Thursday, 19 July 2012

ليلة اغتيال الجنرال الصامت في المكسيك


١

في عام ١٩٩٣ كنت أخدم في قاعدة أنجيرلك الجوية بتركيا. كان سرب مقاتلات إف ١٦ سي الذي أخدم فيه، مكلفاً بمراقبة الحظر الجوي جنوب خط العرض ٣٢ فوق السماء العراقية.

في هذه الفترة نشأت صداقة وطيدة بيني وبين ويليام نايت، والذي كان يحمل رتبة كابتن والتي تعادل رتبة نقيب في القوات الجوية المصرية. كان ويليام والذي كنا نناديه "بيت" يعمل طياراً على متن طائرة الإنذار المبكر الأواكس E3.

كانت طلعاتنا الجوية تضم سرباً من مقاتلات إف ١٦ وطائرة إنذار مبكر أواكس وطائرة التزود بالوقود KC-10، وكنا جميعاً نشعر بالضجر الشديد في هذه المهمات. فقد كانت السماء العراقية خالية من أي نشاط جوي، وكانت ارتفاعاتنا الشاهقة تمنعنا من رؤية أية تفاصيل للمدن العراقية. كنا نقضي أغلب الوقت ونحن ننظم مسابقات على موجات اللاسلكي حول الأفلام وأبطالها. وكان الأكثر معرفة بالإجابات هو "بيت" يليه العبد لله.

انتقلت صداقتنا من الجو وموجات اللاسلكي إلى الأرض، حيث كنا نسهر في الحانة الخاصة بقاعدتنا الجوية (أو للدقة القاعدة التركية التي ندفع إيجارها!).

أتذكر يوماً ما اقتحمت العنبر الذي يقيم فيه "بيت" وصرخت: صدام أطلق سكود نحونا.. إنها الحرب..! ثم ركضت نحو مقاتلتي. أصيب "بيت"، الذي كان مستلقياً حينها، بالفزع وسارع إلى ارتداء بدلته والركض خلفي وهو يصرخ: سكود سي أم سكود بي؟؟

كان كل من في السرب يضحك على رد فعل "بيت" وهنا أدرك زميلي أنها دعابة ثقيلة من تلك التي يطلق عليها بالانجليزية: Practical Joke.

٢

مرت عدة سنوات منذ آخر مرة التقيت فيها بصديقي البريجدير جنرال ويليام جيه نايت (رتبته تعادل العميد طيار) والذي يعمل الآن في استخبارات سلاح الجو الأمريكي، كضابط ارتباط بين القوات الجوية ولانجلي، حيث مقر الاستخبارات المركزية الأمريكية، سي أي أيه.

اتصل بي "بيت" في منزلي الصيفي بمدينة برايتون البريطانية. كنت أتأمل البحر وأقرأ عدد الصباح من صحيفتي المفضلة، التايمز، عندما أضاءت شاشة هاتفي بكلمة Unknown. في كل مرة رأيت فيها هذه الكلمة تذكرت المكالمات التي تأتيني فجأة وتحمل لي أخباراً يصعب هضمها.

هذه المرة كان صوت "بيت" دافئاً وهو يلقي تحية الصباح بودٍ شديد، ويقول: صديقنا الكبير رحل.

أنا: من؟

بيت: الجنرال الصامت.. خزانة أسرار الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وجنوب أوروبا..

أنا: هل تقصد الجنرال أومار..

بيت: نعم أقصد سوليمانهل أنت في البيت؟

أنا: نعم.. لماذا؟

بيت: متى يمكن أن تكون في جاتويك؟

أنا: لا أبعد كثيراً عن مطار جاتويك.. ربما ٤٥ دقيقة إذا تحركت الآن.

بيت: هناك طائرة بوينج clipper c-40 تابعة لنا وتحمل الرقم التسلسلي 10015 ستنطلق بعد نحو ساعة من الآن حيث ستقلك إلى روما.

أنا: لدي ثلاثة أسئلة..

بيت: اثنان فقط!

أنا: حسناً.. الأول: كيف أصل للطائرة؟ والثاني: ماذا تفعل في روما؟

بيت: توجه إلى مركز الشحن بالمطار.. طائرتنا رابضة هناك.. فقط أسأل عن الشحنة المتوجهة إلى قاعدة فيتيربو الجوية.. أما ما أفعله في روما فهو ما أفعله عادةً.. أعتني ببعض الأمور التي يفسدها الآخرون! (وضحك).

أنا: فيتيربو الجوية! الإيطاليون صاروا كرماء معنا.. (ابتسامة) حسناً.. سأكون هناك. أراك قريباً.

طائرة بوينج clipper c-40 هي النسخة العسكرية من الطائرة المدنية بوينج ٧٣٧. كانت فخامة الطائرة مفاجأة سارة لي. علمت من الطاقم أن هذه الطائرة كانت مخصصة لرحلات السيدة الأولى ميشيل أوباما حتى عام ٢٠٠٩، قبل أن تفضل التنقل مع زوجها على متن طائرة سلاح الجو رقم ١ أو طائرة نائب الرئيس سلاح الجو رقم ٢ رفقة جيل بايدن.

بعد ساعتين من الطيران على ارتفاع ٣٢ ألف قدم، وصلت إلى روما. كانت السماء المشمسة باعثاً على الارتياح والبهجة، بعد أن مللت سماء لندن وجنوب انجلترا الرمادية.



توقفت الطائرة بالقرب من القطاع الشمالي من المطار الصغير، حيث يصطف سرب من مروحيات النقل العسكري، شينوك. قابلني عند سلم الطائرة "بيت" بملابسه العسكرية الزرقاء وثلاثة صفوف من الشرائط التي ترمز إلى النياشين التي حصل عليها خلال مهماته العسكرية حول العالم.

٣

بعد أن استبدل "بيت" بدلته العسكرية الزرقاء ببدلة مدنية رمادية (على غرار ما فعله المشير في جولته الشهيرة بوسط البلد ذات مساء)، تبادلنا الحديث في مطعم "روما سباريتا" الذي يقع بوسط العاصمة الإيطالية، بالقرب من جزيرة تيبرينا (تشبه جغرافياً جزيرة الزمالك).

بيت: هل تعلم كيف رحل؟

أنا: أزمة قلبية.. هكذا يقولون في المواقع الإخبارية..

بيت: لا.. هذا غير صحيح.

أنا: على تويتر هذي يقول إنه مات في تفجير دمشق.

بيت: (ضحكة بصوت عالٍ) هذه جيدة.. جيدة للغاية!

أنا: إذن أين وكيف؟

بيت: في المكسيك.

أنا: تفاصيل أكثر..

بيت: لا أستطيع في هذا التوقيت.. إنما ما أعرفه أنه كان يقدم استشارات للحكومة المكسيكية وتحديداً القوات العسكرية المكلفة بخوض الحرب على كارتل المخدرات، حول كيفية مواجهة هذه الميليشيات المسلحة، وفق خبرته السابقة في مواجهة التطرف في مصر خلال التسعينيات.

أنا: تجار المخدرات؟

بيت: لا. ما أعرفه أنهم رجالٌ من منطقتكم.

أنا: مصر أم بلد عربي آخر؟

بيت: بلد عربي متورط في الصراع في سوريا والشرق الأوسط!

أنا: وصلت المعلومة.. لم أكن أعلم أن لديهم هذا المستوى من الكفاءة الدولية!

بيت: الرجل كان يشعر بالكثير من النشاط في الفترة الأخيرة. انظر إلى هذه الصور (ثم أخرج من حقيبته صوراً للمرحوم بالأبيض والأسود التقطت فيما يبدو من مسافة بعيدة للغاية).

أنا: حسناً يا صديقي. هل لديك أية نصائح؟

بيت: نعم.. صدام لم يكن لديه سكود بي في عام ٩٣.. (ثم انفجر في ضحكة بصوت مرتفع)..

بدت عليّ الدهشة الشديدة..

بيت: ما فعلته أنا الآن منذ اتصالي بك في الصباح وحتى هذه اللحظة، هو انتقامي مما فعلته أنت في أنجيرلك عام ٩٣. (ثم واصل الضحك)..

أنا: أيها الوغد اللعين.. لقد أفسدت عليّ الذهاب إلى السينما هذا المساء! لكن هذه الصور.. من أين أتيت بها؟

بيت: إنها من الإنترنت أيها الأحمق، لقد عملت فقط على إخفاء بعض معالمها من خلال أدوبي فوتوشوب.

أنا: حتى أنتم تعلمون ما هو الفوتوشوب!

بيت: لم أفهم!

أنا: لا عليك.. إذن الغداء وتذاكر السينما على حسابك أيها الوغد اللعين..





2 comments: