Thursday, 15 March 2012

ست ملاحظات على هامش معركة كاشفة لمفهوم "الخلافة" الاخوانية


أحد المشاكل المترتبة على مرور مصر بهذه المرحلة المضطربة، أن العديدين من أبنائها منشغلون في تفاصيل آنية مثل: من هو الطرف الثالث، وضع الاقتصاد، تفجير الملثم لخطوط الغاز في سيناء. أو منشغلون في استحقاقات سياسية مثل الانتخابات البرلمانية والانتخابات الرئاسية.

أحد هذه التفاصيل التي لم ينتبه إليها كثيرون أو يتوقفوا عندها بالتحليل، هي هذه المعركة التي اندلعت فجأة بين جماعة الاخوان ودولة الإمارات.

يمكن الرجوع لتفاصيل المعركة والمنشورة في كافة المواقع الاخبارية وذلك لمعرفة ما قاله الشيخ يوسف القرضاوي، والذي يعتبر من القيادات التاريخية للإخوان، ورد الفريق ضاحي خلفان، قائد شرطة دبي، عليه. ثم ما أدلى به محمود غزلان، عضو مكتب الإرشاد، والتي قام وزير الخارجية الإماراتي بسبب تصريحات غزلان بطلب توضيح من وزير الخارجية المصري.

هناك بعض الملاحظات التي يمكن استنباطها من هذه المعركة، التي لم يتوقف عندها سوى المواطنين الاماراتيين باعتبار أن تصريحات القرضاوي مست حكامهم، والمواطنين القطريين باعتبار القرضاوي محسوب عليهم بحكم إقامته في قطر لفترة طويلة وحمله لجنسيتها.

1. مفهوم الخلافة الاسلامية في الأدبيات الإخوانية، والذي يعتبر أحد الأهداف العظمى للتنظيم منذ إنشاءه على يد حسن البنا عام 1928 وحتى هذه اللحظة، مرتبط بفكرة مركز يحكم وأطراف تستجيب لهذا المركز. لذا فإن مشروع الخلافة الإخواني لم يكن في ذهن حسن البنا هو إعادة إحيائها في الباب العالي بتركيا وإنما إعادة إحيائها انطلاقا من القاهرة. ومن نتائج ذلك أن المرشد العام للإخوان المسلمين في مصر والعالم هو مصري. كما أنه هو الزعيم السياسي الأول للتنظيم العالمي للإخوان.

وهذا المفهوم للخلافة غير قاصر على الاخوان وإنما تكرر مع كل مشاريع الخلافة الإسلامية خلال الحقب التاريخية المختلفة. مثلا الخلافة العباسية مرتبطة بفكرة إنشاء بغداد، تماما كما كانت الخلافة الأموية مرتبطة بفكرة اتخاذ دمشق عاصمة لهذه الخلافة. وقد تكرر ذلك مع نموذج الخلافة العثمانية وفكرة الآستانة في المنطقة التي تعرف اليوم باسم تركيا.

2. هدف إقامة الخلافة بالنسبة لتنظيم الإخوان هو الهدف النهائي الأعظم الذي يتحقق بعد إنجاز مجموعة من الأهداف، والتي تبدأ بإقامة الأسرة المسلمة الصالحة. ووفق ما قاله لي أحد القيادات الوسطى في التنظيم العالمي للإخوان المسلمين، فإن الحرس القديم من الإخوان يفضل عدم التحدث في هذا الهدف مع العامة، والمقصود بالعامة هنا كل أعضاء الجماعة خارج مكتب الإرشاد أو جماهير الأمة الغير منضوية في التنظيم.



3. كحال كل الحركات السياسية التي لها تنظيم سري، له أهداف تخدم مشروعا فكريا خاصا بهذه الحركات، فإن جماعة الاخوان تبدأ في إرسال الإشارات لتفعيل أهدافها العظمى عندما يكون لها نصيب من كعكة السلطة. وبالتالي هذه الجرأة في الاصطدام بدولة مثل الامارات لم تكن لتتم لولا وصول الاخوان لقيادة السلطة التشريعية في مصر بعد الخامس والعشرين من يناير 2011. وأنه لو ظل القمع الأمني والتضييق على الجماعة مستمرا لما تورطت في هذه "المناوشة السياسية الكاشفة" مع "خصم" خارجي!

4. المشاريع الاسلامية لا تلتقي. السبب في ذلك أن كل المشاريع الاسلامية في العالم مرتبطة بأهداف تخدم فكرة قومية أو أسرة حاكمة. مثلا النظام في السعودية يعتبر نفسه مشروعا إسلاميا يحكم بشرع الله، لكنه لا يلتقي مع المشروع الاسلامي التركي أو المشروع الاسلامي لتنظيم القاعدة أو المشروع الاسلامي لجماعة الاخوان في مصر. والدليل هذا السجال الذي دار منذ أعوام بين أحد أركان بيت آل سعود وهو وزير الداخلية الأمير نايف بن عبد العزيز وبين الاخوان وتصريحاته التي قال فيها: “إن الإخوان هم أصل البلاء ومصدر كل المشكلات.. إن الإخوان كانوا من أوائل قوى الإسلام السياسي التي دخلت إلى المملكة.. وقد انتهى بهم الأمر لعض اليد التي امتدت إليهم بالإحسان ولم يكونوا موالين أو حتى أصدقاء مخلصين للمملكة السعودية”.

وبالتالي فإن المشروع السياسي للإخوان لا يلتقي مع أي مشاريع إسلامية أخرى في المنطقة بما فيها المشروع الإسلامي لأردوغان ورفاقه في تركيا. وأعضاء مكتب الإرشاد بالقاهرة هم أول من يدركون أن أردوغان يريدهم تابعين له، وعلى أقصى تقدير ورقة يلعب بها مع الغرب وأوروبا، لا كشريك يتقاسم معه النفوذ في المنطقة.

5. في إطار المشروع الإسلامي التوسعي للإخوان، فإن البعض منهم فور أن استنشق بعضا من ريح السلطة، أحس بأنه أكثر نفوذا وقدرة على التوجيه من دول في المنطقة، قد تكون وفق مفهوم البعض في الاخوان، أصغر عمرا من عمر الجماعة التي أسسها حسن البنا عام 1928. وربما هذا يفسر أحد الجذور التي أدت بغزلان الى التصريح بالقول: "ما ذكره قائد شرطة دبي بشأن اعتقال القرضاوي يعتبر جريمة كبرى في حق المسلمين وعلمائهم.. وعار عليهم أن يقولوا مثل هذه الكلام. هذا الكلام يعتبر حرباً نفسية وكلاماً غوغائياً.. وأن الإمارات لا تجرؤ على اعتقال الشيخ القرضاوي.. وإذا حدث ذلك لن تتحرك جماعة الإخوان المسلمين فقط، بل سيتحرك العالم الإسلامي كله ضد الإمارات."



6. الملحوظة الأخيرة وهي غير متعلقة بالاخوان وإنما بتركيبة النظام السياسي المصري حاليا والتي تعتبر غريبة بالفعل وتثير التساؤل من قبل كل الحكومات الغربية أو الاقليمية التي تتعامل مع مصر بعد خلع مبارك.

فوزير الخارجية الاماراتي اشتكى تصريحات غزلان، الى وزير الخارجية المصري، والذي عينه المجلس العسكري الحاكم. وبالتالي فإن الرئيس المباشر لوزير الخارجية المصري هو المشير طنطاوي. لكن وزير الخارجية الاماراتي قدم هذه الشكوى باعتبار أن التصريح صادر من عضو بارز في جماعة تسيطر على النظام التشريعي في مصر، أي تسيطر على نصف النظام السياسي المصري.

وزير الخارجية المصري قال إن تصريحات غزلان لا تعبر عن الموقف الرسمي للحكومة المصرية. لكن كلنا يعرف أن الحكومة المصرية الحالية هي طرف هامشي في معادلة السلطة التي يسيطر عليها المجلس العسكري ومكتب الارشاد، وأن المسؤولين في واشنطن يتحدثون مع الفريق سامي عنان ومع المهندس خيرت شاطر. إذن السؤال الذي يبحث عن إجابة: لما أحب أكلم مصر، أكلم مين فيها؟


4 comments:

  1. رؤية جميلة جدا. وبالنسبالى الوضع كالتالى: كُلٌ يتخذ الدين ستاراً لتحقيق هوىً فى نفسه ومصلحة ما ولهذا تتضارب المشاريع.
    وفى نفس الوقت بالنسبة لمصر فكل واحد بيروح يعيط للى فاكره هيجيبله حقه. لا ده له حق ... ولا ده هيجيبله حق.
    أما بالنسبة بقى للإخوان؛ ف دول ينطبق عليهم مثل: اتمسكن لحد ماتمكن.
    بس كده

    ReplyDelete
  2. الاخوان اخوان -- و ما اسوأ اسلوب التقية و الانتهازية -- وحسبى اللة ونعم الوكيل

    ReplyDelete
  3. استمتعت بمقالك يا أحمد :)

    ReplyDelete
  4. إسلوب شيق في العرض من ناحية الشكل .. و سيجد الكثير من الدعم من قبيل إنه جي في وقته مع موضة الهجوم على الإخوان

    لكن سنظل في محيط المشكلة الأزلية بين البشر و في الصراع الأيدولوجي الحكم على الآخر بوجهة نظري لا عبر طرحه هو

    بنفس هذا الفكر الإنطباعي قررت أمريكا غزو العالم عسكرياً لأن العالم من وجهة نظرها إما حليف أو عدو .. لا مجال لإختلاف الفكر و الإيدولوجية

    الكارثة الأكبر في المقال الخلط بين طرح هوية الدولة الإسلامية بالقومية و اللي يفترض أساساً إن الدولة الإسلامية ضدها و كلام الرسول في هذا الصدد واضح جداً " يا أيها الناس ألا ‏ ‏إن ربكم واحد وإن أباكم واحد ألا لا فضل لعربي على أعجمي ولا ‏ ‏لعجمي على عربي ولا لأحمر على أسود ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى"

    المشكلة إن أي طرح لبرنامج الهوية الإسلامية هيقابله تقييم لتجربة الخلافة و تصيد للسلبيات اللي كانت فيها و ده لأننا مبنفرقش بين الخلافة الراشدة اللي فعلاً على منهاج النبوة و بين الملك العضوض اللي بيدعي إنه على طريق الخلافة و تدينه هو ستار الشرعية اللي بيحكم بيه

    قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون ملكًا عاضًا فيكون ما شاء الله أن يكون، ثم يرفعها إذا شاء الله أن يرفعها، ثم تكون ملكًا جبرية فتكون ما شاء الله أن تكون، ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم سكت.

    كل المقصد من تعليقي أن تقييم فكرة الهوية الإسلامية فيه إجحاف شديد لو حصرته في تقييم حال الدولة في عصور ما بعد الخلفاء الراشدين .. و التي لا أنكر عنها التقدم و الحضارة و قد كانت فيها في الكثير من أوجهها

    ملحوظة هامة .."حاشية" ...... مشروع الهوية الإسلامية تنتمي إليه و تتبناه الإخوان و ليس العكس .. بمعنى أن الإخوان لو حادو عن الطريق الصحيح في تطبيقة ليس معناه أن ينسحب الخطاء على المبدأ

    خطاء المطبق لا يعني خطاء المبدأ .. ستالين لم يكن الإشتراكية و سقوط دولته لم يعني سقوط الإشتراكية كمثال

    ReplyDelete