Sunday, 5 February 2012

مذبحة بورسعيد.. واللعب على حافة الهاوية

 
1
في الثاني من أغسطس عام 1980 وتحديداً في الساعة العاشرة صباحاً وخمس وعشرين دقيقة، انفجرت عبوة شديدة الانفجار في غرفة الانتظار بمحطة القطارات المركزية في بولونيا بشمال إيطاليا.


أسفر الانفجار عن مقتل خمسة وثمانين شخصا وجرح أكثر من مئتين. نسب العمل الذي وصف بأنه "أحد أكثر أعمال الارهاب قذارة خلال التاريخ الايطالي الحديث" الى منظمة فاشية تدعى "الثوار المسلحين لنيوكلي".


لكن هذه الجماعة الفاشية لم تكن هي التي تقف وراء هذا التفجير. فقد كشفت تحقيقات في وقت لاحق أن منفذي التفجير كانوا أفرادا في عصابة للاتجار بالمخدرات تحمل اسم "باندا ديلا ماجليانا". أما هذه المنظمة فقد كانت وراء عدد من عمليات الترويع والاختطاف والتفجير خلال الحقبة التي اصطلح بتسميتها في التاريخ الايطالي بـ"سنوات الرصاص".

تكشف فيما بعد أن عصابة المخدرات تلك كانت واجهة لجهاز الاستخبارات العسكري الإيطالي المعروف اختصارا بـ SISMI وهو جهاز استخبارات أنشئ 1977 ويقال إنه تم تفكيكه عام 2007. هذا الجهاز كان جزءا من جهود الولايات المتحدة وحلف الناتو في محاربة خطر الشيوعية في إيطاليا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، عندما كان وصول الحزب الشيوعي الى الحكم في ظل حرب باردة، وفي أحد أهم دول حلف الناتو، يشكل كابوسا، لا تريد المؤسسة العسكرية والأمنية الأمريكية تخيله.


لذا فإن جهاز الاستخبارات العسكري الإيطالي كان أداة للحفاظ على شكل الدولة الايطالية التي تسيطر عليها أحزاب اليمين المسيحي والتي ترى في التحالف مع الولايات المتحدة والبقاء في المعسكر الغربي ضرورة للحفاظ على تماسك الدولة (توحدت الدولة الإيطالية عام 1861).

كان شعار جهاز الاستخبارات العسكري الإيطالي أنه "يخدم الدولة بغض النظر عن شكل الحكومة أو توجهها". وتحت هذا الشعار كان الجهاز جزءا فاعلا من شبكة تضم "تنظيم جلاديو"، التابع لحلف الناتو، والمحفل الماسوني "بروباجاندا ديو".

هذه الشبكة هي التي أبقت إيطاليا ساخنة خلال حقبة سنوات الرصاص، وتورطت في تسهيل خطف واغتيال رئيس الوزراء وزعيم الحزب الديمقراطي المسيحي ألدو مورو من قبل الألوية الحمراء عام 1978 (شيء شديد الشبه باغتيال الرئيس السادات عام 1981).
 
2
 
انهار الاتحاد السوفيتي وانهار النظام السياسي ممثلا في الحزب الشيوعي، الذي كان متغلغلا في كل وحدة بناء داخل الدولة السوفيتية، بما فيها الجيش الأحمر. لكن الاتحاد السوفيتي الذي مات ترك ورائه جهازا أمنيا تحول من "لجنة أمن الدولة"، المشهور باسم الكيه جي بي، الى "جهاز الأمن الفيدرالي" أو FSB.


ورث الجهاز الجديد للاتحاد الروسي جميع الملفات التي عمل على جمعها جهاز الأمن للدولة السوفيتية. بل عندما أوشك الاتحاد الروسي على الانهيار بسبب فساد الطبقة الحاكمة، ممثلة في الرئيس يلتسين، استورد الجهاز الأمني الجديد للدولة الروسية من الدولة السوفيتية، عميلا سابقا في الكيه جي بي، وهو ضابط الاستخبارات فلاديمير بوتين، ونصبه رئيسا للدولة لولايتين، ومن بعدها رئيسا للوزراء، وقريبا رئيسا مرة أخرى للدولة.

3

الدول التي لها بناء أيدولوجي، قد تموت بوفاة الايدولوجية، لكن الأجهزة الأمنية لا تموت. وهي قادرة على التحور والتحول الدائم، وكأنها تثبت صحة نظرية داروين في النشوء والارتقاء.

لا تؤمن هذه الأجهزة الأمنية بأي أيدولوجية، وهو ما يمكنها من خدمة النظام بغض النظر عن توجهاته. وإنما تؤمن هذه الأجهزة بأنها وجدت كي تحافظ على شكل الدولة وتماسكها من الأعداء في الداخل. فهي غير مشغولة بذات القدر بأعداء الخارج، لأنهم في نظرها "عدو بعيد" وهو أقل خطرا من "عدو قريب"، وفق أجندة أولوياتها.
 
لذا تجد هذه الأجهزة وحشاً خفياً يجب السيطرة عليه في التنظيمات الطلابية الكبيرة كاتحادات الطلاب في الجامعات، وروابط مشجعي كرة القدم. لكن هذه الأجهزة لا تسعى للقضاء على هذا الوحش، لأنها تحتاجه للسيطرة على القطاعات العريضة من الجماهير، والتي تشعر بالخوف عندما تقرأ مانشيتات عريضة تتحدث عن "إحباط مؤامرة خارجية لضرب أماكن حيوية"، "ضبط خلايا تريد العبث بأمن البلاد في جامعة السنبلاوين".

4

أجهزة الأمن التي نتحدث عنها لا تختص بالأمن العام، فهو متروك لوزارة الداخلية. ولا تختص بأمن النظام، فهو متروك لأجهزة أمن الدولة، ولا تختص بالحفاظ على أمن الأسرار العسكرية، فهي اختصاص المخابرات الحربية، وإنما تختص بالحفاظ على أمن الدولة بشكلها الذي تم الاتفاق عليه بين القوى السياسية والاقتصادية في أي دولة على مدى زمني طويل.

وتعتبر هذه الأجهزة أن أسلحتها هي "الاختراق الفعال والدائم" لأجهزة الأعلام، وخصوصا تلك التي لا تخضع لسيطرة الحكومة. فوسائل الاعلام تلك، مثل الصحف والقنوات الفضائية الخاصة، تتمتع بمصداقية كبيرة لدى الرأي العام. لذا تترك لهذه الوسائل مساحات واسعة من الانتقاد الحاد والعنيف للوزراء، بل ورأس الحكم، ضمن ما يعرف بتكتيك "تراكم رصيد الثقة".


لكن عند اللحظات المفصلية في حياة النظام، يتم توجيه هذه الوسائل لاحتواء أي معارضة شعبية واسعة أو التشكيك فيها. وهو ما تم خلال الأيام الثمانية عشر للثورة في يناير وفبراير 2011، عندما تم "الصرف" من "رصيد الثقة" في القنوات الخاصة على الدفاع عن مبارك في البداية، ثم الدفاع عن مشروع وراثة عمر سليمان للحكم، عندما تيقنت الأجهزة من أن مبارك أصبح "مكلفا (التعبير الأكثر دقة هو liability) بشكل أكبر مما يمكن أن تسمح به الدولة (المقصود بالدولة هنا هو تعبير The State وهي ليست الدولة كمؤسسات، ولكن يقصد به الجسم الصلب للدولة من مؤسسات أمنية وسيادية)".

تتميز هذه الأجهزة بأنها دائما أقوى من مؤسسة الحكم، لأنها الوحيدة من بين أذرع الدولة، التي يعهد إليها بوراثة الملفات الأمنية من الحقبة السابقة (ممثلة في رحيل رئيس) الى الحقبة اللاحقة (ممثلة في الرئيس الجديد).

5

في لحظات التحول الدراماتيكي في حياة الأنظمة السياسية الديكتاتورية، قد تتحول الوزارات المعنية بالأمن العام، والتي كانت تتمتع بسلطات أوسع مما هو ممنوح لها وفق القوانين، الى "وزارات مارقة".

والسبب وراء تحول وزارة أمنية الى "جهاز مارق"، أن الأنظمة الديكتاتورية عندما تنحصر في شخص الرئيس وعدد محدود من المقربين منه (الأسرة الصغيرة لبن علي أو الأسرة الصغيرة لمبارك)، ولا يكون لديها طبقة حاكمة واسعة (الحزب الشيوعي الكوبي أو الحزب الشيوعي الصيني)، تبني روابطها مع الجهاز المكلف بحفظ الأمن السياسي أو الأمن العام على قاعدة الثقة الشخصية في عدد محدود من الشخصيات، التي أثبت قدرتها على "الإنجاز" (ability to deliver) فضلا عن الولاء المطلق لشخص الرئيس.

وبالتالي عندما يرحل الرئيس فجأة فإن الجهاز الأمني يكون قادرا على الدخول في تسويات مع الرئيس الجديد للحفاظ بصلاحياته التي اكتسبها خلال الحقبة السابقة. أبرز أشكال هذه التسويات هي التخلي عن مهمة حفظ الأمن أو افتعال مشاكل أمنية، خصوصا في الأمن العام.


6

ملاحظات:

1. من الوضح أن القوة السياسية الرئيسية في البرلمان لم تتحرك بفعالية لمواجهة الأزمة الأمنية الخطيرة التي تتعرض لها البلاد للأسباب التالية: 1. عدم الرغبة في الدخول في أي مواجهات مع النظام، بعد أن حصلوا على شرعية الوصول الى الحكم للمرة الأولى منذ عقود. 2. الاستفادة من أن أي انشغال للأجهزة الأمنية مع قوى أخرى غيرهم، يسمح لهم بتأجيل المواجهة مع المجلس العسكري.

2. المجتمع الدولي غير مهتم بالضغط على أي طرف من الأطراف الفعالة من الأزمة للأسباب التالية: 1. الملف السوري والإيراني وصلا الى المرحلة الحرجة التي تتطلب تكثيف الجهود في جبهة واحدة. 2. النظام الحاكم غير مسيطر بدرجة كلية على المشهد السياسي، وهو يبدو متخبطا وقادرا على المغامرة بعلاقاته الاستراتيجية الرئيسية من أجل مكاسب في الداخل. وبالتالي ليس من المفيد على المدى المتوسط أو البعيد الضغط عليه في اللحظة الراهنة. ويكفي أن نتذكر أن مذبحة بورسعيد لو كانت وقعت في حقبة مبارك، لكانت الإدانات الرسمية انهالت على نظامه، من أجل الحصول على "خدمات سياسية".

3. كشفت مذبحة بورسعيد أنه لا يوجد في مصر من هو قادر على رفع سماعة الهاتف للحديث مع القاهرة، وهذا هو أخطر ما في هذه الأزمة!


No comments:

Post a Comment