعبي، سيكون عنيفاً في الانتقام وخصوصا مع حلفائه التقليديين مثل الكنيسة، لو اختارت الوقوف مع الثورة.

لمن يقارنون موقف البابا في الوقوف مع مبارك خلال الثورة بمواقف الجماعات الأخرى التي ترددت في نصرة الثورة من يومها الأول مثل الاخوان أو تلك التي شكلت لجاناً للحكماء من أجل الإبقاء على مبارك، يتجاهلون أنه ليس معتنقا لدين الحاكم وبالتالي حساباته مختلفة.

ويمكن تصور أن البابا اختار عدم المجازفة بالوقوف ضد مبارك ونصرة الثورة لأنه: 1. لم يكن مقتنعا بأنها ثورة، مثل كثيرين غيره في عمره ومن قضوا مسيرتهم في النظر الى الحاكم باعتباره اختياراً إلهياً. 2. أن البابا لديه تجربة اصطدام عنيفة سابقة مع السادات وقد كان حينها في منتصف العمر، وهو ليس على استعداد بالمجازفة والاصطدام وهو في هذا السن. 3. يحاول الحفاظ على مكتسبات الكنيسة السياسية والاقتصادية التي حصلت عليها منذ أن بدأت علاقته بمبارك عام 1985.

بعد خلع مبارك، أدرك البابا أنه يخرج إلى مصر جديدة، شبيهة بحالة خروجه إليها بعد العزل الذي فرضه السادات. كان يدرك أن ما كان قائما لم يعد موجوداً.

فمع خلع مبارك، تحطمت المعادلة السياسية القائمة بين رأس الكنيسة ورأس الدولة منذ 1985. كانت المعادلة قائمة على العلاقة الشخصية بين مبارك والبابا ولم يكن لها أي شكل مؤسسي. لذلك لم يرث المجلس العسكري الحاكم هذه العلاقة.



ولهذا أيضاً لم يكن مفاجئا للبابا أن الجنرالات ليسوا مثل مبارك في مسألة عدم الاصطدام المباشر بالأقباط، وتفضيل الاتصال والتفاهم مع البابا للسيطرة على المعارضين منهم لحكم المجلس العسكري.

فقد كان الجنرالات غير مقتنعين بجدوى الاعتماد على مبدأ تفويض شؤون الأقباط المعارضين لهم للبابا، في لحظة كانوا يتصورون خلالها أنهم هم الدولة والدولة هم وأن هذه الدولة هي في مهب الريح!

لذا فإن أحداث ماسبيرو كانت شهادة الوفاة الرسمية لعلاقة البابا شنودة بالدولة المصرية والتي ولدت عام1985. فلأول مرة تساوى عنصري الأمة في التعرض للقمع العنيف والدهس!

لكن المأزق الذي واجهه البابا أنه وجد نفسه محاصرا بين جنرالات مستعدين للسير الى أبعد مدى مثل السادات، وبين أقباط يريدون أن يكونوا مع الثورة!

ومما زاد الوضع صعوبة على البابا أنه أتيحت لأول مرة التيارالعلماني القبطي الفرصة على الإفلات من سلطة البابا السياسية التي انهارت بخلع مبارك وباختيار الجنرالات للاصطدام بجميع من يعارضونهم.

نتيجة هذه الظروف العاصفة فضل البابا أن يطير على ارتفاع منخفض في لحظة الاضطراب الكبرى التي أعقبت خلع مبارك، على أن يصطدم بالجنرالات أو بالقوى الإسلامية المتحالفة معه.

ولو حدث وكان قد أتيح لأحد أن يسأل البابا عن الموعد المناسب الذي يراه لوفاته، لربما أجابه بأنه يفضلها الآن! فالرجل أدرك أن حقبة جديدة بدأت وتحتاج لبابا يستطيع الإبحار وسط عاصفة هائلة من التغيرات التي تجتاح مصر والإقليم بأكمله.