Wednesday, 15 January 2014

عبد الناصر: الصورة.. المشروع.. وإعادة الانتاج



بمناسبة ذكرى ميلاد عبد الناصر.. فيه مجموعة أسئلة من المهم التوقف عندها..

١. عبد الناصر لم يكن نبيا ولم يكن ملاكاً.. طب ليه الناس لسة فاكراه؟ ليه فيه ناس اتولدت بعد ما مات بعشرة وعشرين سنة، ولسة بتحبه بعنف؟ كمان ليه في ناس اتولدت بعد ما مات بسنوات كتير ولسة بتكرهه بشراسة وكأن الراجل لا يزال يحكم مصر؟؟

٢. ليه أجهزة الإعلام بتحاول إعادة إنتاج عبد الناصر الآن؟

بالنسبة للسؤال الأول فمن الممكن الإجابة عليه بجزء من حوار المذيع الأمريكي الشهير تشارلي روز مع الرئيس السابق مبارك..

تشارلي روز كان عمل خمس حوارات مع مبارك خلال التلاتين سنة اللي حكم فيهم مبارك. وبالتالي نشأت علاقة صداقة بينهم، لدرجة مرة تشارلي روز جاب لقطات مصورة في برنامجه على PBS ومبارك بيعمل له جولة في قصر الاتحادية الرئاسي.. 

بعد وفاة حفيد مبارك، كان فيه إشاعات إن مبارك مش قادر يتحمل الصدمة وإنه أصبح في عالم آخر.. علشان الرئاسة تنفي الرواية دي كلموا تشارلي روز ييجي القاهرة يعمل حوار مع مبارك.. الراجل جاء فعلا وعمل الحوار مع مبارك. كان من اللافت إن مبارك اللي بيتكلم انجليزي بشكل جيد جدا وعمل كل حواراته مع تشارلي روز بالانجليزي، اختار (أو تم الاشارة عليه) بأنه يتكلم بالعربي علشان يتحكم باللي عايز يقوله بشكل محكم. وبالتالي كان تشارلي يسأل بالانجليزي ومبارك يسمعه وبعدين يجاوب بالعربي والمترجم يترجم. معدا في حتة واحدة، مبارك خرج عن شعوره وجاوب بالانجليزي..

لكن السؤال الأهم في الحوار كان من تشارلي روز لما سأله:

Mr. President.. How the Egyptians will remember your legacy ؟

هنا مبارك سأله:

legacy ؟

فتشارلي روز أعاد صياغة السؤال بما معنا: بعد عمر طويل كيف تريد أن يتذكرك المصريون؟

فمبارك جاوب بالعربي: أنا اشتغلت خمسين سنة في العمل العام... وعملت كباري وأنفاق و... و...

وبدا أن مبارك لم يدرك معنى كلمة "إرث".. أو ربما تهرب من فكرة الإجابة عن كلمة "إرث"، تفادياً لاستفزاز المصريين!

نرجع للسؤال الأول وهو: ليه الناس لسة فاكرة عبد الناصر؟

هي الإجابة تتلخص في الإرث الذي تركه عبد الناصر.. فكرة المشروع الاجتماعي والاقتصادي اللي رفع طبقات واسعة من الناس من تحت خط الفقر الى سلم الطبقة الوسطى.

البلد في عهده كلها تقريبا كانت طبقى وسطى. الأغنياء في عصر الملكية نزلوا الى الطبقة الوسطى، والفقراء طلعوا الى الطبقة الوسطى. وبالتالي حصل ضرر لخمسة في المائة من المجتمع (وكان أحيانا يسمى بمجتمع النصف في المائة اللي كانوا بيمتلكوا كل ثروات مصر قبل ١٩٥٢) واستفاد من الحراك الاجتماعي والتوسع في التعليم ٩٥ في المائة..

هو الراجل كانت انحيازاته الطبقية واضحة جدا. رئيس جاي للفقراء. طبعا الأغنياء كرهوه ولا يزالوا.. منطقي.

لكن الراجل قبل ما يبدأ مشروعه الاجتماعي كان عمل مقايضة مع الناس. مفيش حريات ومفيش مشاركة سياسية غير وفق اللي هو يرسم سقفها، وفي المقابل فيه تعليم مجاني جيد وخدمات جيدة ومستوى معيشي معقول للكل. موافقين؟ أيوة موافقين.. طب على بركة الله.

السادات كان ذكي جدا وأدرك إن دولة خدمات عبد الناصر، مصاريفها أكبر من إمكانياته، فقرر يغير المعادلة.. عايزين تتكلموا، اتكلموا.. عايزين مشاركة سياسية... مفيش مانع. بس طبعا بدون المساس "بكبير العيلة" والالتزام "بأخلاق القرية يا همت يا بنتي".. لكن مفيش تعليم أو خدمات.. دة عصر الانفتاح والاستيراد والساعات السويسري والعربيات الألماني.. وفتح مخك يا حلاوة تاكل ملبن!

ومع مبارك.. القصة أعتقد معروفة!

فالناس اللي بترفع صور عبد الناصر دلوقتي هي ببساطة عايزة المعادلة بتاعته.. نسلمك يا حكومة حقنا في المشاركة السياسية مقابل تعليم جيد وخدمات جيدة وشغل محترم لعيالنا وعدالة اجتماعية بدون فلان اللي استولى على أراضي الدولة وفتح قنوات فضائية وعمل فيها ثوري.. أو علان اللي بيغسل أموال وبيتبرع بفلوس لأحزاب كرتونية علشان يبعد عن نفسه الشبهات. أو رجل الأعمال اللي استورد دم فاسد أو صديقه اللي معملش صيانة للعبارات فالناس ماتوا بالآلاف في البحر!

وأجهزة الإعلام التابعة للسلطة والمتربية في أحضان أجهزة الأمن، فاهمة الكلام دة، فبيتم تصدير صور عبد الناصر على اعتبار إن الحاكم القادم لمصر هو عبد الناصر الموعود.. 

لكن الكارثة إن الدولة مش حتقدر تعيد معادلة عبد الناصر تاني لأنها في كلمة واحدة: مفلسة.. والأخطر من الافلاس إن الدولة لا تتمتع بالكفاءة اللي تسمح ليها بتقديم خدمات جيدة أو النهوض بالتعليم أو تحقيق العدالة الاجتماعية من خلال ضرائب دخل تصاعدية على الأغنياء.

وبالتالي وصلنا لمعادلة: حنجيب لكم عبد الناصر بس بدون مشروعه!

يعني قمع ومصادرة حريات بس مفيش تعليم أو شغل أو عدالة اجتماعية..

هل الفريق السيسي مدرك لهذا الكلام؟ في الحقيقة لا أحد يعلم ذلك سوى الله.. بكرة حانشوف لما يكون سيادته رئيس للجمهورية، أيه هو برنامجه الاقتصادي والاجتماعي..

لكن على العموم من خلال خطاباته وتسريباته وأحلامه، فالفريق السيسي أقرب لروح الرئيس الراحل أنور السادات.. يتمتع بأداء تمثيلي محبب الى النفس في خطاباته. دمه خفيف. عنده بوادر ما عرف عند الرئيس السادات بسياسة "الصدمات العصبية". اتكلم عن الدعم وأشار ليناير ١٩٧٧.. وإن شاء الله حانشوف أيام جميلة في عهده.. ومصر اليوم في عيد.

No comments:

Post a Comment