Showing posts with label مصر الثورة ، المجلس العسكري ، انتخابات الرئيس. Show all posts
Showing posts with label مصر الثورة ، المجلس العسكري ، انتخابات الرئيس. Show all posts

Sunday, 27 May 2012

الجزء الأول: كيف "ضربت" الصناديق على الأرض؟



أبلغ ما قيل عن نتيجة الانتخابات المصرية ما ذكره أحد الناشطين على شبكة تويتر عندما قال "إحنا ما انتخبناش، الصناديق انضربت على الأرض!”. وذلك في استحضار للأعمال الدرامية المصرية التي تناولت حرب ١٩٦٧ والتي كان البطل يعود فيها من جبهات القتال ليقول: إحنا ما حاربناش، الطيارات انضربت على الأرض..

١. عند الصراع على السلطة، يفضل الشعب أن ينتظر الرجل الأقوى!

هل انتخب المصريون حقاً أم أنهم فضلوا أن يجلسوا بعيداً حتى تنتهي ما اعتبره نصف الذين امتنعوا عن التصويت "صراعاً على السلطة" بين مجموعات تدعي أنها تملك الحلول الحصرية لمشاكل المجتمع الاقتصادية والاجتماعية.

الذي حدث هو تكرار حديث لما فعله الشعب المصري عندما قام محمد علي باشا بافتتاح دولته بمذبحة. فقد جمع الباشا الذي أرسله الباب العالي المماليك في قلعته وأجهز عليهم، عدا واحداً أستطاع الهرب إلى الصعيد. هل تدخل الشعب المصري في هذا الصراع على السلطة. بالطبع لا.

مثال آخر وإنما من صفحات التاريخ الحديث. في مارس ١٩٥٤، أي بعد عامين فقط من انقلاب عسكري أطاح بالملكية، تصارع الضباط فيما بينهم حول الديمقراطية. انتهى الصراع باستبعاد اللواء محمد نجيب وظهور ضابط جديد، كقائد للمجموعة التي تحكم البلاد. بالرغم من شعبية اللواء محمد نجيب الجارفة لدى المصريين، إلا أن أياً من المصريين لم يتدخل من أجل إعادته. كان الأمر بالنسبة للمصريين صراعاً بين ضباط يملكون السلطة والسلاح، وأي تدخلٍ من طرف الشعب في هذا الصراع يعني حرباً أهلية وإراقة دماء، لا يستطيع مجتمع زراعي مثل المجتمع المصري دفع تكلفتها.


الطبيعة الزراعية لهذا المجتمع، بالإضافة إلى ما اكتسبه من دهاء وخبث خلال أكثر من عشرة آلاف عام من التعامل مع الحكام والطغاة المحليين والمستوردين، أدى إلى أن يقف هذا المجتمع على الحياد عندما وقع الصدام بين جمال عبد الناصر وجماعة الإخوان المسلمين في ١٩٥٤ و١٩٦٥. اعتقد الإخوان أنهم قادرون على الإطاحة بالضابط، الذي اعتقدوا أنهم صنعوه. أطاح بهم واعتقلهم وأعدم قياداتهم. بالرغم من شعبية الإخوان في الأربعينيات والخمسينيات، هل تدخل الشعب؟

الإجابة لا. والسبب أن المجتمع المصري بطبيعته يضع مكتسباته الاجتماعية والاقتصادية قبل قضايا الحريات والديمقراطية.

المثال الكاشف الآخر على الإرادة الشعبية الأصيلة بعدم التدخل في أي صراع على السلطة في العاصمة المركزية، هو ما جرى في عام ١٩٧١. 

رئيسٌ جديد، يبدو ظلاً باهتاً لحاكم ذو كاريزما وتفويض شعبي كبير، يدخل في صراع على السلطة مع رجال الحاكم الراحل، ويعتقلهم جميعاً لعشر سنوات، دون أن يتحرك الشعب للمطالبة بالإفراج عنهم أو الضغط من أجل محاكمة عادلة.

مثال تاريخي آخر، تتذكره الأجيال التي نشأت خلال عصر مبارك. في ١٩٨٩، قام الرئيس المصري السابق بإقالة المشير محمد عبد الحليم أبو غزالة من منصبه كوزير للدفاع وقائد عام للقوات المسلحة. كان الرجل يوصف بأنه الأكثر شعبية في الجيش المصري، ولدى أوساط شعبية واسعة، منذ المشير عبد الحكيم عامر.

كيف كان رد الفعل الشعبي؟ لا شيء. صراعٌ خفي على السلطة بين حاكم يمتلك شرعية المؤسسات، ووزير دفاعه المحبوب شعبياً. لكن من سيتدخل بين الرجلين عليه أن يدرك أن رأسه هي أبسط ثمن سيدفعه.

تكرارٌ لنفس السلوك الشعبي حيال ما وقع في عام ١٩٨٦ عندما انتفض جنود الأمن المركزي وجرى قصفهم بالطائرات والدبابات، ولم يبد المجتمع امتعاضه من المذبحة، أو طالب بالتحقيق في وقائع ما جرى.

٢. هل يكترث الشعب حقاً للديمقراطية؟

بعد هذه الأمثلة التاريخية، كيف يمكن لشعب، يقول المؤرخون أنه مارس التعددية السياسية والديمقراطية في الثلاثينيات والأربعينيات، أن يرضى بأن تنزع منه هذه الديمقراطية في الخمسينيات والستينيات والسبعينيات وصولاً إلى خلع مبارك، ولا يغضب أو يحتج أو ينتفض؟!

السبب أن دولة محمد علي منذ ولادتها وحتى سقوطها في ٢٨ يناير ٢٠١١، وهي تجدد نفسها، عبر صياغة عقد اجتماعي بين السلطة وبين طبقة الأفندية (وهم كبار الملاك والموظفين ومن عادوا من البعثات العلمية في أوروبا وانخرطوا في العمل العام والكتابة والتأليف والصحافة).

ومن يعود إلى نسب الأمية خلال حقب مختلفة في القرنين الماضيين، يجد أن طبقة الأفندية المحدودة عددياً، تأثيرها في قيادة المجتمع نحو المطالبة بحقوقه الاجتماعية والسياسية محدود. لذا فإن التجربة الديمقراطية التي عاشتها مصر قبل ١٩٥٢، كانت قاصرة على الأفندية.

هؤلاء الأفندية هم من استطاعوا أن ينخرطوا سريعاً في النظام السياسي الجديد لدولة عبد الناصر، دون أن يجدوا حرجاً مجتمعياً. والسبب بالطبع أن هؤلاء الأفندية لا توجد لديهم قواعد شعبية حقيقية، وإنما هم منذ البداية صنيعة السلطة (في العصر الملكي) والتي أرسلت أجدادهم إلى البعوث العلمية في أوروبا من أجل العودة الى مصر وخدمة الآلة الحربية لدولة محمد علي باشا خلال القرن التاسع عشر.


وإذا عدنا إلى ما جرى في عام ١٩٧١ من صراع على السلطة بين السادات ورجال عبد الناصر، نجد أن طوائف الشعب اعتبرت هؤلاء الرجال، الذين أكلهم الرئيس الجديد قبل أن يأكلوه، تمثيلاً لطبقة الأفندية الذين لا يشعر تجاههم بأي ولاء. كما أن الشعب كرر مع الرئيس الجديد مع فعله مع الرئيس الراحل في عام ١٩٥٤. وجد أن الرجل هو الأكثر دهاءً وقوة، ولا يوجد ما يجعل الخروج عليه أمراً مجدياً.

لكن الشعب، بذكائه لم يمنح الرئيس الجديد تفويضاً شعبياً إلا بعد حرب ١٩٧٣. تماماً كما فعل مع الرئيس الراحل في ١٩٥٦. وفي الحالتين لم يربط الشعب بين هذا التفويض الشعبي وبين الديمقراطية.

ومن يدعي أن الديمقراطية هي الحل، يتجاهل أنها بدون وعي تصبح أداةً للتضليل. كما أنها بفعل التطور السياسي للمجتمع المصري، لم تكن مكوناً أصيلاً ضمن ممارسات هذا المجتمع. 

كيف إذن أن نطبق الديمقراطية مع مجتمع عاش دون أن يمارسها عقوداً، دون أن ينتفض مطالباً بها؟!

في عام ١٩٧٧ تحركت انتفاضة الخبز من أجل رفع الدعم عن السلع الأساسية. في عام ٢٠١١ كانت الانتفاضة الثانية للشعب المصرية تضع العدالة الاجتماعية و"العيش" ضمن أهم أهدافها. وفق التطور السياسي للمجتمع المصري فإن أي تحسنٍ ملحوظ في الحالة الاقتصادية للشعب بعد ثورة يناير، كان سيؤخر "نظرياً" المطالبة بالديمقراطية وتداول السلطة.

لهذا فإن من انتخبوا مرشح جماعة الإخوان لم يسعوا لاختيار أفضل المرشحين رئيساً، وإنما مارسوا الديمقراطية وفق منطق الولاء للجماعة التي اختارت لهم أقل قيادتها قبولاً جماهيرياً. 

أما من اختاروا الفريق شفيق، فإنهم راهنوا على علاقاته مع المؤسسة العسكرية، وعلى قدرته "المزعومة" على إعادة الأمن، بعد أن تعمدت السلطة الحاكمة في البلاد أن تجعلها الأولوية الأولى للمجتمع منذ خلع مبارك.

لا يمكن إغفال أن جزءاً لا بأس به من بقية "الأفندية" الذين صوتوا لعبد المنعم أبو الفتوح أو حمدين صباحي أو عمرو موسى، صوتوا لهم وفق منطق "التصويت التكتيكي". أي أنهم لم يكونوا مقتنعين ببرامجهم، وإنما حاولوا اختيارهم تفادياً للوقوع في "مصيدة" مرسي أو "فخ" شفيق. وهو ما تكشف لاحقاً باعتباره مجرد وهم تفتت على صخرة النتيجة، التي وضع فيها "ربع الشعب" طبقة الأفندية أمام خيارين مريرين وشديدي التطرف!

في الجزء الثاني: كيف يمكن الوثوق بجماعة الإخوان؟ كيف يمكن الوثوق بالابن البار لمبارك؟ هل تصبح مصر أكثر ديمقراطية مع مرسي؟ هل تصبح مصر أكثر أمناً مع شفيق؟ مصر أمام مفترق طرق: إيران بنكهة سعودية أم باكستان بنكهة تركية!


Monday, 21 May 2012

لمن ليس مقتنعاً بأبو الفتوح.. هل سمعت عن حصان طروادة؟


قبل أن تقرأ ما سأورده من أسباب، أعتقد أنها حسمت اختياري للمرشح الرئاسي عبد المنعم أبو الفتوح، سأطلب منك قراءة النقاط الأربعة التالية والتي يمكن اعتبارها "تمهيداً نظرياً"، قد يجعل نقاش ما بعد القراءة مركزاً على أسباب اختياري لأبو الفتوح، بدلاً من الاستفسار عن انتماءاتي الفكرية!

١. حمدين صباحي مناضل حقيقي..

لقد دفع حمدين ثمن مواقفه النضالية منذ أن كان طالباً في الجامعة خلال عصر الرئيس الراحل أنور السادات. واستمر حمدين في دفع هذه الأثمان خلال عصر الرئيس المخلوع مبارك. وما أثير من تلقيه مالاً من ليبيا أو العراق خلال حكم القذافي أو صدام، قد يكون صحيحاً، ولم يكن ذلك مثيراً للجدل حينها، لأن البعض اعتقد أن مواجهة مبارك تتطلب بعض "التنازلات" من أجل دفع رواتب الصحفيين العاملين في صحف المعارضة!

لكن الرجل لا يزال يعيش في شقة متوسطة الحجم في المهندسين (وهي مقارنة بقصور بقية المرشحين في التجمع الخامس، تعتبر شقة متواضعة وصغيرة)، ولا يزال الرجل يعيش حياةً بعيدةً عن الترف، ويشهد بذلك كل من عرفوه عن قرب.

أما بالنسبة لما يثار من ارتباط حمدين بمشروع الرئيس الراحل عبد الناصر. فهذا في جزء منه صحيح عند الحديث عن تمسك حمدين بمبادئ العدالة الاجتماعية التي حرص عليها مشروع الرئيس الراحل، لكن فيما يتعلق بالحريات والديمقراطية، فإن عدداً كبيراً من الناصريين مثل حمدين لديهم تحفظات على التجربة الناصرية فيما يتعلق بهذا الجزء. كما أن حمدين لن يستطيع تكرار التجربة لأن الظروف لن تسمح له. وعلى أي حال فأطراف أخرى في الدولة المصرية تقوم بدورها في قمع الحريات والتعذيب والديكتاتورية، وهي أطراف معادية لمشروع عبد الناصر السياسي ومرتبطة بتحالفات مع كل الجهات الدولية التي كانت تناصب الرئيس الراحل العداء!

٢. عبد المنعم أبو الفتوح مرشحٌ إسلامي.. لا جدال في ذلك!

ارتبط عبد المنعم أبو الفتوح بالحركة الإسلامية في مصر منذ سنوات تكوينه السياسي وهو طالبٌ في الجامعة. ومن يقرأ ما كتب عن سيرته الذاتية يدرك أن تأثير المشروع الإسلامي في أفكار وطروحات أبو الفتوح عميق للغاية وغير قابل للتأويل.

بالتالي كل ما يثار حول أن الرجل يساري الهوى وليبرالي الفكر وإسلامي الجذور ورأسمالي على طريقة الاشتراكيين الأوربيين ويميل إلى يسار الوسط.. كل هذه التعريفات السياسية المتناقضة التي يحاول البعض إلصاقها بأبو الفتوح (دون أن ننكر أنه هو أول من صرح بأشياء شبيهة في حوارات تليفزيونية) هي محض "تهريج" و"استعباط" للناخب الحيران الذي يريد التصويت لأبو الفتوح لكنه يخشى من مشروعه!

٣. الخوف من كلمة "إسلامي" لن يؤدي بالضرورة إلى نتائج أفضل!

يطلق على جمهورية الهند اسم "شبه القارة الهندية". ويعتقد البعض أن التسمية مردها إلى التنوع الجغرافي والعرقي الهائل الذي تتميز به هذه الجمهورية التي يعيش فيها أكثر من مليار إنسان. قد يكون هذا صحيح. لكن الصحيح أيضاً أن هذه الجمهورية هي قارة بالمفهوم السياسي!

فضمن الجمهورية الهندية الفيدرالية، ولاياتٌ تخضع لحكومات ومجالس برلمانية منتخبة. وبعض هذه الولايات تحكمها أحزابٌ شيوعية فيما جيرانها من الولايات الأخرى تخضع لحكم أحزاب ليبرالية تؤمن بالسوق الحر. ولا يخشى الناخب الهندي من التصويت، رغم تدينه أياً ما كان هذا الدين، لحزب يساري أو شيوعي، ثم التصويت في الانتخابات التي تليها لحزب ليبرالي، طالما ستسعى تلك الأحزاب على اختلاف انتماءتها الأيدلوجية إلى خدمة تطلعاته في حياةٍ كريمة.

وفق التجربة الهندية فإن الناخب في أي نظامٍ ديمقراطي يجب أن يكون مدركاً لما يريد، وقادراً على اختيار مرشحه وفقاً لقدرته على تلبية تطلعاته. لكن الواقع يقول أن ما يحدث في مصر يشير الى أن الناخب يختار مرشحه وفقاً لما قد يسمعه من سائق تاكسي حول "مؤامرات تحاك من خلال هذا المرشح أو ذاك"، أو حتى يقرر عدم التصويت لمرشح وفقاً "لحساسية فكرية يعاني منها" مثل الحساسية من كلمات مثل "إسلامي" أو "شيوعي" أو "استغفر الله العظيم ليبرالي وعاوز جنس جماعي في ميدان التحرير زي اللي بيحصل في ميادين أمريكا"..!

وإذا اتجهنا شرقاً وتحديداً الى الصين، فقد اقتبس "الرفيق" دينج زياو بينج (الراعي الحقيقي لنهضة الصين الصناعية والاقتصادية) حكمةً صينية قديمة تقول: ليس مهماً أن يكون لون القط أبيض أم أسود. المهم أن يلتهم الفأر!

وكان سبب هذا الاقتباس ما سئل عنه حول النظام الاقتصادي الأفضل للصين.

٤. ما أعتقده الآن ليس بالضرورة ما سوف يكون عليه اعتقادي في المستقبل. وما أقوله صوابٌ يحتمل الخطأ، كما أن ما ستتفضل به قد يكون خطأً يحتمل الصواب.. والله من وراء القصد.


الأسباب التي من أجلها اقتنعت بأن أبو الفتوح هو الخيار الأسلم \ الأنسب \ الأقل ضرراً \ الأكثر منفعة (اختر الإجابة التي تروق لك من بين ما سبق!)..

١. المد الإسلامي قادم.. ما العمل؟

لا يمكن فصل ما يجري في مصر عن شيئين: الأول: ما يجري في الإقليم. الثاني: ما جرى في السابق!

ذكر النقطة السابقة يؤدي بالضرورة إلى ذكر النقطة التالية. "فراغ السلطة" هي حالة غير طبيعية ولا تستطيع المجتمعات أن تقبل بها، وبالتالي تتصارع القوى من أجل ملء هذا الفراغ والإمساك بالسلطة. وما ينطبق على السلطة، ينطبق على الأيدلوجيا. فالمجتمعات لا تستطيع أن تعيش بدون مشروع تؤمن أنه الأصلح لها ويتسق مع تكوينها التاريخي.

وما ينطبق على السلطة من أحادية الطرف الذي يستحوذ عليها، حيث أنها لا تقبل القسمة أو الشراكة، ينطبق على الأيدلوجيا. فإذا كان المشروع القومي في صعود (كما حدث في الخمسينيات والستينيات) فإن المشاريع الأخرى لا تشاركه هذا الصعود.

وإذا عدنا إلى التاريخ (وهو أحد اللاعبين الفاعلين على الساحة السياسية في مصر الآن) سنجد أن المشروع القومي الذي بدأ مع الثورة العربية الكبرى وحركات الاستقلال الوطني، انتهى مع هزيمة ١٩٦٧، والتي لم تكن هزيمة عسكرية، بقدر ما كانت إعلاناً لوفاة مشروع فكري كامل.

في أعقاب ١٩٦٧ وقعت المنطقة العربية ومصر (بالتبعية أو بالقيادة) في حالة "فراغ أيدلوجي" ولم تجد الشعوب العربية طريقاً لملء هذا الفراغ سوى بإعادة إحياء المشروع الإسلامي، الذي كان سلطة فعلية في العالم العربي من خلال الامبراطورية العثمانية.

هذه المرة وجد المشروع الإسلامي في المملكة السعودية شرياناً مالياً يستطيع تمويله إعلامياً وعقد الصفقات معه، كما جرى في "تصدير" المجاهدين إلى أفغانستان من أجل القضاء على "الملاحدة الشيوعيين". ولم يجد دعاة المشروع الإسلامي ورعاته غضاضة في التحالف مع إدارة ريجان في البيت الأبيض.

فأمريكا "دولة مؤمنة بكتاب سماوي" وهي قادرة على "التدريب والمساعدة من خلال وكالة الاستخبارات المركزية"، كما أن التحالف معها هو "للضرورات الجهادية الآنية".

انتهت الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي وبانتقال بوصلة "الجهاد" من موسكو إلى واشنطن. وهنا انقسم المشروع الإسلامي لمشروع "جهادي حركي" بقيادة أسامة بن لادن وفروعه حول العالم. ومشروع "وهابي" يحاول المواءمة بين التحالف مع الغرب وبين الانعزال والتشدد في الداخل.

السناتور تشارلي ويلسون، صاحب فكرة تسليح المجاهدين والاتفاق مع مصر على ذلك من خلال جلساته مع المشير أبو غزالة

خلال تلك الفترة كانت مصر تعاني من حكم يفتقد الرؤية والمشروع والهدف. فرعونها الباهت استطاع أن يحول بلداً عملاقاً من مركز ثقل إقليمي وحضاري إلى حليفٍ صغير للولايات المتحدة. يكفي أن أحد الصادرات الرئيسية لمصر خلال الثمانينات كان مخزونها من السلاح السوفيتي إلى المجاهدين الأفغان. أو تصدير مخزونها من السلاح (وأحياناً الجنود) إلى عراق صدام في حربه العبثية مع إيران الخوميني!

كان من المنطقي إذن أن يؤدي هذا الفراغ في المشروع لدى المصريين إلى "استيراد" المشروع الوهابي من السعودية، التي تحولت من "نقيض حضاري" لمصر خلال الستينيات إلى "طرف رئيسي في الساحة الداخلية" خلال التسعينيات والسنوات العشر الأولى من الألفية الثانية.

ومع سقوط مبارك وواجهة نظامه، كان أمام اليسار في مصر فرصة تاريخية كي يكون له مشروعه في الشارع، لكن انقسامه الحاد بين رموز قديمة "احترفت" المعارضة خلال نظام مبارك، وبين وجوه شابة لا تملك أي خبرة في الاتصال مع الشارع، أدى إلى ضياع هذه الفرصة.

كان الشارع في مصر مهيئاً أكثر من أي وقتٍ مضى للترحيب بالمشروع الإسلامي وممثليه. وهو ما ظهر في الاستفتاء على التعديلات الدستورية وفي نتيجة مجلس الشعب. كما أن الإقليم كان يسير في هذا الاتجاه، وهو ما أثر بشكلٍ غير مباشر على احتضان الناس لهذا المشروع. فأكثر القنوات الإخبارية العربية تأثيراً وانتشاراً ظلت تبشر وتروج لهذا المشروع منذ حرب العراق في ٢٠٠٣، وصولاً لما عرف إعلامياً باسم "الربيع العربي".

وفق ما تقدم فإن فوز مرشح إسلامي في الانتخابات الرئاسية القادمة يبدو الأقرب للحتمية التاريخية. لكن مع مرشح جماعة الإخوان محمد مرسي فإن الوضع سيكون حالكاً أمام القوى المدنية والثورية، والتي ستجد نفسها محاصرة بين شارع ترتفع به أسهم "الفاشية الدينية" وبين تحالف هذا الشارع مع مجلس شعب ورئيس من نفس اللون السياسي. وهو ما سيؤدي في أحسن الظروف إلى عدم وقوف الدولة أمام هذه الفاشية أو في أسوأها الى العمل على تفصيل قوانين تؤدي إلى القضاء على هذه القوى المدنية. وربما من المفيد الإشارة هنا الى أن هذه القوى المدنية لن تجد في الجيش حامياً لها بحكم التناقض المنطقي بين هذه القوى والمؤسسة العسكرية.

إذن فإن أمام هذه القوى المدنية فرصة في التحالف مع مرشح ذي مشروع إسلامي وسطي يمكن ترويضه من الداخل بدلاً من التعامل مع مشروع إسلامي خاضع لجماعة مؤمنة بالاستبداد الفكري والحركي.

وفي حال فشل مشروع أبو الفتوح لدى الشارع، سيكون أمام هذه القوى المدنية والثورية فرصة في طرح نفسها أمام الناخب في الانتخابات القادمة. كما سيكون لديها الفرصة لبناء برنامج حقيقي تقدمه للناخب خلال الولاية الأولى لأبو الفتوح، والتي سيكون مشغولاً فيها بمعارك مع البرلمان والمجلس العسكري حول صلاحياته.

٢. الفقراء أم رجال الأعمال؟ هذا هو السؤال..

يبدو هذا السؤال صعباً. فكيف يمكن بناء اقتصاد بدون رجال أعمال عندما يكون شركاؤك التجاريون لا يؤمنون سوى بالسوق الحر وتحفيز المبادرات الفردية. لكن إهمال الفقراء، وهم القاعدة الأوسع في المجتمع، يعني القضاء على أي تنمية يمكن أن يحققها الاقتصاد، وذلك بسبب الانتفاضات والاضطرابات التي ستندلع بسبب عدم وفاء الحكومة باحتياجات الفقراء.

في البرنامج الرئاسي لمحمد مرسي، الواجهة القانونية لخيرت الشاطر وجماعة الإخوان، تبدو الإجابة على هذا السؤال واضحة. فالخصخصة هي الحل، وإشراك رجال الأعمال الوطنيين (نعرف مقدماً من هم!) في تقديم الخدمات للمواطنين هو السبيل لخدمة الفقراء!

ومن يطلع على البرنامج الاقتصادي لرئيس الوزراء البريطانية السابقة مارجريت ثاتشر وما فعلته بالاقتصاد البريطاني، سيدرك أن جماعة الإخوان بذلت جهداً محموداً في ترجمة برنامجها من الانجليزية إلى العربية!

بالطبع برنامج أبو الفتوح ليس الأفضل (على كل ما فيه من مكاسب اجتماعية) في خدمة الفقراء. فبرنامج خالد علي أكثر وضوحاً في انتمائه إلى الفقراء وفي صياغة أهدافه الاقتصادية المتعلقة بالعدالة الاجتماعية. لكن الشارع لا يزال غير مستعد لبرامج من مرشحين يساريين أو ليبراليين. فهذه لحظة المشروع الإسلامي، وعلى من يريدون خدمة الفقراء أن يدركوا ذلك.



٣. موسى أم مرسي.. اغمض عينيك وفكر في مصر!

لمن يخشى اختيار أبو الفتوح، بسبب انتمائه السابق للإخوان والحالي للمشروع الإسلامي، فإن بقية الخيارات الأكثر حظاً في الفوز بالرئاسة ليست بالضرورة أفضل. وحتى لا نصل إلى مرحلة الاختيار بين وزير خارجية مبارك السابق عمرو موسى أو واجهة خيرت الشاطر، محمد مرسي، فإن انتخاب أبو الفتوح قد يكون "الأقل ضرراً" لمن يخشى على الحريات العامة والقوى المدنية.

فموسى سيكون ضعيفاً أمام جماعة الإخوان ومضطراً كي يكون مزايداً عليها أحياناً ومهادناً لها في أحيان أخرى. بعكس أبو الفتوح الذي لن يضطر للجوء إلى المزايدات مع الإسلاميين.

أما اختيار مرسي فهو مثل اختيار مزيج من الحزب الشيوعي الصيني (استبداد القيادة ممثلةً في جماعة الإخوان) وإدارة جورج دبليو بوش الجمهورية (كيمين سياسي محافظ) وحكومة ثاتشر (في سياساتها الاقتصادية).

أما إذا انتهت الجولة الثانية إلى منافسة بين عمرو موسى ومحمد مرسي فإن عدداً كبيراً من المصريين سيجدون أنفسهم في موقفٍ شبيه بما حدث في مسرحية إنجليزية شهيرة كانت تعرض خلال السبعينيات.

تحكي المسرحية عن أن رجل أعمال بريطاني دعا أمراء عرب إلى حفلة من أجل أن يفوز بصفقات تجارية مع دولهم. ولما كان رجل الأعمال يدرك ولع هؤلاء الأمراء بالنساء، فقد استأجر لهذه الحفلة أفضل ما يمكن للمال أن يحصل عليه من نساء!

سارت الحفلة كما هو متوقع، حتى كانت "اللحظة الفارقة" حين طلبت زوجة رجل الأعمال البريطاني من زوجها الانفراد به لإخباره أمراً هاماً.

بعد تململ منه، وافق على ترك مدعويه والاستماع إلى زوجته مارجريت التي قالت له: جون.. الشيخ العربي يريد قضاء ليلته معي.. ماذا أفعل؟ جون: كنت أفضل ألا تخبريني بذلك! مارجريت: ماذا أفعل؟ هل يعقل أن أخونك من أجل المال؟! جون: عزيزتي.. اغمضي عينيك وفكري في بريطانيا..!

أخشى أن نصل إلى اللحظة التي "نغمض فيها أعيننا ونفكر في مصر"..!

ملحوظة: الإنسان حيوان اجتماعي يتطور.. ولما لم أكن مقتنعاً بالتصويت لأبو الفتوح (أو بالتصويت في الانتخابات أصلاً) فإن تغير موقفي جاء بعد حديث طويل مع الصديق محمد هاني. فله الشكر إن كان القرار صائباً، وليس عليه حرج إن لم يكن كذلك.



Friday, 23 March 2012

أياً يكن رئيسك، فهو رئيس خالي من الدسم.. والصلاحيات أيضاً


أبو اسماعيل أبعد من أن يكون مرشحاً رئاسياً فقط! هو تعبير عن عقلية تحب السباحة الحرة في الخيال ومصطلحات مثل "البغددة" و"العز" و"المحمر" و"المشمر".

المرشح الرئاسي حازم أبو اسماعيل، ومن خلاله أحاديثه حول دعم إسرائيل من خلال بيبسي، والتريليونات الموجودة في خزائن مصر، وتحويل الرمال الى ذهب من خلال مصنع نظارات ألماني (لم يقل ما هو عنوانه لكنه موجود طالما قال ذلك) هو تعبير عن عقلية لتيار كبير في المجتمع.

عقلية تستسهل الخيال المليء بأنهار اللبن والعسل دون أن تفكر في كيفية الوصول لهذه الأنهار أو العمل من أجل بناء قاعدة صناعية حقيقية، تحقق قيمة مضافة للاقتصاد. عقلية تريد أموال الخليج وغابات أوروبا ورخاء أمريكا دون أن تفكر في العمل مثل اليابان أو ماليزيا! ‪‏

عمرو موسى أكبر من كونه مرشح النخبة بمفهومها الطبقي. هو تعبير عن عقلية تجد أن رجل الدولة هو سيجار وكرافتة وكاس ويسكي وكلمتين تلاتة انجليزي..!

بعض الأصدقاء أضافوا لهذه المواصفات: ولغد..!

لكن بعيدا عن المواصفات الشكلية فإن عمرو موسى يمثل عقلية تعتقد أن مصر هي دولة محورية في الشرق الأوسط ومحوريتها تفرض عليها أن تستضيف العديد من المؤتمرات الإقليمية والدولية والعالمية والكونية، وأن هذه المؤتمرات تحتاج لشخصية "بتعرف" لغات أجنبية ويجيد التعامل مع الدبلوماسيين والأجانب ويدخن السيجار، رمز "العز" الغربي.

وهو رجل سيفرض على الجميع احترام مصر لأنه "إكسلنس"..! وهو تعبير عادة ما ستسمعه من سائقي سيارات الأجرة "التاكسي" عندما تحاول أن تكسر أصوات سيمفونية بديعة من "الكلاكسات" بفتح حديث معهم حول من يصلح لرئاسة مصر!

أبو الفتوح أكبر من فكرة مرشح يتفق عليه اليمين واليسار. هو تعبير عن عقلية تعتقد أن الرجل ممكن يضرب الإخوان والعسكر والسلفيين ضربة رجلٍ واحد..!

لا أحد يستطيع أن ينكر أن المرشح الرئاسي عبد المنعم أبو الفتوح هو أحد الشخصيات السياسية القليلة التي تتمتع بسجل نظيف في العمل العام.

لكن الأزمة في اختياره تكمن في أن أنصاره يعتقدون أنه الحل الخارق لمشاكل مصر الحالية وأنه قادر على الانتصار على التحالف الوثيق بين الإخوان والمجلس العسكري، نظرا لانشقاقه عن الإخوان وعدم ميله نحو المجلس العسكري.

لكن الحقيقة أن الرجل يتم تحميله من الأماني والأحلام، أكثر بكثير من قدرته على الفعل. ففي النهاية هو مرشح لا يعلم حتى الآن اختصاصات وظيفته، ويدرك أن الإخوان وتحديداً خيرت الشاطر مصممون على أن لا يصل الى كرسي الرئاسة، وإن وصل فسيعملون على عرقلته (هذا بافتراض تمتعه بصلاحيات رئاسية كاملة مثل سلفه حسني مبارك).

أما المشكلة الثانية فتتلخص في أن التركيز على قدرته على القضاء على القوى التي تصنف بإنها "حادت عن المسار الثوري"، يضعف محتوى خطابه حول التنمية وعلاج المشاكل الاقتصادية والاجتماعية للمصريين.



أحمد شفيق أكبر من فكرة مرشح الهوانم! هو تعبير عن عقلية تعتقد أن مصر صالة وصول في مطار كبير ومحتاجة مدير يشرف على سير الحقائب ومش مهم الركاب!

حتى أنصاره يعتقدون أن أعظم إنجاز لهذا الرجل هو تجديد مطار القاهرة!

هو بالتأكيد أنجز عملاً جليلاً وعظيماً، ولكنه في النهاية لم يذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، مثل الاعتذار عن منصب رئيس الوزراء لأنه لا يستطيع أن يقبل أن يكون رئيسا لوزراء بلد يتم فيها قتل الناس بالجمال! لكنه لم يفعل وأكد على أن لجنةً للتحقيق ستحقق وتدين وتحقق العدالة!

هو رجل لا يستطيع أن يحافظ على أعصابه عند الاختلاف معه ممن هم أدنى منه منصباً، وفق تصوره، ولكنه مطيع للغاية لمن هم أعلى منه رتبة! وطبعاً "المشير أخ وصديق ولازم أستشيره في كل حاجة"!

خالد علي أكبر من فكرة أنه مرشح الثوريين. هو تعبير عن عقلية تعتقد إن العواجيز خربوها وإن الشباب لو لم يصلحوها، فلن يخربوها أكتر ما هي خربانة!

هو مرشح الرئاسة الوحيد الذي لا يمثل خياراً طبقياً، كحال بعض أنصار حازم أبو اسماعيل في الريف أو محمد البرادعي في الأحياء الراقية.

وهو محامي حقوقي من الذين قضوا حياتهم بين العمال في المصانع وبين المترافعين في المحاكم من أجل استعادة المؤسسات العامة التي أهدرها النظام في مصر، في أكبر "أوكازيون" منذ أواخر القرن التاسع عشر!

لكنه يبدو مثل فارس نبيل على وشك الدخول في معركة غير متكافئة مع مجموعة من الأشرار المتمرسين المدججين بالسلاح، بينما لا يملك في يده غير "سيف خشب"، وفي اليد الأخرى "درع صفيح". لا السيف الخشب حيقتل ولا الدرع الصفيح حيصد!

عمر سليمان أكبر من فكرة إنه مرشح الرجل فوق الخمسين. هو تعبير عن عقلية تعتقد إن مصر محتاجة دكر بشنب دوجلاس وبدلة سودا وقادر على الضرب بدم بارد.

عمر سليمان هو مرشح فئة من الناس تعتقد أن رئيس مصر يجب أن يكون رجلاً غامضاً وذا هيبة مخيفة، وقادر على أن "يلم" البلد في ثانية. يكفي أن تولي عمر سليمان الرئاسة يعني أوتوماتيكياً القضاء على البلطجة وعلى النشل في الأتوبيسات العامة! ظهوره على شاشة التلفزيون سيبث الرعب في قلوب من يريدون بمصر السوء!

المدهش أن هذا الرجل الخارق لم يستطع الحفاظ على عرش رئيسه، رغم تعرض هذا الرئيس لمؤامرة كونية اشتركت فيها قوى إقليمية ودولية وربما كائنات فضائية كانت لا تريد لنا أن نسير معه نحو الديمقراطية!

لكن عمر سليمان رجل غير ديقراطي، عكس سلفه، وذلك لأنه يؤمن أننا لم نصل بعد لمستوى يؤهلنا لتقبل هذه الفكرة المستوردة، وأننا معه سنكون مع الرصين!

محمد سليم العوا أكبر من فكرة إنه مفيش حد اختاره بس هو فارض نفسه! هو تعبير عن عقلية تآمرية تعتقد إن السلاح النووي التكتيكي متخبي في كنيسة بشبرا..!

هو المرشح المناسب لمن يعتقد أن رئيس مصر يجب أن يتحدث باللغة العربية الفصحى وبتعابير قانونية رصينة، وأن الاستماع لحديثه مع منى الشاذلي في برنامجها المخصص لرؤية الجانب الإنساني (منها وليس الضيف!)، سيبث في النفس الطمأنينة على مستقبل البلد!

رجل لم يقدم شيئا سوى التحريض والقول بأن الكنائس فيها سلاح وأن الحرب الأهلية على الأبواب، وفي النهاية يخاف المسلم من المسيحي "المسلح" ويخاف المسيحي من المسلم الذي يعتقد أنه يحمل سلاحاً وبالتالي قد يكون "مسلحاً"..!

منصور حسن هو أكبر من فكرة إنه مرشح جيل ثورة تسعتاشر وهالة سرحان! هو تعبير عن عقلية تعتقد إن مشكلة مصر إن سعد زغلول ماحكمش كرئيس ولازم تكريمه!

إعادة إحياء منصور حسن تشبه فيلماً فرنسياً يحمل عنوان "المغامرات المدهشة لآديل بلانك–سك Les aventures extraordinaires d'Adèle Blanc-Sec .

في هذا الفيلم تحاول فتاة فرنسية إعادة أختها الميتة الى الحياة عبر إعادة الحياة لمومياء فرعونية تعود الى الطبيب الخاص برمسيس! تنجح الفتاة في إعادة الحياة للطبيب ورمسيس وحاشيته ويقومون بإعادة الحياة لأختها وبعد أن تشكرهم ويشكرونها، يقومون بجولة مسائية في باريس في أوائل القرن الماضي.

فيلم ظريف وبه مغامرات أكثر تشويقاً من متابعة الأحاديث "الرئاسية" لمنصور حسن! أما العلاقة بين الفيلم ومنصور حسن فربما تكون في محاولات الفتاة إعادة الحياة لمومياء فرعونية تحمل قدراً كبيراً من الحكمة التي لا تنتمي الى الزمن الذي نعيش فيه.

حمدين صباحي أكبر من فكرة إنه مرشح الفلاح والعامل والشابة التقدمية! هو تعبير عن عقلية تعتقد إن الرئيس اللي يحبه يسري فودة يبقى رئيس كويس أوي!

قيل لي من أصدقاء أن حمدين صباحي هو مرشح المذيع محمود سعد. لا يهم إذن من يحب حمدين طالما أنه يحظى بهذه الشعبية الإعلامية، التي يستحقها دون شك.

فهو رجل دفع ثمن مواقفه وله سجل مشرف من النضال السياسي، ولكن أين البرنامج؟

سؤال تبدو إجابته ثانوية بالنسبة لأنصاره الذين يعتقدون أن مرشحهم قادر على تحقيق "كرامة" البلد من خلال سياساته.. لكن ما هي؟

الإجابة على هذا السؤال ستقودنا الى مجموعة أخرى من الأسئلة التي لن تسمح لنا بالانتقال الى نقد مرشح "غير مرشح" وهو محمد البرادعي!



البرادعي أكبر من فكرة إنه مرشح البنات والشباب من سن 14 الى سن 26. هو تعبير عن عقلية تعتقد إن مصر محتاجة خبير أجنبي زي جوزيه ويكون واجهة مشرفة!

مثل عبد المنعم أبو الفتوح وحمدين صباحي، فإن محمد البرادعي يتميز بالاحترام الشديد، وبأنه اختار أن يعارض مبارك في الوقت الذي كان يمكن له فيه أن يقبل منصباً وزارياً (قيل أنه وزارة الخارجية) في مقابل أن لا يدعو لمناهضة النظام.

وقد دفع الرجل ثمن مواقفه غالياً وبشكل تجاوز حدود النقد المحترم الى التجريح المنحط. لكن فور انتصار الثورة في هدفها الأول وهو خلع مبارك، اختار الرجل أن يكون ناشطاً في تويتر أكثر من أن يكون ناشطاً في الشارع، وقيل أن سنه لا يسمح له بالنزول الدائم للشارع، وقيل أيضاً أنه ينزل ولكن الشارع لا يعرف!

ولا أحد يعرف على وجه التحديد أين يكمن الخلل؟ في البرادعي أم في الشارع؟ فقد قيل من بعض أنصاره أن الشارع "مايستاهلش واحد زي البرادعي" وقيل من منتقديه أن الرجل يصلح لقيادة السويد.. ولكن حتى في السويد فإن السياسيين يهبطون الى الشارع.

أما في مصر فإن الحال لا يختلف كثيرا عن حال البرازيل خلال تسعينيات القرن الماضي، وربما تحتاج مصر الى رئيس مثل لولا داسيلفا. رئيس قادر على أن يقدم حلولاً مركبة لمشاكل معقدة، لا رئيس لديه رؤية بها خطوط عامة أكثر من تفاصيل مرتبطة بأرقام محددة. فهذا نموذج يصلح لبلدان بها مؤسسات حقيقية تدرك وظيفتها جيدا، ونحن لا يوجد لدينا مؤسسات وإنما هياكل إدارية تعمل وفق تعليمات السيد الرئيس.

الشاطر أكبر من فكرة إنه مرشح شباب الاخوان المتحمس. هو تعبير عن عقلية تعتقد أن مصر هي مشروع أسرة إخوانية صالحة ستنتهي بخلافة إسلامية شاملة..!

فجأة خرج علينا رهط على شبكة تويتر بأخبار مفادها أن خيرت الشاطر يفكر في الترشح للرئاسة. لا يبدو الحديث مستبعدا بالنظر الى إمكانيات خيرت الشاطر الإدارية في جماعة الاخوان المسلمين.

فالرجل، وفق أعضاء في الجماعة، هو القائد الحقيقي لها، فيما محمد بديع هو رمز لها في صورة مرشد. كما أن الرجل وفق العالمين ببواطن الأمور في الجماعة، يتميز بقبضة حديدية على أعضائها تتيحها له إمكانياته المالية الواسعة والتي أستحق بفضلها لقب "خزانة الإخوان المالية".

وقيل أيضا أن الرجل أدار "مفاوضات الإخوان مع واشنطن بمهارة"، لكن من قال ذلك لم يقل (أو لعله قال ولم أقرأ) حول ماذا دارت المفاوضات ولماذا شعر الأمريكيون أن مصر ستكون في "أيدٍ أمينة" إذا وصل مرشح إخواني الى الرئاسة.

وإذا حدث وتولى خيرت الشاطر الرئاسة فسيكون الرئيس الوحيد الذي سيكسر قاعدة "الربع رئيس" وسيكون "نصف رئيس" على اعتبار أن نصف النظام يدين له بالولاء.

أحمد زويل وسكرتيره أحمد المسلماني أصغر من فكرة الترشح للرئاسة. هما تعبير عن عقلية تعتقد إن نوبل في العلوم أو برنامج على دريم ممكن تعمل رئيس!

لا تعليق. أو ربما لا يوجد ما يقال بعد الذي قيل!

المشير أكبر من فكرة إنه مرشح المتقاعدين! هو تعبير عن عقلية تعتقد إن مصر جيش كبير محتاج قائد كبير من أجل معركة كبيرة وهي إصلاح خط مترو المرج!

يقال أن كاتباً صحفياً في الأهرام اسمه جمال زايدة خرج على شاشة التلفزيون المصري ذات مساء ليقول أن المشير طنطاوي، رئيس المجلس العسكري الحاكم، يصلح أن يكون رئيساً لمصر، لأنه قام بجولة في الشارع بالبدلة المدنية ودون حراسة.

وقد قام التلفزيون مشكوراً بعرض فيلم قصير لهذه الجولة التاريخية التي قام بها المشير في لحظة مفصلية من عمر الوطن، ورأينا كيف يسير الحاكم العادل بين أبناء شعبه دون خوف من بلطجة أو "تثبيت" في الشارع من أجل ساعة أو محفظة.

وبالطبع لم يفت التلفزيون أن ينوه أن هذا الفيلم التاريخي قد أشرف على تصويره أحد المواطنين الصالحين الشرفاء بواسطة كاميرا هاتفه المحمول، وقد سلمه الى تلفزيون بلده الوطني، دون أن يفصح عن اسمه. وبهذا خسرت مصر صانعاً محتملاً للأفلام!

وربما كان العم الإنجليزي ويليام شكسبير هو أكثرنا فصاحة في التعبير عن فكرة المشير رئيساً عندما كتب مسرحيته الكوميدية التي تحمل اسم: Much Ado About Nothing .. فله منا ومن التلفزيون المصري كل التحية والتقدير والعرفان!



هياتم أكبر من فكرة إنها مرشحة الأناركيين لضرب المرشحين الملتزمين بالحفاظ على النظام! هي تعبير عن عقلية تعتقد أن علاقات مصر بالخليج مهمة جدا!

لن تكون هياتم "ربع رئيس" مثل الباقين، ولن تكون مرشحة توافقية أو محتملة، ولكن ترشيحها يعني الوفاء لمرحلة كانت فيها نوادي الفيديو تلعب دوراً تنويرياً عظيماًً خصوصاً مع سلسلة الأفلام العظيمة التي أنتجت خلال ثمانينيات القرن الماضي، وقيل عنها ظلماً أنها "أفلام مقاولات" و"مخصصة للتصدير للسعودية ودول الخليج فقط". بالرغم من أن المنصف لهذه الأفلام يدرك أن صانعيها كانوا الأكثر إتباعاً للأسلوب العلمي في تسويق منتجهم. فقد درسوا السوق الذي يستهدفونه جيداً وأنتجوا ما يحتاجه.

أما بالنسبة للأناركيين في مصر، فهم أذكى فصيل سياسي على الساحة حالياً والأكثر اختراقاً لكل التيارات السياسية، وربما هذا يدل على أن من بنى مصر كان في الأصل أناركي!

ملحوظة: من فضلك أعد النظر الى اختيارات الألوان الخاصة بكل مرشح. إذ أن لذلك حكمة.