Saturday, 23 March 2013

المارد الذي خرج بعد الثورة

الصورة من المجموعة الخاصة بأحمد زكي - لندن
شريف علاء*

كشف الربيع العربي عن مارد كان كامناً في قمقمه سنين طوال، كان يظهر على استحياء وفي خوف قبل قيام الثورات فإذا ظهر استنكره الجميع وحاربه حتى عاد إلى مخبأه. كلما كان يعود إلى هذا المخبأ كان يظن الجميع أنه قد فارقنا إلى غير رجعة حتى يفاجئنا مرة أخرى بظهوره. أما بعد قيام الثورات فقد صار حراً طليقاً يجول في شوارع القاهرة وتونس وطرابلس ودمشق دون الحاجة إلى أن يختبئ؛ عن العنف المجتمعي أتحدث.

لا أحد يختلف على شمولية الحكام في العالم العربي، ولا سيما في الدول التي قامت بها الثورات. الدولة البوليسية القمعية التي أبدعت في تعذيب المواطنين وابتكرت أحدث الأساليب في زيادة معاناة الكادحين كان لابد من أفولها بل وانهيارها. أسطورة الدولة الأمنية التي تعرف الأمور حتى قبل حدوثها صارت في طي النسيان. فقد سقط بن علي ومن بعده مبارك في أسابيع بل أيام قليلة، ثم لحق بهما معمر القذافي بعد ثورة بدأت بلافتات في أيدي المتظاهرين ثم تحولت إلى حرب أهلية ومدافع في أيدي المحاربين.

ولكن سقوط القذافي كان أشبه بناقوس خطر للجميع. فقد قام معارضو القذافي بقتله والتمثيل بجثته والتمتع بتصوير هذه اللحظة في مشهد أشبه بفيلم رعب يصور حياة قاتل متسلسل مريض نفسياً. هذه ليست المشكلة الوحيدة، فالكارثة الأكبر كانت مباركة الملايين من الليبيين والعرب لهذا العمل الوحشي بحجة أن "هذا هو ما جناه من أعماله" وكأننا نعيش بقوانين الغابات. إذا حدثت أحدهم عن الحق في المثول أمام العدالة والقضاء (سواء على المستوى الوطني أو الدولي) اتهموك بالعمالة أو بعدم إيمانك بالثورة وفي أحيان كثيرة بأنك "من فلول النظام". منطقهم أن القذافي –على سبيل المثال- كان لا يحترم حق معارضيه في المحاكمة العادلة لذا يجب ألا يتمتع هو نفسه بهذا الحق.

إذا كيف فرقتم أنتم عنه؟

هذا الحادث لم يكن هو الأول وليس هو الأخير، ولكنه كان حدث جلل نستحق أن نقف عنده. ففي مصر على سبيل المثال مع سقوط مبارك ارتفع معدل الجريمة إلى أقصى درجاته في التاريخ بشكل ينفي عن مصر أنها "بلد الأمن والأمان". ليس فقط من الناحية الكمية، بل أيضاً من الجانب الكيفي. فقد شهدت مصر جرائم لم تعرفها من قبل مثل سرقات البنوك بالأسلحة، أو إطلاق النيران على أكبر طريق بمدينة القاهرة لاستيقاف سيارة وسرقة محتوياتها في وضح النهار. والعقلية التآمرية بالطبع وجدت التربة الخصبة لزرع كافة المؤامرات لتبرير هذه الظاهرة. فمال الكثيرون إلى أن النظام السابق يستغل "البلطجية" من أجل ترويع المواطنين حتى يكفروا بالثورة ويتمنوا لو أن مبارك يعود يوماً. ومال بعض التآمريين -الأكثر عقلانية من غيرهم- إلى أن هؤلاء المجرمون كان يتم استخدامهم من النظام السابق، فلما سقط النظام أصبح هؤلاء بدون عمل فاتجهوا إلى هذا النوع من الجرائم.

بالطبع انهيار الشرطة في مصر ووجود فراغ أمني "أو انفلات أمني" أدى إلى ارتفاع معدل الجريمة. ولكن حتى في المناطق التي تشهد تواجداً أمنياً بشكل نسبي نجد أن المجرمين يمارسون أعمالهم غير عابئين بوجود قوات أمن، بل وصل الأمر إلى اشتباكات بالأسلحة وسقوط قتلى بين صفوف الطرفين. قد لا يهتم الكثير لهذا الأمر حيث يعتبرونه ظاهرة أمنية وليست اجتماعية. فكل مجتمع فيه المجرمون ولا يوجد مجتمع خال من الجريمة.

ولكن الأمر في دول الربيع العربي –ولازلنا في تحليل مصر- تعدى كونه ظاهرة أمنية وأصبح ظاهرة اجتماعية أو مجتمعية. الجرائم في مصر تغيرت تماماً بعد قيام الثورة. لا أحد ينكر وجود التحرش الجنسي في مصر منذ سنين، ولكن الأمر الآن وصل إلى مرحلة الإغتصاب الجماعي للفتيات في الميادين العامة وقت الظهيرة، بل وفي أشهر ميادين العالم وأكثرها اكتظاظاً بالمارة والمتظاهرين: ميدان التحرير. هذا الميدان شهد العديد من حالات الاعتداء الجنسي وهتك العرض وجرائم اغتصاب جماعي يرى البعض أنها منظمة وممنهجة من قوى سياسية لحث المرأة على عدم التظاهر، ويرى البعض أنها تلقائية أو وليدة اللحظة من شباب يعاني من الكبت وافتقاد الإطار القيمي أو الأخلاقي الذي قد يردعه. ويفسره بعض المحافظين على أنه دليل على بعد الشباب عن الدين بسبب الإعلام والفن الذين "يظهروا صورة تتعارض مع الدين" على شاشاتهم.

وعلى الصعيد السياسي، فمع زيادة استخدام العنف من قوات الأمن لمواجهة التظاهر والغضب الشعبي لجأ المتظاهرون إلى إلقاء الحجارة، ثم الزجاجات الحارقة والتي يؤكد البعض أنها من "قلة مندسة" لإثارة الفتن أو أنها ليست من صنع الأمن أو المتظاهرين وإنما هي من تدبير "طرف ثالث". بينما يرفض بعض المتظاهرين هذا المنطق في الحديث ويؤكدون على استخدامهم هذه الأسلحة لمواجهة بطش الشرطة (أو الجيش) وأن الثورة المصرية لم تكن سلمية من الأساس حيث قامت الجموع الغاضبة بإحراق جميع مراكز الشرطة على مستوى الجمهورية فيما سُمى "بجمعة الغضب". ثم تطور الأمر بعد ذلك في الشهور والأسابيع الماضية ليصل إلى عنف بين المواطنين وبعضهم لاختلافات سياسية. فمثلاً قام مؤيدو الرئيس بمهاجمة معارضيه فيما عرف بـ"جمعة كشف الحساب" ثم وصل الأمر إلى قيام المؤيدين باحتجاز المعارضين وتكبيلهم في أسوار قصر الرئاسة والإعتداء عليهم وفق بعض شهادات الضحايا في الإعلام.

وإذا نظرنا إلى باقي بلدان الربيع العربي فما أشرت إليه ليس ببعيد وينطبق عليهم أيضاً. فمثلاً حينما تم نشر الفيلم المسيء للرسول قامت مظاهرات غير سلمية أمام سفارات الولايات المتحدة الأمريكية حيث قام المتظاهرون باقتحام السفارة وحرق العلم في أكثر من دولة عربية. كما قاموا برفع صور لأسامة بن لادن وشعارات معادية لليهودية والمسيحية ومنها رفع صورة هتلر وشعار النازية. وفي بعض الأحوال سقط قتلى أثناء محاولاتهم اقتحام السفارة مثلما حدث في اليمن.

بل وصل العنف إلى المساجد والكنائس أيضاً، فرأينا بعض المتشددين في أكثر من مناسبة يقومون بالإعتداء على كنيسة سواء بحجة أنه تم احتجاز سيدة مسيحية أسلمت داخل الكنيسة أو في حالة وجود شجار بين مسلم ومسيحي فيتطور الأمر إلى هدم الكنيسة. كما تم استخدام المنابر الدينية في أعمال تصب في زيادة العنف، فقد أفتى أحدهم منذ شهور في تونس بأن شكري بلعيد كافر ومرتد ويجب قتله وأن دمه حلال. وبعدها بشهور تم اغتيال القيادي اليساري المناضل. لن أخوض في البحث عن من يقف وراء اغتياله ولكن من الوارد جداً أن أحدهم قد استند في فعله هذا إلى الفتوى المشار إليها. كما رأينا بعض القنوات الدينية تفتي بفتاوى مشابهة بقتل معارضين في مصر مثل محمد البرادعي -الرئيس السابق لهيئة الطاقة الذرية وأحد رموز المعارضة- وحمدين صباحي القيادي بالتيار الشعبي والمرشح السابق لانتخابات الرئاسة المصرية.

المعارضة الآن في أكثر من دولة تلجأ أيضاً إلى العنف، فقد رأينا اعتداءات على مقرات النهضة في تونس ومقرات الإخوان المسلمين في مصر. ولم ينته الأمر عند هذا الحد، فقد بدأ يؤمن الكثيرون بأن استرداد الحقوق أو القصاص لا يتم إلا بالقوة. فظهرت في الآونة الأخيرة مجموعات ملثمة تقوم بقطع الطرقات أو تعطيل المرور أو تجهيز الزجاجات الحارقة للمظاهرات. وقد امتد هذا الحس الإنتقامي ليصل إلى جميع فئات المجتمع سواء الشرطة أو الشعب. فقرأنا في الأخبار عن أن بعض أفراد الشرطة المصرية والمواطنين قاموا بدهس أحد الخارجين على القانون بالأقدام حتى الموت لاشتباههم في أنه قد قتل ضابط شرطة. وخلال الأسابيع الماضية تم نشر خبر تقشعر له الأبدان حيث قام بعض سكان إحدى القرى في صعيد مصر بحرق رجل مريض عقلياً لأنه "يضايق المارة بإلقاءه الحجارة عليهم".

يجب ألا ندفن رؤوسنا في الرمال كما النعام حتى لا تستمر هذه الظاهرة في الزيادة. الكارثة الأضخم هي أن معظم هذه الجرائم لم يتم الإعتراف بها كجرائم، ومن قام بها يمارس حياته اليومية بشكل طبيعي ولا يرى أنه قام بعمل إجرامي كالتحرش بفتاة أو هدم كنيسة أو التحريض على القتل أو الإعتداء على أحد المعارضين أو حرق مجنون أو سحل مجرم. فلكل جريمة من هذه الجرائم "تبريرات منطقية" في رأيهم. الأمر سيزداد سوءاً إذا أنكره الجميع. فمكافحة العنف المجتمعي هي مسئولية الجميع. بالطبع يقع الجزء الأكبر من المسؤولية على السلطات وقوات الأمن المفترض بها تطبيق القانون ومنع الفوضى، إلا أن هذا لا ينفي أن على كل فرد في المجتمع أن ينبذ العنف وألا يؤمن بمنطق القصاص الفردي وإلا عدنا إلى عصور ما قبل التاريخ.

ملاحظتي هي أن هذا العنف كان دفيناً داخل الأفراد بسبب سوء المعيشة والإحساس بالظلم والقهر ولكنه كان مصحوباً بالإحساس بالخوف من بطش الأنظمة. ولكن كسرت الثورات هذا الحاجز النفسي المتمثل في الخوف مما أطلق العنان لممارسة العنف بسبب عدم إيمان الشعوب بأن هناك سيادة للقانون وأن هناك عدلاً سيأخذ مجراه في حالة وقوع الظلم. إصلاح منظومتي العدل والأمن يجب أن يكون أولوية في دول الربيع العربي ما بعد الثورات.

*ناشط في مجال مراقبة الانتخابات، ويعكف حاليا على دراسة الماجستير في مجال العلاقات الدولية في جامعة كينجز كوليدج بلندن.

No comments:

Post a Comment