Monday, 4 March 2013

رئيس.. جنرالات.. ودولة تترنح

الصورة من المجموعة الخاصة بأحمد زكي

في عام ١٩٩٧ تخلص الجيش التركي من حكومة نجم الدين أربكان دون أن يلجأ إلى حل البرلمان أو تعطيل الدستور. أطلق علماء السياسة على هذا الانقلاب مصطلح postmodern coup. منذ عدة أسابيع بدا أن الجيش المصري قد أدخل إلى عالم السياسة مصطلحاً جديداً وهو post-postmodern coup. تصريحات رئيس الأركان لوسائل الإعلام وتصريحات وزير الدفاع، وسيطرة الجيش على بورسعيد، والرغبة المشتركة بين البنتاغون والعباسية في إبقاء علاقاتهما بعيدة عن قصر الاتحادية، كلها أمور تؤكد أن الانقلاب العسكري المتوقع حدث بالفعل.

لكن هذا الانقلاب العسكري الجديد لا يعني نزول الدبابات إلى الشوارع (وقد نزلت بالفعل في محافظات القناة) ولا يعني طرد مرسي من القصر الجمهوري، وإنما يعني الإبقاء عليه كرئيس شرفي يتولى ملف العلاقة السياسية مع حماس أو تمثيل مصر في المؤتمرات الإقليمية أو الاجتماع برموز سياسية موالية له ضمن مسرحيات "الحوار الوطني".

هل ولاية مرسي اقتربت على الانتهاء؟

الأمر أعقد من ذلك. وفق كلمات مرسي فإنه لن يترك القصر قبل "طلوع روحه أو انتهاء ولايته". والجيش لا يريد أن يخلع مرسي بدون تفويض شعبي كاسح، كما حدث مع مبارك. وهذا لن يتحقق بسبب الانقسام الحالي في الشارع.

لا أحد يعلم كم يملك مرسي وجماعة الإخوان من متعاطفين وأنصار في الشارع، ولكن بعض التقديرات تتحدث عن رقم يتراوح بين خمسة إلى سبعة ملايين شخص. وضمن هذا العدد من الناس، فإن هناك من هو مستعد لحمل السلاح من أجل "المشروع الإسلامي". يكفي أن نعلم أن تنظيماً مسلحاً مكوناً من مئة شخص فقط، قادر على أن يجعل دولاً كبرى تعيش في رعب. فكيف إذا واجهت الأجهزة الأمنية أو الجيش تنظيماً مكوناً من بضعة آلاف، مدعومين بتعاطف عدة ملايين من الناس.

الصورة من المجموعة الخاصة بأحمد زكي

إذن مرسي لن يترك القصر قبل انتهاء ولايته. وعلى الأرجح لن يتم إجراء انتخابات رئاسية مبكرة. ولكن سيتحول مرسي من رئيس جمهورية إلى رئيس شؤون القصور الجمهورية. فالرجل فقد التفويض الشعبي بعد فشله في إدارة أزمات الدولة، ورغبته في أن يكون ممثلاً لمكتب الإرشاد على رأس الدولة، وليس رئيساً مستقلاً عن جماعته التي صنعته. وهذا أمر منطقي بالنظر إلى إمكانياته الضعيفة في القيادة أو التفكير.

هل يريد الجيش العودة للحكم؟

قبل ليلة من إعلان نتيجة الانتخابات الرئاسية، كنت أجلس مع مجموعة من الأصدقاء في قهوة بحي عابدين في القاهرة. بينما نحن نتحدث عن السيناريوهات المتوقعة في حال فاز مرسي أم فاز شفيق، وموقف المجلس العسكري خلال الفترة التي ستعقب اختيار رئيس جديد للبلاد، شاهدت قافلة من السيارات المدرعة التابعة للشرطة وهي تتجه إلى قصر عابدين الجمهوري. أكثر ما أدهشني أن هذه القافلة لم تثر انتباه أياً من أصدقائي. بدا لي أن القاهرة اعتادت على رؤية المدرعات والمصفحات والحواجز الأسمنتية والاشتباكات المسلحة التي يسقط فيها قتلى وجرحى من أطراف سياسية أو من مارة، تصادف حظهم العثر المرور من هذا الشارع أو ذاك الميدان!

خلال النقاش، دافع صديقنا "الثوري" عن وجهة نظره بأن مصر جديدة بدون حكم عسكري ستبدأ بعد ساعات. بينما دافع صديقنا "الواقعي" عن وجهة نظره بأن مصر محكومة بعوامل أكبر من أن يتم تغييرها عبر نتيجة انتخابات. ثم سأل صديقنا "الواقعي" صديقنا "الثوري": أنا معايا الدبابة.. أنت معاك أيه؟

بدا لي هذا السؤال هو العنوان العريض لما سيحدث في مصر.

فالجيش لا يريد العودة للحكم. تاريخياً لم يحكم الجيش مصر سوى مرتين. المرة الأولى بين عامي ١٩٥٢ و١٩٥٤. والمرة الثانية بعد خلع مبارك وحتى تسليم السلطة إلى مرسي في ٢٠١٢. بعد عام ١٩٥٤، خلع الضباط بدلاتهم العسكرية وحكموا من خلال واجهات سياسية: بدأت بهيئة التحرير، ثم الاتحاد الاشتراكي، ثم حزب مصر، ثم الحزب الوطني الديمقراطي. خلال حكم مبارك، كان صفوت الشريف وزكريا عزمي وكمال الشاذلي وأحمد عز وجمال مبارك يحددون شكل السياسات التي تؤثر على حياة المواطن أكثر من قادة الجيش.

الصورة من المجموعة الخاصة بأحمد زكي

لكن الجيش في مصر مكلف بشيئين: أولاً: ضمان ألا ينجر إلى أي مواجهة عسكرية مع إسرائيل. والتالي فهو الضامن لمعاهدة السلام المصرية الإسرائيلية. وهو أمر أكد عليه وزير الدفاع المصري الحالي والسابق بشكل علني وخلال لقائاتهما مع المسؤولين الأميركيين. ثانياً: الحفاظ على وحدة أراضي الدولة المصرية وضمان ألا تنزلق إلى الفوضى. فهو الذي أسسها وفق تفويض ورؤية محمد علي باشا. وهو الذي يمتلك ضمن حدودها أكبر كيان اقتصادي، وفق رؤية الرئيس الراحل أنور السادات في إدخال الجيش إلى الحياة الاقتصادية في أواخر سبعينات القرن الماضي، ضمن رؤيته الأوسع لحرب أكتوبر "كآخر الحروب"..!

لبنان أم الصومال؟

من الأمور التي ستظل محوراً للكثير من النقاشات الأكاديمية والسياسية لفترة طويلة، هو كيف دفع رئيسٌ منتخب جيش بلاده إلى الانقلاب عليه، عندما هددت سياساته فكرة الدولة نفسها. فتحرك الجيش لاستلام محافظات الدولة التي خرجت عن سيطرة الحكومة، لم يكن نتيجة تخطيط عسكري يريد السيطرة على الحكم، وإنما إنقاذاً لدولة على بعد خطوات من تكرار الرواية اللبنانية أو الحكاية الصومالية!

الجيش أثبت أنه ليس الجهة الأفضل لحكم مصر. كما أن الإخوان أثبتوا أنهم ليسوا أيضاً تلك الجهة. ما يجري حالياً هي فترة انتقالية ستنتهي بكتابة دستور جديد، وبإشراك قوى سياسية في معادلة الحكم، وبناء جناح سياسي للنظام الذي تبقى منه جناحه العسكري فقط.

2 comments:

  1. تجية وتقدير على هذه الرؤية الصائبه ، فجميعنا ينتظر تدخل الجيش ، ولكننا كنا ننتظر التدخل الصريح ، وليس التدخل الذى رصده مقالك ، تحية مرة احرى

    ReplyDelete
  2. مش مصدق ان الكلام دة اتكتب ف مارس !!!! انت تنبأت بالمستقبل بالدقة دي ازاي !!!!!!

    ReplyDelete