Sunday, 4 March 2012

خربشات تويترية: ..حول التنمية، الخيار الاقتصادي، والرؤية الغائبة

Egyptian Woman working in the TeleMisr factory in mid 1960s where 1/2 of the workers in the factories were women.

أحد أكبر مشاكل التنمية في مصر، واللي كمان بتفسر جزء من مشاكلنا السياسية، إن المجتمع المصري زراعي في بلد صحراوي، الرقعة الزراعية فيه محدودة..

وبالتالي مفيش علاقة بين سلوك المجتمع المستمد من طبيعته الزراعية وبين النشاط الاقتصادي بتاعه القائم في جزء كبير على السمسرة والتجارة والصناعات الخفيفة وأنشطة اقتصادية موازية، غير محسوبة.

لذلك تلاقي الحالة المصرية في التنمية الاقتصادية، هي حالة غريبة. فدة مجتمع مصاب بانفصام اقتصادي. موارده الأساسية مش من الزراعة وسلوكه زراعي..

وخلال دولة محمد علي اللي بدأت مع مذبحة القلعة وماتت في 12 يناير 2011، مرتين بس اللي حاول فيهم المجتمع يتخلص من حالة الانفصام الاقتصادي بتاعته!

جزء كبير من مشاكلنا السياسية سببها الرئيسي الفجوة الرهيبة بين الطموح المجتمعي اللي أكبر من إمكانيات نشاطه الاقتصادي. والحل هو في تغيير بوصلة المجتمع الاقتصادية ودة محتاج وقت.

وبالتالي أي مشروع نهضة في مصر لازم ياخد في اعتباره إنه يغير سلوك هذا المجتمع من سلوك المجتمعات الزراعية الى سلوك المجتمعات الصناعية ودة صعب!

المشكلة للأسف إن مفيش حد في النخبة السياسية للمجتمع مستعد يواجه استحقاقات صعبة لتغيير بوصلة المجتمع الاقتصادية واللي حتكلفه كتير من رصيده الشعبي!

من المهم الاشارة الى إن الديمقراطية مش مكون أساسي في الشخصية المصرية وبالتالي أي تحسن اقتصادي غير مرتبط بالديمقراطية ممكن يكون مقبول شعبياً!

وبالتالي تغيير بوصلة المجتمع الاقتصادية كي يكون مجتمع صناعي يعني احتمال أكبر لنجاح التجربة الديمقراطية وتطوير نموذج منها يلائم الحالة المصرية

مشكلة التيارات الفكرية في مصر، إنها إما لم تتطور بشكل كافي لتكون قادرة على قيادة مشروع نهضة، أو ليس لديها تفويض شعبي يمكنها من تطبيق مشروعها الخاص بالنهضة، دة إذا كان عندها واحد من أصله.

مشكلة التيار الاسلامي في مصر إنه لم يطور نفسه كي يستوعب فكرة قيادة مشروع نهضة صناعي ولايزال مقتنعا بالتنمية عبر نموذج خليط من الاقتصاد الريعي والزراعي والتجاري

السلوك الاقتصادي للتيار الاسلامي في مصر قائم على الرأسمالية كما جاء بها آدم سميث: دعه يعمل دعه يمر، دعه يكسب دعه يلم الفلوس، والبركة في نموذج الريان وتوظيف الأموال.

مشكلة التيارات اليسارية في مصر إنها أيضا لم تتطور بشكل يسمح لها بتطبيق نموذج يمزج الاشتراكية بالرأسمالية كما هو متبع في أوروبا وكندا مثلا..

مشكلة التيارات التي توصف نفسها بالليبرالية في مصر إنها في الاقتصاد قريبة جدا من طروحات تيار الشاي المحافظ في أمريكا. رأسمالية حتى الثمالة ورغبة دائمة في تفكيك القواعد المنظمة للأسواق المالية والوصول بها الى الحالة التي قادت الى المصيبة الاقتصادية التي مني بها العالم في 2008.

وبالتالي كل التيارات الفكرية في مصر لا يوجد لديها برنامج واضح لتغيير بوصلة المجتمع الاقتصادي والقيام بمشروع النهضة الثالث في تاريخنا الحديث

كل التيارات الفكرية في مصر إما بتتجاهل إنشاء مظلة أمان اجتماعي للفقراء، لأنها تعني منحهم حقوق سياسية أوسع وهو ما لا تريده النخبة السياسية للحفاظ على مكتسباتها، أو تتجاهل محدودية موارد المجتمع نتيجة خياراته الاقتصادية الخاطئة..

بمناسبة العبارة التي تتردد كثيرا وهي: محدودية الموارد، أحب أقول إن الموارد الاقتصادية المحدودة لمجتمع من المجتمعات سببها اختياره الخاطئ لنوع نشاطه الاقتصادي

وبالتالي إحنا في مصر مواردنا محدودة لأننا دولة غير زراعية ولكن سلوك المجتمع زراعي ومتأثر بسلوك المجتمعات الريعية اللي حولنا زي دول الخليج..



الحل في رأيي وهو حل متطرف، هو العودة الى تحديد بوصلة المجتمع الحضارية. كان في جدل في العشرينات حول هل نحن امتداد لأوروبا أم عربا.

أنا رأيي الشخصي وهو رأي متطرف كما قلت، إننا يجب أن نفصل نفسنا حضاريا عن العرب وأوروبا ونتوجه حضاريا نحو شرق آسيا ونموذجهم الاقتصادي لأنهم قريبون مننا في بنية المجتمع وتعرضوا لمنحنيات تاريخية شبه اللي تعرضنا لها في سعينا لبناء مشاريع نهضة!

أخشى إن تغيير بوصلة المجتمع الحضارية والاقتصادية لن يأت من خلال تضييع الوقت والجهد اللي قاعدين نعمله من خلال برلمان مشغول بنقاشات من نوعية: يلا نلغي الانجليزي! أو من خلال عملية سياسية عبثية مليئة بالدعابات المكلفة زي الاستفتاء على التعديلات الدستورية.

ينبغي أن نتحلى بالشجاعة لنعترف أننا فقدنا الريادة في محيطنا الاقليمي عندما فقدنا القدرة على الابتكار والقفز الى الامام من خلال مشاريع نهضة..

النموذج القادر على تلبية طموحات المجتمع في التنمية يجب أن يكون خليطا من الصناعات كثيفة العمالة والصناعات المتقدمة ذات القيمة المضافة الكبيرة

أحد مشاكل التنمية في مصر إن النخبة السياسية، سلوكها الاقتصادي قائم على تسيير الأعمال وليس تبني رؤية طويلة الأمد. سلوك قائم على قاعدة: احييني النهاردة وموتني بكرة..!

فيه حديث حول إن إطلاق حرية الابتكار والعمل الاقتصادي سيؤدي الى ازدهار اقتصادي. الكلام دة مغلوط لأنه بيعتمد على فكرة العمل الجماعي وهي فكرة غائبة عن مجتمعنا.

للأسف جزء من النخبة في مصر عندها فوبيا من تبني طرح اقتصادي لا يوافق معتقدها السياسي. بالتالي لما تتكلم عن رؤية طويلة الأمد تتهم إنك ستيناتي أو سبعيناتي، اشتراكي أو رأسمالي.

خلينا ناخد بريطانيا مثال. هذا بلد رأسمالي في إطلاقه للحريات الاقتصادية. اشتراكي في المظلة الاجتماعية للفقراء لدرجة تدليلهم. والأهم يمتلك رؤية سواء صح أو غلط. أرسملي خط وأنا امشي عليه.

مشكلة مصر إنها مش قادرة تبقى زي بريطانيا. رأسمالية في إطلاق حرية الأسواق واشتراكية في المظلة الاجتماعية. عندنا عفريت اسمه يا إما كدة أو كدة!

مثلا النخبة السياسية في مصر عندها فكرة غريبة إن الفقر في مجتمعنا سببه سلوك الفقراء اللي مش عاوزين يشتغلوا وإن الأغنياء عاوزين يشتغلوا ومجتهدين!

بينما اللي يحلل سبب تراكم الثروات في مصر خلال الأربعين سنة اللي فاتت يكتشف إن أغلبها، إن مكانش كلها، هو استغلال فروق تضخمية نتيجة عدم تكافؤ الفرص، زي بيع حتة أرض بفلوس كتيرة بعد شرائها بفلوس زهيدة نتيجة حصوله على معلومة بأن الارض دي حتدخل في كردون المباني.

يعني نحن على مدى أربعين سنة، تراكمت الثروات لدى الطبقة الأغنى في مصر، مش بسبب قيمة مضافة اقتصادية، وإنما بسبب فساد سياسي واستغلال للتضخم.. وأما تراكم الثروات لدى الطبقة الوسطى فحصل نتيجة هجرة أبناء هذه الطبقة لدول الخليج منذ السبعينات.

دة مؤشر خطير لأن دة معناه ببساطة إننا مجتمع غير منتج والنخبة السياسية لا تتعامل مع هذا البلد على أساس عقد اجتماعي يحدد واجباتها وإنما سبوبة بياكلوا منها عيش وجاكوزي!

والمرعب إن إطلاق الحريات الاقتصادية في مصر لن يؤدي إلا الى المزيد من الفساد اللي حينحصر في المقربين من السلطة الحاكمة فقط زي ما حصل قبل كدة خلال فترة الانفتاح في السبعينات أو فترة الخصخصة خلال التسعينات.

الكارثة إن النخبة في مصر خلال مئتين سنة، وهي عمر دولة محمد علي، لم تستشر الشعب في خياراته الاقتصادية أو حتى تتبنى مشروع فيه شراكة مع المجتمع.

وبالتالي أي مكتسبات اجتماعية واقتصادية حصلت عليها الطبقة الوسطى خلال حقبة ما، كان من السهل جدا تجريدهم منها لأنهم لم يملكوا جزء من اللعبة السياسية، يمكنهم من الدفاع عن مكتسباتهم. وكان دائما رد الفعل الوحيد اللي يقدر عليه المجتمع هو في الانتفاض الشعبي زي يناير 1977 ويناير 2011.

ومن المرعب إن النخبة في مصر كانت بعد ما تتوصل الى الصيغة الاقتصادية اللي تخدم مصالحها، تقوم بالترويج ليها في المجتمع من خلال الفن والمسلسلات

يعني مثلا لو عاوز تعرف إيه هو توجه النخبة في مصر اقتصاديا، اتفرج على المسلسلات بتاعة حقبته واللي حتلاقيها عبارة عن أعمال بروباجاندا مركزة..!

مصنع في القاهرة يصدر كل إنتاجه الى الولايات المتحدة ويعمل به 32 عاملا من بنجلاديش
 
مشكلة مجتمعنا إنه لم يسمح له بتطوير عقلية نقدية فكرية قادرة على الابتعاد عن أحادية الخيار السياسي أو الاقتصادي. ودة باين في كل مسارات حياتنا.

يعني مثلا في عملية التنافس الانتخابي استعرنا كل أشكال عقلية التشجيع الكروي.

وفي الاقتصاد افترضنا إن التوجه الرأسمالي لازم يكون نسخة من التجربة الامريكية ومش لازم نطور نموذج يراعي طبيعة مجتمعنا والعقلية الحاكمة فيه..

لازم ندرك إن أمريكا أو أوروبا في عملية تطوير مستمر لنموذجهم الاقتصادي والفكري، وإن الجمود الفكري بيبقى نتيجته الانهيار زي الاتحاد السوفيتي..

وأعتقد دة هو أكبر تحدي للتيارات الاسلامية التقليدية في مصر. فهي مصابة بدائي: الجمود الفكري واستسهال استيراد النماذج من الخارج بدل ابتكارها!

أما مشكلة التيارات الليبرالية بمصر (إحنا معندناش ليبرالية بالمناسبة وإنما استوردنا تيارات يمينية من أوروبا وسمينها ليبرالية) إنها أيضا مصابة بالجمود الفكري والطبقية المفزعة.

وأخيرا، المجتمع اللي تلاقي فيه ممدوح فرج وغسان مطر نماذج لأبطال شعبيين، تعرف إن شباب هذا المجتمع عنده عقل شديد الابتكار في السخرية المريرة من نخبته!



No comments:

Post a Comment